رسومُ الرئيس ترامب الجمركية يحمِّلها الناخبون مسؤوليةَ رفع الأسعار.. لكنه مؤمن بضرورتها لإنعاش التصنيع الأميركي، وتقليص العجز التجاري، وإجبار الدول الأجنبية على معاملة الشركات الأميركية بصورة أفضل راميش بونورو* يُدرك كل متابع للسياسة أن انتخابات التجديد النصفي الأميركية غالباً ما تأتي بنتائج سيئة لحزب الرئيس. لكن حجم الخسارة يتوقف جزئياً على قراراته، وعلى الطريقة التي يدير بها شؤون البلاد.

ولو اتخذ دونالد ترامب خياراتٍ مختلفةً منذ إعادة انتخابه، لما واجه «الجمهوريون» احتمالَ هزيمة مدوية غداً الثلاثاء 3 نوفمبر الجاري. وفي مقدمة تلك الخيارات التي اتخذها الرئيسُ ترامب الحربُ على إيران. لم يكن ترامب مضطراً إلى إصدار أوامر بشن ضربات عسكرية على النظام الإيراني، وتشير تقارير إلى أن بعض مستشاريه عارضوا ذلك. كما لم يكن عليه الإقدام على تلك الخطوة دون تفويض من الكونغرس. ولو قرر هو أو الكونغرس تَجنُّبَ المواجهة، لما واجه الناخبون ارتفاعَ أسعار البنزين أو أثر غلاء الديزل في أسعار السلع الأخرى. وحتى لو أقرَّ المشرعون الحربَ، لكان النقاش أجبر الإدارةَ على تقديم مبررات أكثر تماسكاً، ولكسبت تأييدَ الرأي العام، بدلاً مِن فرض المواجهة من دون نقاش عام واضح.

وقد أثارت رسومُ ترامب الجمركية رفضاً شعبياً مماثلاً، إذ يحمِّلها الناخبون مسؤوليةَ رفع الأسعار. وربما يصعب تخيل ترامب في عالم بديل لا يسعى فيه إلى فرض رسوم مرتفعة كهذه، فهو يبدو مؤمناً بأنها ضرورية لإنعاش التصنيع الأميركي، وتقليص العجز التجاري، وإجبار الدول الأجنبية على معاملة الشركات الأميركية بصورة أفضل. لكنه لم يكن مضطراً إلى فرضها على نطاق واسع، ومن دون تفويض واضح من الكونغرس. وربما كان قد أقنع الجمهوريين بمنحه رسوماً أعلى ضمن مشروع الموازنة الضخم لعام 2025، لكنها كانت ستصبح أقل، وأكثر قابليةً للتوقّع، وأقل ضرراً على الشركات والمستهلكين. وتوقّع ناخبو ترامب إجراءاتٍ جادةً بشأن الهجرة، ولم يكن ذلك ممكناً من دون رد فعل سلبي.

لكنه اختار ألا يعطي الأولويةَ لترحيل أخطر المهاجرين غير النظاميين، أو الدفع نحو نظام تحقق إلكتروني أكثر صرامةً يمنع أصحابَ العمل من توظيف غير المؤهلين. وبدلاً من ذلك، تبنّى إنفاذاً تصادمياً للقوانين في مناطق شديدة الميل إلى «الديمقراطيين»، مما أدى، كما كان متوقعاً، إلى نتائج مأساوية، وأثار انتقاداتٍ واسعةً، حوّلت مكسباً سياسياً إلى عبء.

ويتحمّل مجلسُ الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) المسؤوليةَ الأكبرَ عن معدل التضخم العام، لا الرئيس. لكن ربما كان الاحتياطي الفيدرالي سيكافح التضخمَ بصرامة أكبر في بداية ولاية ترامب لو لم يضغط عليه لخفض الفائدة، مدعياً أن التضخم هُزم بالفعل. ولم يرفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات إلا في سبتمبر. والفائدة المرتفعة مؤلمة انتخابياً للجمهوريين، لكن التحرك المبكر كان سيخفّض الأسعار أسرع. وبدلاً من ذلك، يواجه الأميركيون معدلات تضخم وفائدة أعلى مما يحتملون. أما الخطاب الاقتصادي للجمهوريين فكان كارثياً، فقد مهّد ترامب له بقوله إن الأميركيين يستطيعون الاستغناءَ عن بعض السلع الاستهلاكية!

وهنا نتذكر حديثَه عن أن الأطفال لديهم دُمى أكثر من اللازم! ربما كان الناخبون أقل غضباً من ترامب وحزبه لو اعتقدوا أنه يحاول، على الأقل، خفضَ الأسعار. لكنهم يرون أن له أولويات أخرى، من إعادة تصميم مباني واشنطن العاصمة إلى إطلاق مشروعات للعملات المشفّرة، وهي أولويات لا يشاركونه إياها، في وقت يركّز فيه الناخبون على نفقات الحياة اليومية. وفي سباقات حاسمة، أخفق ترامب أيضاً في أداء دور زعيم الحزب. كان بإمكانه إقناع السيناتور جون كورنين (عن تكساس) بالتنحي، ربما بعرض منصب وزاري عليه، أو إنقاذه بتأييد قوي مبكر. وكان يمكنه ألا يدفع السيناتور ثوم تيليس (عن كارولاينا الشمالية) إلى عدم الترشح مجدداً.

كما لم يكن مضطراً إلى اختيار دارلين غراهام مرشحةً لولاية كاملة في مجلس الشيوخ عن كارولاينا الجنوبية. ولو اختار خلاف ذلك، لتحسّنت فرصُ الجمهوريين في هذه الولايات وربما غيرها، خاصةً في ظل الأموال الطائلة التي ينفقونها في تكساس، حيث بات السباق مكلفاً على نحو متزايد. وتُعد جميع تلك البدائل ممكنة نظرياً، لأن ترامب كان حراً في الاختيار، ولم يكن أي منها يتطلب استشرافاً كبيراً.

لكنها غير واقعية لأن التعامل مع الكونغرس بشأن التجارة كان سيحرم ترامب متعةَ جعل العالم يترقب منشوراته على «تروث سوشيال» لمعرفة السياسة الحكومية المقبلة. وجعل تكاليف المعيشة أولوية تتقدم على قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض كان سيتطلب منه مخالفة تفضيلاته الفعلية. لقد ربط الناخبون والسياسيون الجمهوريون أنفسَهم بشدة بشخصية ترامب، وسيُدفع جزءٌ من ثمن هذا الاختيار أيضاً بعد أيام قليلة.

يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»

*كاتب وزميل باحث في معهد «أميركان إنتربرايز»