صار الناس في الخليج يتابعون أخبار المضائق كما يتابعون أحوال الطقس: ناقلة أصيبت قرب هرمز، وصاروخ اعتُرض في سماء الرياض، ورحلة أُلغيت إلى جدة. فالحرب التي اندلعت في 28 فبراير لم تنتهِ، وإنما تبدلت أشكالها: هدنة لم تصمد، ومذكرة تفاهم انتهت مدتها في أغسطس دون أن تُثمر، وتصعيد يعود اليوم على ممرين يتنفس منهما العالم، هرمز في الشرق، وباب المندب في الغرب. وفي مشهد كهذا لا يملك الخليج ترف الانتظار، فالمطلوب حزم يحمي، وحكمة تمنع الانزلاق إلى حرب أوسع.
في اليمن، أنهى «الحوثيون» التهدئة مع المملكة العربية السعودية في يوليو، وسيطروا على مناطق قرب باب المندب في سبتمبر، قبل أن تعلن الحكومة اليمنية استعادتها مطلع أكتوبر بإسناد من التحالف. لكن الحوثي نقل المعركة إلى العمق، ففي 24 أكتوبر وحده اعترضت الدفاعات السعودية صواريخ أُطلقت نحو الرياض والطائف وينبع، وسقط حطام صواريخ معترضة في منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة. ويتزامن ذلك مع الضغط الإيراني على هرمز، وإغلاق الممرين معاً يعني خنق المنطقة من جانبيها. أما الثمن الأكبر فيدفعه اليمنيون أنفسهم، إذ نزح أكثر من ربع مليون شخص منذ تجدد القتال، ولجأ نحو نصفهم إلى محافظة تعز.
وفي هرمز، صارت السفن تعبر تحت تهديد الألغام والمقذوفات، وشهد أكتوبر أعلى معدل للهجمات على الملاحة منذ بداية الحرب. وتتحدث التقارير عن خطط أميركية إسرائيلية لضربة محتملة بعد الانتخابات النصفية الأميركية في 3 نوفمبر، بينما يلوّح الحرس الثوري باستهداف كابلات الإنترنت البحرية ومراكز البيانات في الخليج. وحين تُقاس مواعيد الحرب بمواعيد الصناديق، تدفع شعوب المنطقة ثمن تقويم انتخابي لا تشارك فيه.
غير أن الصورة لا تكتمل دون النظر إلى الداخل الإيراني. فالحصار البحري الأميركي أوقف صادرات النفط الإيرانية تقريباً، حتى إن موانئ إيران لم تحمّل في سبتمبر أي شحنة نفط للمرة الأولى منذ عام 1979، فيما تجاوز التضخم 70%. ومع ذلك أعلن الرئيس مسعود بزشكيان أن طهران لن تفاوض قبل رفع التهديدات والعقوبات. والحصار هنا سلاح ذو حدين: قد يدفع طهران إلى طاولة التفاوض، وقد يدفعها إلى الهروب نحو التصعيد. والفارق بين الاحتمالين تصنعه الدبلوماسية لا القنابل وحدها.
ومن موقع من قضى عمره في السماء وغرف العمليات، أعرف أن الضربة الجوية تدمّر القدرات، لكنها لا تحسم وحدها النتيجة. فقد تراجعت القوة الجوية والبحرية لإيران كثيراً، ومع ذلك بقيت الألغام والزوارق السريعة قادرة على شلّ أهم ممر للطاقة في العالم. لذلك لا يكفي أن يسأل صاحب القرار: هل أستطيع أن أضرب؟ بل عليه أن يسأل: ماذا بعد الضربة؟ ومن سيدفع ثمن الرد؟ وقد تعثرت مذكرة يونيو بعد عشرة أيام من توقيعها، لأن نصوصها تركت أسئلة جوهرية معلّقة، والاتفاق الذي لا يحسم التفاصيل يؤجل الخلاف ولا ينهيه. وقد علّمتني سنوات التخطيط أن أخطر اللحظات ليست لحظة الضربة، بل اللحظة التي يظن فيها كل طرف أن خصمه لن يرد، أو أن ردّه سيبقى محدوداً.
وقد دفع الخليج ثمناً باهظاً لحرب لم يبدأها، وطالت كلفتها اقتصاداته كلها. ومع ذلك بقيت الحياة في الإمارات ماضية، رغم مئات الصواريخ والمسيّرات التي اعترضتها دفاعاتها منذ اليوم الأول. وما تفرضه المرحلة تضامن خليجي يوازن بين الردع والدبلوماسية. ويبدأ ذلك بتكامل الإنذار المبكر والدفاعات الجوية والبحرية، وحماية المنشآت الحيوية، وتنسيق الموقف التفاوضي، حتى تستند الدبلوماسية الخليجية إلى قدرة مشتركة وإرادة واضحة.
والمطلوب ردع يرفض أن تتحول أرض الخليج ومياهه إلى ساحة لتصفية الحسابات، ودبلوماسية تدعم كل وساطة جادة، وتضع لأي اتفاق قادم شروطاً واضحة، ملاحة حرة بلا مسارات مفروضة ولا رسوم، ووقف الاعتداء على دول الجوار، وحماية البنى المدنية التي يعيش عليها الناس.
وفي 21 أكتوبر، أصاب مقذوف مطار الدمام فاشتعل حريق قرب بوابات المسافرين، فاندفع الموظف سلطان القحطاني مع زملائه لإخماده خشية أن يبلغ طائرة ركاب، ثم فارق الحياة لاحقاً في المستشفى. لا تتوقف النشرات عند اسمه طويلاً، لكنه يذكّرنا بأن كل صاروخ في هذه الحرب يبحث في النهاية عن إنسان. فحين تضيق المضائق، تتسع الحاجة إلى الحكمة، ويصبح العقل الذي يمنع اتساع الحرب أشجع من اليد التي تشعلها.
*لواء ركن طيار متقاعد