ليست كلمات تُلقى، ولا حكايات تُروى، ولا روايات تتعاقب فصولها ثم تنقضي، إنها أعظم من ذلك وأرقى، منظومة من القيم والمعاني والرؤى، ينتظمها خيط من الاتساق والانسجام والثبات، إذ إن السرد في لغة العرب إحكامُ النظم، وحسنُ السبك والنسج والتأليف، حتى تبدو وكأنها انبثقت من مشكاة واحدة، وخُلقت على هيئة واحدة. ولعل القلادة خيرُ ما يجسّد هذا المعنى، فليست قيمتها في حباتها المفردة، وإنما في الخيط الذي يجمعها، والنظام الذي يؤلف بينها، والرمزية التي تعبّر عنها، وهكذا هي السردية الإماراتية كاللآلئ في عقدٍ واحد، كما قال الشاعر:
يَزينُ لَبَّتَها درٌّ تكنَّفَهُ … نُظّامُهُ فأجادوا السَّرْدَ إذْ سرَدوا
ولهذا حمل العقد في الوجدان العربي دلالات الجمال والانتماء، والدلالة على الروابط الأسرية والاجتماعية. وكلما اشتدت حلقاته وتلألأت درره، وتماسكت أجزاؤه ازداد بهاء وقوة، فالسردية ليست رواية تتغير فصولها بتغير الظروف، وإنما رؤية متكاملة تتآلف فيها القيم والمواقف والمبادئ. تنسج خيوطها من ماض أصيل، وحاضر فاعل، ومستقبل واعد، ضمن سياق واحد تنتظم حلقاته وتتوحد مرجعياته.
وفي كلمات المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، تتَبَدَّى هذه الحقيقة بوضوح، فحين نُصغي إليها ونتدبرها، ندرك جوهر هذه السردية في أنقى صورها، إذ تتجلى فيها وحدة الفكرة مع الواقع، وانسجام المبدأ مع الممارسة، وتطابق الطموح مع المسار، فكانت زبدةَ الحكمة، فلهذا وَجدت إلى القلوب طريقَها، وتمكنت من النفوس، لأنها صدرت عن صدق عميق، وانبثقت من هوية الوطن واحتياجاته وآفاقه. ومن هنا امتد أثرها عبر الأجيال، واستقرت في الوعي العام، تستلهمها العقول، وتسترشد بها المؤسسات الوطنية في كل لحظة ومرحلة.
ومن تلك المشكاة نفسها، تتجلى سردية سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله ورعاه، سرديةٌ تتناغم فيها الكلمة مع الفكرة، والرؤية مع المشروع، والمشروع مع المستقبل، في انسجام عميق بين القيم والرؤية والعمل. لذلك تبدو كلماته يكمل بعضها بعضاً، ويُرد آخرها إلى أولها، فتتشكل منها خريطة طريق واضحة المعالم، مستقيمة الوجهة، لا يجد المتأمل فيها عوجاً ولا أَمتاً.
وهكذا هي السردية الحقيقية، ففي كثير من الأزمات والمنعطفات الكبرى، يكون أول ما يتصدع لدى الدول هو سرديتها الجامعة، عندئذ تتناثر الروايات، وتتناقض الخطابات، وتشقق الخيوط التي تُمسك العقد الوطني من الانفراط، فلا تستند إلى أصل ثابت، ولا تنتظمها رؤية متماسكة، يهدم آخرها أولها، وينقض بعضها بعضاً، بحيث يعود عليه بالبطلان، فتغيب المصداقية، ويضطرب الاتزان، وتتوارى الثوابت تحت وطأة الانفعال، وتقلباتِ اللحظة. كما قيل:
يَوماً يَمانٍ إِذا لاقَيتُ ذا يَمَنٍ... وَإِن لَقيتُ معَدِّياً فَعَدناني
أما دولة الإمارات، فقد تميّزت بصدق سرديتها الوطنية، وثبات روايتها الحضارية، فلم تتغير في قلب الأحداث الجسام، ولم تنحرف بها العواصف عن مسارها، بل ازدادت وضوحاً ورسوخاً. لم تلجأ إلى توظيف الأيديولوجيا لتحقيق مكاسب عابرة، ولم تستثمر الخطاب الديني في صراعات السياسة، ولم تسمح للانفعال أن يحكم بوصلتها أو يبدل ثوابتها، وظلت كما كانت دائماً، دولة مواطَنة وتسامح وتعايش، تستوعب الجميع تحت مظلة القيم والالتزام بالنظام. وذلك شأن الصادقين الذين تتطابق أقوالهم مع أفعالهم، وتبقى مبادئهم ثابتة في الرخاء والشدة، (وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً). 
إن السردية الوطنية مسؤولية وثقة ومصداقية، وهي أمانة لا تحملها المؤسسات وحدها، وإنما يحملها كل فرد بوصفه صانعاً وشريكاً في صياغة صورتها وتجسيد قيمها. ومن ثم فإن الانتماء إلى السردية الحق يكون باستيعاب معانيها، والتروي من معينها، والانضباط بمسارها، والشعور بأنها أمانة لا يجوز الإخلال بها، أو الإضرار بخيوطها المتجذرة والمستدامة.
ومن يحمل هذه الأمانة لا يعيش ازدواجية المواقف، ولا يجعل المصلحة الشخصية مقدمة على مصلحة الوطن، ولا يسعى إلى الإثارة لمجرد الإثارة، لأن كل كلمة أو موقف يسهم في تدعيمها أو إضعافها، فالسردية الصادقة أبعد ما تكون عن الضجيج والصخب، فهي لا تحتاج إلى مبالغات دعائية، ولا إلى أبواقٍ تُعلي صوتها لتفرض حضورها، كما قال المتنبي: (وفي الناسِ أبواقٌ لها وطبولُ.)
وإنما تنفذ بهدوء إلى العقل، وتنساب إلى القلوب، لأنها حقيقةٌ لا تهويل، وواقعٌ لا ادعاء، فلا تستفز أحدا ولكنها تسكن الوعي المشترك، لتتحول إلى شعورٍ راسخ بالانتماء.
ومعيار السردية في نهاية المطاف هو الصدق، وما الصدق إلا مطابقة القول للواقع، وعندما يرى المجتمع نفسه في سرديته، وتجد قيمُه انعكاسَها في خطابها، تتحول السردية إلى قوةٍ ناعمة تُوحِّد، وهويةٍ تُعاش، ووجدان وطني يجمع الناس على قلب واحد ومصير واحد. 


*رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة.