في كثير من أسفاري إلى دول غربية، أستغرب كيف صار الثوب الخليجي الطويل علامةً يعرف بها الرجل المسلم بين مهاجرين لم يعرفه آباؤهم ولا جيرانهم. وقبل أحد عشر قرناً كتب ابن جرير الطبري أن مراعاة زيّ الزمان من المروءة ما لم يكن إثماً، وأن في مخالفة الزيّ ضرباً من الشهرة.
بين الخبرين سؤالٌ واحد: أين تقع السنة؟
يُمسك النبي ﷺ يده عن ضبٍّ قُدّم إليه، فيسأله خالد بن الوليد: أحرامٌ هو؟ فيقول: لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه. ثم يأكل خالدٌ والنبي ﷺ ينظر. هكذا فصل صاحب الرسالة بنفسه بين ذوقٍ نشأ عليه في أرض قومه وحكمٍ يلزم أمته. فما الذي نفهمه من هذا المشهد: أن نعاف الضب، أم أن نفرق كما فرق؟ لقد لبس ﷺ ما يلبسه قومه، وأكل مما يأكلون، ولم يبتدع لنفسه زيًاً يُعرف به. لذلك كان التأسي، كما حدّه الأصوليون، أن تصنع ما صنع على الوجه الذي صنعه، ووجه لبسه أنه لبس ثوب قومه، فمن أراد أن يقتدي به فليلبس الثوب الذي تعارف عليه قومه.
ذلك أن القرآن نفسه أحال العادات إلى العُرف، قال تعالى في نفقة المرضع: ﴿رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ [البقرة: 233]، وفي كفارة اليمين: ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم﴾ [المائدة: 89]. إذ لم يحدد للكسوة هيئةً ولا للطعام صنفاً، وترك ذلك لما يعرفه الناس في بلدانهم. أفيكون الثوب وحده خارجاً عن هذه الإحالة؟ ثم جاء الأمر الجامع: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ [الأعراف: 199].
على هذا الفهم سار الأئمة الأوائل. روى مالكٌ في الموطأ حديث «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا»، ثم قال: وليس لهذا عندنا حدٌّ معروف، ولا أمرٌ معمولٌ به فيه. لقد كان عمل أهل المدينة عنده سنةً حيةً يُقرأ بها المروي، لأن الناس في مدينة رسول الله ﷺ ورثوا عملهم عمن رآه. أما الحنفية فردوا خبر الواحد فيما تعمّ به البلوى، أي إن عمَّ عُرف لدى المجتمع ولم يكن يعارض أصلاً من أصول الدين، فيرد بذلك العرف خبر الواحد. ورأى الإمام أحمد رجلاً في بُردٍ مخطط، فقال له: ضع هذا والبس لباس أهل بلدك، ثم قال إنه لو كان بمكة أو المدينة لم يعِب عليه. فالبرد مباح، والإنكار أن يلبس ما لا يلبسه أحد في المجتمع. وسئل إبراهيم النخعي عن البُرنس، فقال إن من كان يلبسه قد فني، فإن لبسه أحدٌ اليوم شهروه وأشاروا إليه بالأصابع. أليس هذا ما نراه في شوارع العواصم البعيدة كل جمعة؟
فإن قيل: قد أمر النبي ﷺ بمخالفة المشركين، قلنا: روى البخاري أنه ﷺ كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يُؤمر فيه بشيء، ثم خالفهم بعد ذلك، ومخالفته لهم كانت فيما كان شعاراً دينياً لهم، كالألبسة الخاصة برجال كل دين، وهو ما رجحه ابن حجر وغيره من العلماء، فلما زال اختصاصهم بها صارت من عموم المباح، فالحكم يدور مع الشعار الديني، فمن صاحب الشعار الديني اليوم في برلين أو جاكرتا؟ المسلم الذي يلبس ما يلبسه الناس، أم الذي جاء بثوبٍ لا يعرفه أحدٌ من أهل البلد؟
إذا كان هذا شأن الثوب، فاللحية من الباب نفسه، قال الشيخ محمود شلتوت إن أمر اللباس والهيئات الشخصية، ومنها حلق اللحية، من العادات التي ينزل فيها المرء على استحسان بيئته. ولينظر في فعل ابن عمر، راوي حديث إعفائها، كان يأخذ ما زاد منها على القبضة.
غير أن للعرف سياجاً لا يتسوره، فما تعلق بالإيمان والعبادات، وما حرمه الله بعينه كالخمر والخنزير والظلم، ثابتٌ لا تبلغه يد عرفٍ ولا اجتهاد مجتهد. بذلك تتحقق عالمية الإسلام: أصولٌ لا تتبدل، وعاداتٌ تتسع لكل قوم. وما أوسعه من دين! أما من جعل عادات الجزيرة العربية أو بلد بعينه ديناً للعالمين، فقد ضيَّق ما وسعه الله.
لذلك كانت هذه الرسالة تخصنا قبل غيرنا، أنت في بلدك ابن عرفه، فالزم ما ألفه أهلك، ولا تستورد عرف قومٍ آخرين ثم تنسبه إلى السنة. وإذا سافرت فاحترم عرف من تنزل بينهم، كما تحب أن يُحترم عرفك.
محبة هيئة النبي ﷺ صادقةٌ في أصلها، ومن قصدها رُجي له أجر نيته. لكن الاقتداء الأتم أن تأخذ منه المنهج، فتكون في قومك كما كان في قومه: واحداً منهم، يعرفونه ويعرفهم. أليس هذا هو الاتباع الذي أراده؟
*مساعد نائب مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، لقطاع الشؤون الأكاديمية.