تحدد مستقبل أوروبا اليوم في شوارع فرنسا، التي تنفق أكثر مما ينبغي، وتتجه نحو أزمة ديون قد تزعزع استقرار اليورو والاقتصاد الأوروبي ككل. وفي الوقت نفسه، تشهد المدن الفرنسية فوضى وحرائق، وسط احتجاجات على نقص التمويل الحكومي المخصص للتعليم.

وتتكرر مشاهد مماثلة في أنحاء القارة. فقد أدت احتجاجات غلاء المعيشة إلى انتشار شرطة مكافحة الشغب في ميلانو الايطالية، وتسببت احتجاجات مشابهة إلى المطالبة بانتخابات مبكرة قد تطيح بالحكومة الإسبانية. وبعد أيام من إصدار 46 خبيراً اقتصادياً ألمانياً رسالة أكدوا فيها أن إصلاحات عميقة للمعاشات التقاعدية ضرورية لبقاء النظام، خرج عشرات الآلاف في أنحاء ألمانيا للاحتجاج عليها.

ومع مواجهة خيارات صعبة تتعلق بالأمن والتقاعد والرعاية الاجتماعية، يبدو أن قلة من الناخبين الأوروبيين مستعدون للتضحيات التي يؤكد الاقتصاديون ضرورتها. ويلوم بعض المحللين الناخبين لافتقارهم الرغبة أو القدرة على رؤية الصورة الأوسع، بينما يحمل آخرون النخب المسؤولية. لكن القاسم المشترك واضح، حيث لا يضحي الأشخاص من أجل نظام يعتقدون أنه مُعطل. ومع تراجع الثقة في الحكومة، تزداد القرارات الصعبة تعقيداً.
ويقول خافيير كاربونييل، كبير المحللين في مركز السياسات الأوروبية ببروكسل إن الناس لا يستطيعون ابتكار الحلول، لكنهم بارعون في إدراك وجود خلل في النظام. وبينما تراجعت الثقة بالحكومة الأميركية منذ عقود، تشير استطلاعات الرأي إلى أن الظاهرة باتت الآن واضحج في أوروبا.
وقد تراجعت ثقة الألمان بالحكومة من 75% إلى 55% بين عامي 2015 و2024، وفقاً لأحد الاستطلاعات، بينما انخفضت في فرنسا من 46% إلى 29% بين عامي 2022 و2025. وفي بريطانيا، قال 45% من المشاركين في استطلاع عام 2024، وهي نسبة قياسية، إنهم يثقون بنسبة ضئيلة للغاية بالحكومة في إعطاء الأولوية لاحتياجات البلاد، بزيادة 22 نقطة مئوية خلال أربع سنوات.
وتتضح عيوب الديمقراطية في تلك الأوضاع. ويشير الفيلسوف البريطاني جوليان باغيني إلى أن أفلاطون وأرسطو لم يكونا من المؤيدين للديمقراطية، إذ خشيا استبداد الأغلبية، حين يفرض المنتصرون إرادتهم ويتجاهلون المنطق وحقوق الآخرين.
وقد كبحت الدساتير الديمقراطية هذه النزعات، لكن «باغيني» وآخرين يرون أن ما حافظ على تماسك النظام هو ثقافة التوافق، والالتزام بأعراف سياسية تقوم على التعاون والعمل الجماعي، إذ يقول «باغيني» إن: «جوهر النظام الديمقراطي هو فن التسوية، وليس الحصول على كل ما تريده».
أما اليوم، فقد ساد تصور بأن «المجتمع تحول إلى لعبة صفرية، لا يتحقق مكسب لأحد إلا على حساب خسارة الآخر». ويُرجع باغيني ذلك جزئياً إلى تحولات ثقافية عززت شعور الناخبين بالاستحقاق. ويقول: «في خمسينيات القرن الماضي وستينياته، لم يكن معظم الناس يتوقعون أن ينحني العالم لإرادتهم. بل ساد شعور بالاعتماد المتبادل: علينا أن نتكاتف». 
لكنّ آخرين يرون أن شكوك الناخبين مبررة. فالنخب تندد بصعود اليمين المتطرف، لكنها لا تدرك أن كثيراً من الناخبين يتجهون إلى أي طرف يعتقدون أنه قادر على إصلاح النظام المعطوب، وفقاً لكاربونييل. ويضيف أن الطبقة العاملة «شهدت تراجعاً اقتصادياً كبيراً ارتبط بالإحباط. ويقول أفرادها: نحن لسنا جزءاً من النظام».
ويعود جانب من المشكلة إلى طريقة عمل الديمقراطيات، فإحباط الشباب المتزايد يرتبط جزئياً بالتحولات الديموغرافية، إذ يؤدي انخفاض معدلات المواليد في الغرب إلى زيادة نسبة كبار السن، الذين يهتمون بالتصويت أكثر من الشباب، مما يعمق شعور الأجيال الأصغر بالتهميش وانعدام التأثير السياسي. والاحتجاجات الفرنسية أبرز الأمثلة على ذلك.
وهناك أيضاً تحديات هيكلية أعمق، منها التركيز على المدى القصير نتيجة إجراء الانتخابات كل أربع إلى خمس سنوات. وتشير سيما شاه، من المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية في ستوكهولم، إلى ضرورة الحفاظ على المؤسسات الديمقراطية، لكنها تحتاج أيضاً إلى مواكبة تغيرات العصر.
وتضيف أن «المؤسسات لا تستجيب بطرق تجعلنا نشعر بأننا نلقى الرعاية والاهتمام، وهي مشكلة مؤسسية متجذرة، حيث نحتاج إلى تحديث أنظمتنا، بدءاً من استخراج رخصة قيادة، وصولاً إلى إصدار وزارة العدل سياسة جديدة».
ومع ذلك، تشير مؤشرات إلى أن الحكومات تستطيع اتخاذ قرارات صعبة عندما تتوافر الثقة. فدول الشمال الأوروبي تسجل باستمرار أعلى مستوياتها التنموية، وقد أجرت دول عديدة منها إصلاحات صعبة للمعاشات. وكانت الإصلاحات الدنماركية من الأكثر صرامة، إذ جعلت الفترة بين التقاعد ومتوسط العمر المتوقع عند الوفاة الأقصر في أوروبا.
لم يكن الأمر سهلاً، لكنه أمكن لأن الدنماركيين يعتقدون أن نظامهم يعمل بكفاءة، ويوفر تعليماً ورعاية صحية وخدمات اجتماعية عالية الجودة. وهذا يجعل العمل السياسي في الدنمارك سهلاً نسبياً، كما يقول كريستيان ألبريكت لارسن، الخبير في دولة الرفاه الدنماركية بجامعة ألبورغ، مازحاً، فالناخبون يدركون ما ينبغي فعله.ويقول: «إذا شعرت بأنني أستفيد من النظام، فسأرغب في الحفاظ عليه، وسأكون مستعداً للتضحية بشيء من أجله».
*صحفي أميركي متخصص في الشؤون الدولية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»