يعد ترشيح معالي لانا زكي نسيبة، وزيرة دولة والمندوبة الدائمة السابقة لدى الأمم المتحدة، من لدن صاحب السمو رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، رسمياً لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة خطوة دبلوماسية تاريخية، كونها المرة الأولى التي تقدم فيها الإمارات مرشحاً لهذا المنصب الرفيع.
وعند تقييم حظوظ ونقاط قوة هذا الترشيح في سباق خلافة أنطونيو غوتيريش، يمكن قراءة المشهد من خلال عدة محاور رئيسية:
خبرة دبلوماسية أممية واسعة: تمتلك معالي لانا زكي نسيبة سجلاً طويلاً يمتد لأكثر من عقد من الزمن (2013 - 2024) كمندوبة دائمة للإمارات لدى الأمم المتحدة، مكّنها من الإلمام العميق بخبايا العمل الدبلوماسي متعدد الأطراف وآليات المنظمة الدولية.
إدارة الملفات الكبرى: ترؤسها لجلسات مجلس الأمن الدولي خلال عضويتي الإمارات (2022 و2023)، ومشاركتها الفاعلة في صياغة واعتماد قرارات دولية مفصلية تتعلق بالسلام والأمن، ومواجهة خطاب الكراهية، وتسهيل المساعدات الإنسانية في مناطق مثل قطاع غزة وأفغانستان.
باع طويل في إصلاح الأمم المتحدة: ترؤسها المشترك لمجموعة العمل المعنية بتنشيط أعمال الجمعية العامة وتطوير إجراءات اختيار الأمين العام لتعزيز الشفافية (2016-2017)، وهو ما يمنحها فهماً دقيقاً للمتطلبات الإدارية والسياسية للمنصب.الدعم القيادي القوي: صدور ترشيحها لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة بصفة رسمية ومباشرة عبر خطاب وجهه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، مما يعكس ثقلاً سياسياً ودعماً دبلوماسياً مؤسسياً يقف خلف الترشيح منذ اللحظة الأولى.الزخم الدولي للمرأة القيادية: تزايد الدعوات العالمية لضرورة تولي امرأة منصب الأمين العام للأمم المتحدة لأول مرة في تاريخ المنظمة، إلى جانب خبرتها السابقة في رئاسة المجلس التنفيذي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة (2017).
التحديات وطبيعة المنافسة: تَدخل السباقَ أسماءٌ بارزةٌ ودبلوماسية مخضرمة أخرى من مختلف قارات العالم، مما يجعل المنافسةَ قويةَ وتحتاج إلى حشد تحالفات واسعة.
آلية التصويت في مجلس الأمن: يعتمد اختيار الأمين العام على توصية من مجلس الأمن (بما في ذلك موافقة الدول الخمس دائمة العضوية دون استخدام حق النقض «الفيتو») قبل عرض الاسم على الجمعية العامة، وهي عملية تخضع لحسابات وتوازنات جيوسياسية معقدة وجولات اقتراع غير رسمية متعددة.
حظوظ معالي لانا زكي نسيبة تستند إلى سيرة مهنية ثرية، وكفاءة دبلوماسية مشهود لها في أروقة الأمم المتحدة، ودعم سياسي إماراتي رفيع المستوى. ورغم أن سباق الأمانة العامة للأمم المتحدة بطبيعته معقد وتتداخل فيه التوازنات الدولية الكبرى، إلا أن هذا الترشيح يضع الدبلوماسية الإماراتية في واجهة القيادة العالمية للمنظمة الأممية.
تتجاوز أهمية ترشيح لانا زكي نسيبة فرصَ الفوز بمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، فهو يعكس طموحَ الإمارات إلى تعزيز حضورها في صياغة الأجندة الدولية والمساهمة في تحديد مستقبل النظام الدولي متعدد الأطراف. كما يمثل اعترافاً بما راكمته الدبلوماسية الإماراتية من خبرة وشبكة علاقات دولية، ويمنح الدولة فرصة لإبراز كفاءاتها الوطنية في المنافسة على أعلى المستويات القيادية العالمية.
ويحمل الترشيح قيمةً سياسيةً ورمزية، إذ يعزز مكانةَ الإمارات بوصفها دولة فاعلة في الدبلوماسية الدولية، وقادرة على تقديم شخصيات تمتلك الخبرة في إدارة الملفات المعقدة والتواصل مع مختلف القوى. كما يتيح لها طرح رؤيتها بشأن تطوير أداء الأمم المتحدة، وتعزيز فاعليتها في معالجة النزاعات، ودعم العمل الإنساني، ومواجهة التحديات العالمية.
ومن زاوية استراتيجية، فإن مجرد خوض المنافسة يتيح للإمارات توسيع مشاوراتها مع الدول المؤثرة، واختبار طبيعة التحالفات الدولية، وتعزيز علاقاتها الثنائية ومتعددة الأطراف.
إن القيمة الأهم لهذا الترشيح تكمن في قدرته على تحويل الرصيد الدبلوماسي الإماراتي إلى نفوذ وتأثير أكبر في النقاشات المتعلقة بمستقبل الأمم المتحدة، وإبراز دور الإمارات في دعم التعددية والتعاون الدولي. أما الفوز بالمنصب فسيكون ذروة هذه المكاسب، لكنه ليس المعيار الوحيد لقياس نجاح الخطوة.
نحن نتطلع بكل دعواتنا لمعالي لانا زكي نسيبة بالتوفيق في الفوز بهذا المنصب الذي يتوافق مع خبرتها، ويعد استحقاقاّ يليق بملفها وخبرتها الأممية الغزيرة لسنوات في الأمم المتحدة.
*سفير سابق