كان إعلان صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، السابع من يناير من كل عام «يوم زايد المؤسس»، لحظة فرح وفخر وطني فاضت به قلوب أبناء دولة الإمارات العربية المتحدة، الفخورين بانتسابهم إلى واحد من أعظم القادة الذين عرفتهم الإنسانية على امتداد تاريخها.
خاض المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، غمار السياسة، القاسية بطبعها، في منطقة صعبة، وأنجز في ظل هذه البيئة المعقدة مهمة توحيد عدد من الكيانات السياسية في دولة واحدة، وهي التجربة التي شهدت نظيراتها في العالم حروباً مريرة، ومواجهات دموية ممتدة، وخلفت وراءها أحقاداً وكراهية وسقط فيها عشرات الآلاف من الضحايا. ويمكن لأي مقارنة بين التجارب الوحدوية والاتحادية في المنطقة والعالم، قديماً وحديثاً، وتأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة أن توضح ضخامة الإنجاز، وعبقرية الرجل الذي وضع أسس الاتحاد، وشاد بيده صرحه الشامخ.
ويقدم اختيار تاريخ السابع من يناير نموذجاً لتفعيل طاقات الرمز وإمكانياته إلى أقصى حدودها الممكنة، بالجمع بين توحد الإمارات السبع في وطن واحد نجح في أن يصبح محط إعجاب العالم واحترامه بعد فترة وجيزة من تأسيسه، وكون الرقمين «7» و«1» يستحضران تاريخ تأسيس الاتحاد المبارك، وسيرة الرجل الذي نذر عمره من أجل هذه المهمة النبيلة، ولم يتوقف عند مجرد تحقيقها، إذ كانت الملحمة التنموية التي خطتها يده سطراً سطراً، وفي كل نواحي الحياة، فصلاً آخر في كتاب المجد والعطاء لم ينل بعدُ ما يستحقه من العناية باستقصاء معانيه ودروسه.
وإذا كانت المناسبات الوطنية تستمد جانباً من قوتها من الرموز التي تختزنها، فإن «يوم زايد المؤسس» يمنح الرقمين «7» و«1» معنى جديداً، ويجعل من الاحتفاء الشعبي الجارف بهذه المناسبة الوطنية فرصة للعودة إلى قراءة صفحات متجددة من تاريخ الدولة، واستيعاب دلالاتها، خاصة لدى الأجيال التي لم تعاصر لحظة التأسيس، لكنها تعيش اليوم نتائجها ومنجزاتها.
لم يؤسس الوالد القائد دولة على خريطة المنطقة فحسب، بل أسهم في تأسيس فلسفة تنموية متكاملة، جعلت من الإنسان مركز اهتمامها وعنايتها، ووضعت التعليم والصحة والإسكان والاستقرار الاجتماعي في صدارة اهتمامها، وأتاحت لكل مواطن في كل مكان على هذه الأرض أن يشعر بثمار الاتحاد خلال أشهر قليلة من تأسيسه، ويسعى إلى المشاركة في استدامته، وأن يعبر من خلال الجهد والعمل عن مشاعر الولاء والانتماء التي تتعاظم يوماً بعد يوم.
وعلى الرغم من أن الأمم ترتبط بأبطالها وقادتها الكبار وصانعي تاريخها، فليس هناك من حرج في القول بأن ارتباط أبناء دولة الإمارات بالمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لا شبيه له، في قوته، وعمقه، وحضوره اليومي والدائم في حياة كل إماراتي. ولا يتمتع أي رمز عالمي بما يحظى به الوالد القائد من إجماع على محبته الخالصة.
إن كل القادة السياسيين يجدون من يتفق ومن يختلف مع قراراتهم ومواقفهم وسلوكياتهم واختياراتهم، ومن ينتقدهم بقسوة، في حين يُجمع كل الإماراتيين من كل الأعمار والفئات والمناطق على اعتبار زايد رمزهم الذي لا تشوبه شائبة، ولا يعثر حتى الكارهون والمتربصون في أكثر من ثمانية عقود من حياته الحافلة على ثغرة واحدة تنتقص من وقاره ومهابته وعدله وحلمه وحكمته وصواب تقديره للأمور. فقد كان في كل المواقف الفارس النبيل، الذي احتفظ في بحر السياسة الصاخب ببوصلته الأخلاقية، ولم يحِدْ عنها أياً كانت التحديات والتبعات.

وكان من آثار هذه العلاقة الفريدة أن أصبحت أخلاق زايد نموذجاً يسعى كل إماراتي إلى اتباعه، وهو ما عبَّر عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، بقوله: «كلنا أبناء زايد، ولا يحمل أبناؤه اسمه وحبه للوطن فحسب، بل يحملون قيمه أيضاً.. الأخلاق والصبر والمحبة لجميع الناس». وهذه أيضاً واحدة من السمات التي يمتاز بها الوالد الباني عن كل الزعماء السياسيين، من خلال تأثيراته في الأخلاق والسلوك لدى أبناء شعبه، وغرسه قيماً إنسانية سامية في عمق الشخصية الإماراتية، على مستوى الفرد والجماعة.
والاحتفاء السنوي بـ «يوم زايد المؤسس» هو احتفاء بهذه الفضائل والقيم، وتقدير للمناقب الإنسانية والسمات القيادية التي امتلكها رجل جاء في اللحظة المناسبة ليتغلب على عوائق ومصاعب وتحديات كانت كفيلة بإحباط محاولات بناء دولة موحدة، لولا أن قيض الله لأبناء الإمارات هذا القائد الاستثنائي، لتكون أدواته في بناء الدولة هي الاقتناع المطلق بشخصه، والإيمان بنزاهته وحكمته، واليقين بصدق مقاصده وغاياته، والثقة التي لا تشوبها شائبة في قدرته على تحقيق ما يعد به، والاقتناع بأنه الأجدر والأكفأ. ولم يلجأ الوالد الباني مرة إلى القسر أو الإكراه أو الحيلة، وادخر بأسه وعزيمته وصلابته لمرحلة البناء التي كانت إنجازاته فيها أشبه بالمعجزة.
ولا يعني ما سبق أن «يوم زايد المؤسس» هو مناسبة للعودة إلى ماضٍ مجيد، أو مرحلة تاريخية سابقة تستحق الفخر، ذلك أن المستقبل كان في قلب رؤية زايد، من خلال الوعي بالحاضر، وفهم معطياته، واستثمارها لتحديد المسارات التي ستؤول إليها الأمور على كل الصعد، والاستعداد لاستثمار ما يبدو من فرص، والتغلب على ما يتخلق من تحديات.
ومن هنا، فإن الاحتفال السنوي بالمناسبة إنما يمثل فرصة لتجديد العهد مع المبادئ التي أرساها المغفور له الشيخ زايد، وقامت عليها دولة الاتحاد، ولتذكير الأجيال بأن ما حققته دولة الإمارات من نجاحات هو ثمرة رؤية وإرادة وعمل، وأن مسؤولية الأجيال المقبلة هي أن تجعل من إرث زايد قوة دافعة لمستقبل أكثر ازدهاراً. وليس «يوم زايد المؤسس» يوماً لتكريم رجل صنع التاريخ فحسب، بل مناسبة لتأكيد أن أعظم وفاء للمؤسس هو مواصلة بناء الوطن الذي حلم به، وتوثيق عرى الاتحاد، والحفاظ عليه قوياً عزيزاً، وتوفير أفضل فرص الحياة الكريمة لأبنائه، واحترام ميراث التسامح والتعاطف والعطاء والقيم السامية التي كان زايد أفضل من جسَّدها.
*كاتب إماراتي