لدى العديدين منا تاريخٌ طويلٌ في مكافحة التطرف يعود إلى أواخر السبعينات من القرن الماضي. فقد أثارت عدداً منا أحداث الكلية الفنّية العسكرية بمصر (1974)، وخطْف الشيخ محمد حسين الذهبي وزير الأوقاف والأستاذ بالأزهر وصاحب كتاب «التفسير والمفسرون» (1977)، وقتله، ثم اغتيال الرئيس السادات عام 1981. وكان ديدننا الإدانة القاسية، ومنهجنا في مكافحة المتطرفين الذهاب إلى أنّ تأصيلنا أو فهمنا للقرآن والسنّة، وهو يفيد الاعتدال وحفظ الأنفس والصداقة مع الجوار والعالم، كلُّ ذلك أصحُّ بما لا يقاس مِن مقاربات المتشددين العنيفين في فهم النصوص والتقليد والأعراف.
لكننا كنا في أعماقنا نعتبر التطرفات وقائع فردية. أما الأمني والسياسي منها فله علاقةٌ في الأصل بالإسلام السياسي المعادي للدول القائمة. ولذا ينبغي التركيزُ على دعم الدول الوطنية. وقد تأثرتُ كثيراً في مطالع تسعينيات القرن الماضي بكتابين أو كتاب ومقالة. الكتاب للأستاذ الراحل نزيه الأيوبي بعنوان «تضخم الدولة العربية»، وقد قادني خطأً إلى الاعتقاد بأن العلّة كلّها في الأنظمة، بينما كانت العلة في الأفهام المستحدثة للدين، وهي أفهامٌ تريد مواجهةَ كل التحديات بالعنف باسم الدين الذي تدّعي الدفاع عنه من «خصوم» الذين يريدون كسره في مجتمعاته!أما المقالة فهي لصمويل هنتنغتون، وقد صدرت في مجلة الشؤون الخارجية بعنوان «صدام الحضارات»، وذلك في خريف عام 1993، قبل أن تصير كتاباً في عام 1996. وقد رأى هنتنغتون في مقالته أنه بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ما عادت الصراعاتُ أيديولوجيةً ولا عسكريةً، بل أصبحت ثقافيةً وحضاريةً. والحضارات الحية كلها توشك أن تنضوي تحت لواء الحضارة اليهودية المسيحية الغربية التي انتصرت، ولا يبقى غير الحضارة الإسلامية التي ترفض الانضواء وتمتلك حدوداً دموية!
لقد انصرفنا جميعاً لمجادلة هنتنغتون، وهو أمرٌ مسوَّغ، وبخاصةٍ بسبب شمول دعواه لكل الإسلام، ولإنكاره الدورَ الحضاري للدين الذي يسلِّم به غالبيةُ مؤرخي العلوم الغربيين. بيد أنني نسيتُ أو تجاهلتُ أمراً واحداً بالغَ الزملاءُ في إنكاره، وهو وجود عنفٍ في الإسلام المعاصر، وقد لاحظه هنتنغتون وكان ينبغي أن نلاحظه نحن أيضاً. وكان ينبغي أن تنبهنا إليه حربُ أفغانستان وحروبُ البلقان وآسيا الوسطى والقوقاز والشيشان. صحيح أن أولئك المتشددون ليسوا في الغالب هم مَن أطلقوا تلك الحروب، لكنهم سارعوا للانخراط فيها وعظّموا وقدّسوا ثقافةَ الاستشهاد التي لم تنتج شيئاً غير الانقسام داخل الإسلام بين المتشددين وغيرهم من المسالمين الذين كانوا يخشون على أوطانهم أو على أنفسهم وديارهم!
بعد العام 2001 توقفتُ عن الهجوم على هنتنغتون، وأثّرت بي رسالة عمّان (2004) التي كان هدفُها الأول الدفاع عن الإسلام في وجه الإسلاموفوبيا التي أحدثتها هجماتُ «القاعدة»، لكن الرسالة هاجمت أيضاً التطرفَ العنيفَ واعتبرته ضد الإسلام. فكّرتُ وقتها في أن التطرف العنيف صار ظاهرةً كبيرةً وقد صنعه الإسلام السياسي، لكنه صار يعمل بشكلٍ مستقلٍ باعتبار أنه يريد حمايةَ الدين من الداخل ومن المختلف! لذا عملتُ بناءً على هذا الفهم الجديد (في كتابي: «الصراع على الإسلام»، 2004) على برنامج جديدٍ لمكافحة التطرف عنوانه: التأهل والتأهيل، وهو موجَّهٌ لعلماء المؤسسات الدينية، وفيه هذا التمييز بين الإسلام السياسي، والتشدد الديني، وضرورة مراجعة طرائق مواجهة المجالين في برامج المكافحة.
إنّ تقديري بعد عشرين عاماً ونيفاً أنه حصلت إيجابيات في مكافحة الإسلام السياسي، وأن الأخطار على الدول الوطنية صارت آتيةً في الغالب من الخارج.
أما التشدد الديني فلم ننجح كثيراً في مكافحته، لأنّ الأفراد والخلايا يتعمدون التخفي، وهم لا يواجهون أجهزةَ الأمن مباشرةً، وما عادوا يجادلون علناً بل يفتكون مباشرةً كما حصل في قرية «حمود» في محافظة الكرك بالأردن. لا بد من العمل على الخروج من هذا التقوقع الإجرامي الذي أخطر ما فيه أنه يتم باسم الدين، وسلاحه التكفير والقتل، وفي ذلك تدميرٌ للسكينة التي صنعها الدين، وللمواطَنة والوطنية التي تظل ضروريةً لاستقرار الدول وسلامها.
*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية