لعل الكثيرين يعرفون قصة الرجل الذي فقد مفاتيح سيارته، ولم يبحث عنها في المكان الذي فقدها فيه، وإنما تحت مصباح الشارع، فقط لأن الضوء هناك كان متوافراً. والواقع أن هذه القصة تشبه إلى حد ما ما يفعله الرئيس الأميركي دونالد ترامب من خلال محاولته إيجاد حل للأزمة النفطية الناجمة عن حرب إيران في 28 فبراير الماضي.
فمنذ ذلك الحين، تضاعف سعر البنزين في الولايات المتحدة وأصبح الناخبون جد مستائين لدرجة أنهم قد يجعلونه يدفع ثمن ذلك خلال انتخابات التجديد النصفي في أوائل نوفمبر. لا بل إنه قد لا يخسر مجلس النواب فحسب، بل ربما يخسر مجلس الشيوخ أيضاً.
ولذلك، يسعى ترامب جاهداً إلى تقديم أخبار سارة للناخبين من خلال الإعلان عن انخفاض أسعار البنزين، نظراً لأن هذا الموضوع يحظى بأهمية كبيرة في الولايات المتحدة. وهكذا، فإن الشخص الذي كان يريد عرقلة صادرات النفط الروسية بهدف إضعاف روسيا، بات يقبل الآن بتقوية بوتين وإعادة فتح أبواب سوق النفط العالمي أمامه، دون تهديد بفرض عقوبات. وبذلك، يسهم بشكل مباشر في تغذية آلة الحرب الروسية ضد أوكرانيا التي يُفترض أنها حليفة للدول الغربية.
هذا القرار اتُّخذ، بطبيعة الحال، دون إخطار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أو الحلفاء الأوروبيين، الذين أصبحوا الآن يساهمون بشكل كبير جدا، بل وبشكل شبه حصري، في الجهد الحربي الأوكراني. وبذلك يؤكد ترامب مرة أخرى، أنه لا يوجد حلفاء، وإنما توجد مصالح متغيرة فقط.
ترامب طلب من زيلينسكي الكف عن ضرب المنشآت النفطية الروسية، حتى لا يحد من قدرة روسيا على تكرير النفط وتصديره. والواقع أن هذه ليست المرة الأولى التي يتخلى فيها ترامب عن أوكرانيا، غير أن الوضع هذه المرة أكثر خطورة بكثير لأن ترامب لم يكتفِ بالتوقف عن مساعدة كييف فحسب، بل أصبح الآن يسهم في مساعدة روسيا.
فمن الواضح أن الأمل في إبرام اتفاقيات اقتصادية مهمة مع روسيا أهم، بالنسبة لترامب، من تحالفه مع أوكرانيا. بيد أن إمدادات النفط التي ستتدفق بموجب هذه الاتفاقيات لا تمثل سوى ما يعادل استهلاك الولايات المتحدة لمدة يوم إلى ثلاثة أيام. ولذلك، فهي ليست بالكميات المهمة حقاً. وقد استجابت الأسواق بسرعة لهذا الخبر وانخفضت أسعار النفط، غير أن هذا الانخفاض يظل مؤقتاً لأنه لا يحل المشكلة الحقيقية المتمثلة في إغلاق مضيق هرمز.
والحال أن إيران هي الطرف الذي يجب التفاوض معه من أجل التوصل إلى اتفاق يسمح بإعادة فتح مضيق هرمز فعلياً وخفض أسعار النفط.
وفي غضون ذلك، ما فتئت الأزمة تتوسع، حيث تعرضت مرة أخرى المملكة العربية السعودية، التي تعد حليفاً مهماً للولايات المتحدة، لهجوم عنيف استهدف أحد مطاراتها، مما أسفر عن مقتل اثني عشر شخصاً وإصابة العديد بجروح.
ثم يجب أن نضيف إلى ذلك حقيقة أن ترامب بات يفرض الآن عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، وذلك بهدف معلن وصريح هو تفكيك هذه المؤسسة والعدالة الدولية برمتها، واللتين يُنظر إليهما على أنهما عقبة أمام السيادة الأميركية.
وعليه، فربما ينبغي للأوروبيين أن يتصرفوا بحزم أكبر لأن الهجوم على المحكمة الجنائية الدولية هو هجوم على القيم التي يزعم الأوروبيون التمسك بها، والتخلي عن زيلينسكي على الهواء مباشرة يرقى إلى هجوم على الأمن الأوروبي. واللافت مرة أخرى أن كل ذلك تم دون أي احتياطات، ودون مفاوضات، ودون تحذير أو إخطار مسبق للأوروبيين.
ولذلك، يجب أن نفهم جيداً أن العالم الغربي غير موجود بالنسبة لترامب. ويجدر بالأوروبيين أن يدركوا ذلك بدورهم، وأن يواجهوا الواقع، ويتوقفوا عن التعلق بوهم أن ترامب قد يهبّ لحمايتهم والدفاع عنهم حين تقتضي الضرورة ذلك.
*مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس