شهدت فرنسا وعدد من الدول الأوربية مؤخراً احتجاجات شعبية لا شكّ في خطورتها، كما أن امتدادها لعدد من الدول الأوروبية جعل بعض المحللين يستدعون نظرية الدومينو لتفسير ولو بشكل جزئي ما وقع، ويطرحون أسئلة جادة حول المستقبل الأوروبي، ويهتم هذا المقال بمستقبل اليمين الأوروبي المتشدد بصفة خاصة، على ضوء هذه الأحداث، والواقع أن أوروبا تشهد منذ العِقد الماضي بصفة خاصة عدداً من التطورات المهمة التي أثارت علامات استفهام حول سيناريوهات تطوراتها المستقبلية.
 ويبدو صعود اليمين المتشدد واحداً من أهم هذه التطورات، وهو الصعود الذي يمكن نسبته لمجموعة معقّدة من العوامل التي عزّزت المشاعر القومية والشعبوية، ومن أبرز القضايا التي تناولتها الأحزاب المنتمية لهذا اليمين المتشدد قضية الهجرة التي استغل العديد من الأحزاب اليمينية المتشددة المخاوف بشأن آثارها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وبالذات بعد أزمة تدفق اللاجئين من الشرق الأوسط وأفريقيا في العقد الماضي، لزيادة شعبية هذه الأحزاب، فضلاً عن تزايد السخط الاقتصادي، وبالذات بعد الأزمة المالية عام 2008، وما أدّت إليه من تقشُّف زاد من حدة عدم المساواة، وهكذا صعدت أحزاب يمينية متطرفة مثل «التجمع الوطني» في فرنسا، و«البديل من أجل ألمانيا»، و«إخوة إيطاليا» و«الحرية» في النمسا، وغيرها الكثير بما في ذلك في دول أوروبا الشرقية، وأثار هذا الصعود أسئلة كثيرة بشأن قضايا داخلية وخارجية، كما يظهر من موقفها بشأن الحربات المدنية وحقوق الأقليات وتقييد الهجرة وتحدي التعددية الثقافية، بل ومستقبل الحكم الديمقراطي ذاته في أوروبا، وكذلك موقف هذه الأحزاب الذي يشكّك في الاتحاد الأوروبي ومؤسساته، والواقع أنه لا يمكن فهم الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي خارج هذا السياق.
ومع أن الأحزاب اليمينية الأوروبية المتشددة، وفي مقدمتها حزب «التجمع الوطني» بقيادة ماري لوبان في فرنسا، ليست هي السبب المباشر في الأحداث الراهنة، فإنه من الواضح أنها ربما تكون من أهم المستفيدين منها، ذلك أن السبب المباشر لخروج مئات الآلاف في بلدان أوروبية مهمة كفرنسا وإسبانيا وإيطاليا، يعود إلى أزمات معيشية طاحنة تشمل التضخم وارتفاع أسعار الوقود وغلاء السكن وتدهور التعليم والخدمات العامة.
 ويُلاحظ أن الأحزاب اليمينية المتشددة، كحزب «التجمع الوطني»، لا تشارك مباشرة في الأحداث، ولا تُشجّع أنصارها على النزول للتخريب في الشوارع، ومع ذلك فإنها تتبع استراتيجية ذكية للاستفادة من الأحداث، وعلى سبيل المثال فإن قادة اليمين يستغلون مشاهد العنف والنهب لاتهام الحكومات القائمة بالعجز والفشل في ضبط الأمن، ويقدمون أنفسهم كبديل قادر على حفظ النظام والقانون، ويسارعون كجورجيا ميلوني رئيسة وزراء إيطاليا إلى ربط أعمال الشغب بسياسات الهجرة وفشل دمج المهاجرين، بهدف تعزيز التأييد الشعبي لسياساتهم.
 غير أن التيارات اليسارية الأوروبية تتمتع أيضاً بوزن لا يمكن تجاهله في الحراك الأوروبي الحالي، وتعتبر هذه التيارات بكافة أذرعها هي المحرك الرئيسي والعمود الفقري للاحتجاجات الحالية، وبالتالي فإن أوروبا قد تكون مُقْدِمَة على مرحلة تزايد لعدم الاستقرار نتيجة صراع غير محسوم بين تيارات يمينية متصاعدة وتيارات يسارية لا شكّ أنها اكتسبت زخماً في الأحداث الحالية، ومن الصعوبة بمكان التنبؤ بمستقبل هذا الصراع، غير أن المؤكد أن القارة العجوز تشهد في هذه الآونة أحداثاً سوف تؤثّر على مستقبلها لوقت طويل.


*أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة.