شهد الأردن، الشريك الأمني الرئيسي للولايات المتحدة، والذي يواجه بالفعل تهديدات متزايدة على حدوده، حادث إطلاق نار دامٍ داخل كنيسة يوم الجمعة الماضي، حيث وُصف الهجوم بأنه «عمل إرهابي» نفذه مسلحون متطرفون. ووقع الهجوم في قرية «حمود» بمحافظة الكرك جنوبي الأردن، التي تعايش فيها المسيحيون والمسلمون منذ قرون. ووفقاً لمقاطع فيديو أمنية مسربة وشهادات شهود عيان لوسائل إعلام أردنية، اقتحم ثلاثة مسلحين يحملون أسلحة نصف آلية كنيسةً أثناء مراسم جنازة، وفتحوا النار على المشيعين.

وأسفر الهجوم عن مقتل 9 أشخاص وإصابة 27 آخرين، وُصفت حالة العديد منهم بالحرجة. وفي بيان نشره على منصة التواصل الاجتماعي «إكس»، أعرب العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني عن تعازيه، مندداً بالهجوم ومتوعداً بالقول: «سنواجه العمل الإرهابي الذي استهدف الكرك بأشد العقوبات. ومن توهم أن رصاص الغدر يشق صف الأردنيين، خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا.

جميع الأردنيين من شمال الوطن لجنوبه شركاء الأرض والموقف ولن ينفذ بينهما غدر. أحر التعازي لذوي الشهداء وأمنياتنا بالشفاء للمصابين.. دم الأردني غالي، وسنضرب بيد من حديد من تطاول على هذه البلد».

وبعد نصف ساعة من وقوع الهجوم، نشرت الأجهزة الأمنية حراسًا مسلحين أمام دور العبادة المسيحية في أنحاء المملكة. ويبلغ عدد سكان الأردن، الذي يشكّل المسلمون غالبيتهم، 10 ملايين نسمة، ويعيش فيه نحو 200 ألف مسيحي.

وبعد ساعة من صدور بيان الملك عبد الله، توجه إلى الكرك. وزار الناجين المصابين في المستشفى مرتدياً الزي العسكري، وتابع التحقيقات التي تجريها الأجهزة الأمنية. ويُعد الهجوم من حوادث القتل الجماعي نادرة الحدوث في المملكة، التي تمثّل واحة للأمن والاستقرار في منطقة مضطربة، وتتمتع بأجهزة أمنية قوية دربتها القوات العسكرية البريطانية والأميركية. وهو الهجوم الأكثر دموية منذ هجوم تنظيم «داعش» عام 2016، الذي أسفر عن مقتل 14 شخصاً. وتضم المملكة بعضاً من أقدم التجمعات المسيحية في العالم، وتعتمد على السياحة الدينية باعتبارها أحد أعمدة اقتصادها. كما تحتضن مواقع دينية يعترف بها الفاتيكان، من بينها موقع معمودية السيد المسيح وجبل نيبو، حيث يُعتقد أن النبي موسى رأى أرض الميعاد.

ويحافظ العاهل الأردني الملك عبد الله على علاقات وثيقة مع قادة طوائف مسيحية عدة من مختلف أنحاء العالم، ويضطلع بدور الوصي على المواقع الإسلامية والمسيحية في القدس والمدافع عنها. وكان العاهل الأردني، الذي ينحدر بدوره من نسل النبي محمد، قد أطلق عام 2010 مبادرة «الأسبوع العالمي للوئام بين الأديان»، التي اعترفت بها الأمم المتحدة.

وفي كلمة ألقاها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، قال الملك عبدالله: «نتصدى للإرهاب في المنطقة وخارجها.. ونحمي المسيحية، ومجتمعاتها وإرثها، في موطنها الأصلي والتاريخي، بينما ندافع عن الصورة الحقيقية للإسلام في وجه أصوات الكراهية». لكن هذا التوجه لا يقتصر على المستوى الرسمي فحسب.

ففي مدينة الكرك، يعيش المسيحيون والمسلمون جنباً إلى جنب منذ أكثر من 1400 عام، ويفتخر السكان اليوم بما يجمعهم من تضامن ووئام بين الأديان. ونجحت قوات الأمن الأردنية في إلقاء القبض على مرتكبي الهجوم الإرهابي. وخلال العقدين الماضيين، تعرض الأردن لعدد من الهجمات الإرهابية. واستهدف مسلحو تنظيم «داعش» الكرك مرات عدة، من بينها هجوم عام 2016، حين استولى مسلحون على قلعة المنطقة الصليبية القديمة، وأطلقوا النار، فقتلوا 14 أردنياً وسائحاً وعضواً في الأجهزة الأمنية، قبل أن تتمكن القوات من السيطرة عليهم. وفي أعقاب ذلك الهجوم بأيام، رصد مراسل لصحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» مظاهر دعم واسعة من السكان المسلمين تجاه جيرانهم وأصدقائهم المسيحيين، مؤكدين رفضهم القاطع للتطرف والطائفية.

ويمثّل هجوم الجمعة تحدياً أمنياً جديداً للأردن، الذي يستضيف قوات أميركية، وتعرض لوابل من الصواريخ والطائرات المسيرة، التي أطلقتها إيران وحلفاؤها، مستهدفة القواعد العسكرية والمواقع المدنية، في محاولة للضغط على الولايات المتحدة كي توقف الحرب على إيران.

كما يشعر الأردن بالقلق إزاء حالة عدم الاستقرار والعنف في الضفة الغربية المجاورة، الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي، إذ يخشى أن يدفع المتطرفون من المستوطنين اللاجئين الفلسطينيين إلى النزوح نحو المملكة.

*صحفي متخصص في شؤون الشرق الأوسط.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»