تعكس الاحتجاجاتُ التي شهدتها عدة دول أوروبية خلال أكتوبر الجاري تصاعدَ الضغوط الاجتماعية والاقتصادية على الحكومات في هذه الدول. وكانت مظاهرات فرنسا الأبرز، على الأقل إعلامياً، وقد تخللتها أعمالُ نهب وتخريب ومواجهات مع الشرطة. وتزامنت معها تحركات شعبية في ميلانو وبروكسل ولشبونة وتيرانا، إلى جانب مدن إسبانية. ويشير تقارب توقيت الأحداث إلى اتساع حالة الاستياء في مجتمعات القارة العجوز، مما يثير التساؤلَ عما إذا كانت أوروبا تدخل خريفاً احتجاجياً، أم أن لكل تحرك دوافعه ومساره.
بدأت موجةُ الاحتجاجات في فرنسا بتحركات طلابية بسبب نقص المعلمين وتردي المرافق التعليمية، قبل أن تنضم إليها نقابات وفئات اجتماعية رفعت مطالبَ تتعلق بغلاء المعيشة وتحسين الخدمات العامة. وللفرنسيين تاريخٌ طويل في الحراك الشعبي، من حركة الطلاب والعمال عام 1968، إلى السترات الصفراء عام 2018، وهو ما يساعد على فهم اتساع المشاركة وتعدد المطالب. غير أن انخراط مجموعات مارست العنفَ واعتدت على الممتلكات، وضَع السلطاتِ أمام مهمةِ حمايةِ التظاهر السلمي وملاحقة مرتكبي الجرائم معاً.
وتتباين أسباب الحراك الشعبي بين الدول الأوروبية. ففي إيطاليا تركزت المطالب على تحسين الأجور ومواجهة غلاء المعيشة، وفي بلجيكا شارك الطلابُ والنقاباتُ في رفض خفض الإنفاق على التعليم وإجراءات التقشف. أما في إسبانيا والبرتغال، فكانت أزمةُ السكن وارتفاع الإيجارات من أبرز دوافع التظاهر، بينما جمعت تحركات ألبانيا بين ارتفاع تكاليف الدراسة والاعتراض على الفساد. وساعد تداول صور المظاهرات والدعوات إليها عبر المنصات الرقمية على انتشار الاهتمام بالأحداث والتأثر بها، دون وجود دليل على قيادة مشتركة أو خطة منظمة تقف وراءها.
تطال الأعباءُ المعيشيةُ الشبابَ وشرائحَ من الطبقة الوسطى، رغم ما تتمتع به المجتمعاتُ الأوروبيةُ من خدمات عامة وأنظمة للحماية الاجتماعية. ويزيد ارتفاعُ أسعار العقارات والإيجارات صعوبةَ الحصول على مسكن مناسب لدى فئات من السكان، حتى مع استقرار سوق العمل وتحسن بعض المؤشرات الاقتصادية. وتواجه الحكوماتُ مطالبَ برفع مستويات الدخل، مع ضرورة ضبط العجز والديون والحفاظ على القدرة التنافسية لاقتصاداتها.رفعت الحربُ الروسية الأوكرانية أعباءَ الطاقة والأمن على الدول الأوروبية، وأضافت المواجهةُ مع إيران واضطرابات الملاحة في الخليج ضغوطاً على الوقود والتأمين وسلاسل الإمداد. وتزامن ذلك مع تباينات بين واشنطن وعواصم أوروبية بشأن الرسوم الجمركية وتقاسم تكاليف الدفاع. وتنعكس هذه المتغيرات على الميزانيات والأسعار، لكنها تفسّر تفاقم المطالب الداخلية أكثر مما تفسّر نشأتها، التي سبقت بعض التطورات الراهنة.
وأثارت المواجهاتُ في مدن فرنسية وإيطالية، بينها باريس وميلانو، جدلاً حول التعامل الأمني، بعدما طغت صورُ الحرائق والنهب على مسيرات سلمية واسعة. وأكد الرئيسُ الفرنسي إيمانويل ماكرون ضرورةَ محاسبة المتورطين في التخريب، بينما أدانت رئيسةُ الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أعمالَ العنف. ويقتضي التعاملُ مع الأحداث التمييزَ بين المطالب الاجتماعية والممارسات التي يعاقب عليها القانون، دون تحميل جميع المشاركين مسؤوليةَ تصرفات مجموعات متهورة. أما الاتهامات بوجود تدخل خارجي وراء الاضطرابات، فلم تَظهر أدلةٌ تثبت صحتَها، رغم رصد محاولات لاستغلال ما جرى إعلامياً ونشر معلومات مضللة بشأنه.
تؤثر التطوراتُ الفرنسية في حسابات الأحزاب السياسية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية عام 2027. ويركّز اليمين المتشدد على قضايا الأمن والهجرة، وتستند قوى يسارية إلى الاستياء الاجتماعي في انتقاد سياسات الحكومة، بينما تواجه أحزابُ الوسط صعوبةً في توحيد صفوفها والاتفاق على مرشح للرئاسة. ومع ذلك، فإن حجم المظاهرات وحده لا يكفي لتوقّع نتائج الاقتراع، إذ تتأثر خياراتُ الناخب الفرنسي أيضاً ببرامج المرشحين ومدى اقتناعه بقدرتهم على معالجة الأزمات القائمة.
يصعب وصف المشهد بأنه ربيع سياسي أوروبي موحّد، رغم التشابه في بعض أسباب الاستياء وانتقال تأثير المظاهرات بين المجتمعات. وتتفاوت قدرة الحكومات خلال الخريف الحالي على معالجة المطالب وفق أوضاعها الاقتصادية وأولوياتها الداخلية، مع استمرار الضغوط الأمنية والالتزامات الدولية. وستتحدد دلالاتُ الاحتجاجات بما ينتج عنها من استجابات وسياسات، وبمدى محافظة القارة على استقرارها ودورها شريكاً موثوقاً في ظل تصاعد التنافس الجيوسياسي العالمي.
*كاتب إماراتي