يحرص مقلّدو آية الله علي السيستاني على تقديمه بوصفه رجل الحكمة والاتزان، الذي يترفع عن الصراعات السياسية وينأى بنفسه عن الخلافات. لكن هذه الصورة لا ينبغي أن تعفينا من طرح سؤال أساسي: ما الذي يقدّمه السيستاني فعلياً للملايين الذين يقلّدونه ويعتمدون عليه في شؤون دينهم؟منذ خمسة وعشرين عاماً، لم يُلقِ السيستاني درساً دينياً. لا دروس يتلقاها طلاب العلم منه، ولا تعليم مباشر ينتفع به مقلّدوه، ولا حضور منتظم يخاطب فيه الناس بنفسه. الرجل الذي يحمل لقب المرجع الأعلى لملايين الشيعة بات حضوره في حياة أتباعه مرتبطاً، إلى حدٍّ بعيد، بما يصدر عن مكتبه من بيانات وما ينقله الآخرون عنه.
وكل فترة، يطلع علينا مكتبه بصورة جديدة للسيستاني، وقد بدا عليه مزيد من الضعف والتقدّم في السن، فتبدأ التعليقات وكأننا أمام حدث استثنائي يستحق كل هذا الإعجاب والاحتفاء. وكأن مجرد نشر صورة للرجل إنجاز بحد ذاته. يحدث هذا والعراق غارق في أزماته، والميليشيات تفرض نفوذها. بلد يعيش كل هذه الفوضى، فيما ينشغل البعض بالاحتفاء بصورة جديدة لمرجع لم يسمع مقلّدوه منه صوتاً ولا درساً دينياً منذ خمسة وعشرين عاماً. أليس في ذلك ما يستحق التوقف عنده؟
وهذه ليست مسألة شكلية، ولا مجرد اختلاف في أسلوب إدارة المرجعية. فالمرجع الديني ليس لقباً يُمنح، ولا مكانة تُكتسب ثم يكفي الاحتفاظ بها. المرجع معلّم قبل كل شيء، ومسؤوليته لا تقتصر على إصدار الفتاوى أو السماح لمكتبه بالرد على الاستفسارات. من يقلّدونه من حقهم أن يسمعوا منه، وأن يعرفوا مواقفه مباشرة، لا أن يبقوا معتمدين على ما ينقله الآخرون عنه أو يستنتجونه من بياناته.
لكن السيستاني اختار نهجاً مختلفاً: غياباً طويلاً عن التعليم وحضوراً عاماً تتوسط فيه البيانات والمكاتب والناقلون. وهنا لا بدّ من السؤال: كيف يمكن لرجل لم يدرّس منذ خمسة وعشرين عاماً أن يؤدي دور المعلّم الذي يُفترض أن تؤديه المرجعية؟ وكيف يُطلب من الملايين أن يضعوا ثقتهم في مرجع لا يسمعون منه مباشرة، بينما تظل مواقفه من قضايا مصيرية عرضة للتأويل؟
المشكلة لا تقف عند حدود الغياب. الأخطر أن هذا الغياب ترافقه ضبابية في مواقف سياسية واجتماعية ينتظر الناس فيها كلمة واضحة. ففي كثير من الأحيان، تصدر عبارات تحتمل أكثر من تفسير، فيجد كل طرف فيها ما يناسبه، بينما تبقى المسؤولية عن الموقف الفعلي معلّقة.
في تقديري، لا يمكن الاستمرار في تقديم هذا النهج باعتباره حكمة لمجرد أن صاحبه مرجع ديني. فالحكمة لا تعني الغياب، والاتزان لا يعني الامتناع عن الكلام، والاستقلال عن السياسة لا يُعفي صاحب النفوذ الديني من مسؤولية اتخاذ موقف واضح حين تكون حقوق الناس ودماؤهم ومستقبل بلدانهم على المحك. ولعل العراق هو المثال الأوضح على ذلك.
وبالنسبة إليّ، وأنا من خلفية شيعية، أقولها بوضوح: أعتز بالمؤسسات الدينية في دولة الإمارات، وأرى فيها نموذجاً أكثر واقعية وملاءمة لعالمنا اليوم. فالإمارات ليست رائدة في الاقتصاد والذكاء الاصطناعي والدبلوماسية فحسب، بل هي رائدة أيضاً في إدارة الشأن الديني من خلال مؤسسات منظمة تواكب العصر وتتعامل مع قضايا الناس بوضوح ومسؤولية.
لدينا في الإمارات مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، وهو مؤسسة وطنية نثق بها ونستطيع الرجوع إليها في شؤون الإفتاء. وهذا إطار مؤسسي كافٍ للتعامل مع كثير من المسائل الدينية التي نحتاج إلى إجابات عنها في حياتنا اليومية. لا أرى أننا بحاجة إلى أن تبقى حياتنا كعرب معلّقة بمرجع فارسي، بعيداً عن واقعنا، لننتظر منه أو من مكتبه توجيهات بشأن كيفية عيش حياتنا.
لسنا ملزمين بأن نعيش في عالم اليوم بعقلية الأمس، ولا بأن نعتبر التقدم في السن أو طول سنوات المرجعية دليلاً كافياً على أن صاحبها هو الأقدر على توجيه الناس. احترام الدين لا يعني التوقف عن طرح الأسئلة، واحترام العلماء لا يعني منحهم سلطة غير محدودة على حياة أتباعهم.
أنا لا أحتاج إلى أن يُملي عليّ رجلٌ فارسيّ يجلس في دهاليز النجف المظلمة كيف أعيش حياتي، ولا أعتقد أن أبناء جيلي مطالبون بذلك لمجرد أنهم ينتمون إلى بيئة شيعية. ما نحتاج إليه هو مؤسسات دينية قريبة من واقعنا، قادرة على فهم زمننا، وتقديم إجابات واضحة عن أسئلتنا، من دون أن تتحول المرجعية إلى غاية في حد ذاتها.
بالنسبة إليّ، المرجعية التي تستحق الثقة هي التي تخدم الإنسان وتفهم زمانه، لا التي تطلب منه أن يكيّف حياته كلها وفقاً لها، فيما لا يظهر بعض القائمين عليها إلا مرة واحدة في السنة لجمع أموال الخُمس. 


*مستشار برلماني