رشحت دولة الإمارات معالي لانا نسيبة، وزيرة دولة، لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة بعد ست جولات استطلاعية عجز مجلس الأمن خلالها عن التوافق على مرشح. وسيواجه الأمين العام المقبل انقسامات بين القوى الكبرى وأزمة تمويل وتراجعاً في قدرة المنظمة على التعامل مع النزاعات.
ويجعل ذلك خبرة المرشحين في التفاوض وإدارة المؤسسات عنصراً في التقييم، إلى جانب التوازنات السياسية التي تحكم قرار المجلس. عملت لانا نسيبة مندوبة دائمة للإمارات لدى الأمم المتحدة بين عامي 2013 و2024، وترأّست مجلس الأمن مرتين خلال عضوية الدولة فيه.
وشاركت في المفاوضات التي أفضت إلى القرار 2720 بشأن تسهيل المساعدات الإنسانية إلى غزة، وأسهمت مع اليابان في اعتماد القرار 2681 الذي أدان منع «طالبان» النساء الأفغانيات من العمل لدى المنظمة.
وتولت الرئاسة المشتركة لمفاوضات إصلاح المجلس وللفريق المعني بتنشيط الجمعية العامة، واكتسبت معرفة مباشرة بآليات العمل الأممي وحدود التوافق بين الدول الأعضاء. وإذا اختيرت، ستكون أول امرأة تتولى منصب الأمين العام منذ إنشائه. وتشكّلت خبرة لانا نسيبة ضمن بيئة دبلوماسية إماراتية تقوم على تنويع العلاقات والتعامل مع مصالح دولية متباينة. فقد حافظت الإمارات على شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، ووسعت تعاونها مع الصين وروسيا والهند، رغم اختلاف مواقف بعض تلك القوى بشأن قضايا دولية.
وتتيح هذه السياسة التواصل مع أطراف متنافسة، وفهم حساباتها والبحث عن نقاط اتفاق بينها. تضع نسيبة الدبلوماسية الوقائية في صدارة برنامجها، وتقترح تحرك الأمين العام قبل تحول الخلافات إلى حروب. وعند اندلاع النزاعات، تدعو إلى هدن محلية وتبادل الأسرى وفتح الممرات الإنسانية، تمهيداً لتسويات أوسع. وتؤكد أهمية الاستعانة بالوسطاء الإقليميين والجهات المقبولة لدى أطراف الصراع، حتى عندما لا تتولى الأمم المتحدة قيادة العملية السياسية.
وتركّز مقاربتها على ما يمكن تحقيقه ومتابعة تنفيذه، دون انتظار حل شامل لكل أزمة. قياس نتائج برامج الأمم المتحدة مقابل تكلفتها، والحد من ازدواجية المهام، محوران في رؤية نسيبة للإصلاح المؤسسي مع تراجع التمويل الإنمائي.
وتشمل مقترحاتها تعزيز فرص العمل ومعالجة أعباء الديون وتوسيع مشاركة القطاع الخاص. وتأتي نسيبة من مدرسة العمل الحكومي الإماراتي، حيث حلّت الدولة رابعة عالمياً في مؤشر كفاءة الحكومة وفق تقرير التنافسية العالمية لعام 2026. غير أن تطبيق الإصلاحات داخل منظمة دولية يختلف عن إدارة مؤسسات الدولة، ويظل مرهوناً بموافقة الدول الأعضاء على الميزانيات والتفويضات.
الإعلان الإماراتي عن ترشيح لانا نسيبة في 21 أكتوبر الماضي أعقبه بعد تسعة أيام حضور ملموس في الاقتراع الاستطلاعي السابع، إذ حصلت في مشاركتها الأولى على سبعة أصوات مشجعة، مقابل ستة غير مشجعة وصوتين دون رأي، لتحتل المرتبة الرابعة بفارق صوت واحد عن المركز الثالث.
وتشير النتيجة إلى تأييد داخل المجلس رغم دخولها المنافسة متأخرة. وحظيت بدعم وترحيب من أكثر من 25 دولة في مناطق جغرافية مختلفة، بما يعكس فاعلية الدبلوماسية الإماراتية وتجربتها الأممية. لم تحسم الجولة المنافسة. فقد تقدّمت المرشحة الكوستاريكية ريبيكا غرينسبان بـ11 صوتاً مشجعاً، تلاها المرشح الأرجنتيني رافائيل غروسي بتسعة، ثم مرشحة غيانا كارولين رودريغز بيركيت بثمانية.
ورغم تقارب النتائج، لم يكشف التصويت عن مواقف الدول الخمس الدائمة العضوية، لعدم تمييز أصواتها عن غيرها. وجاء ترشيح الدبلوماسي التركي فريدون سينيرلي أوغلو ليؤكد استمرار البحث عن توافق، رغم اقتراب انتهاء ولاية أنطونيو غوتيريش في 31 ديسمبر القادم. وتتطلب التوصية الرسمية تأييد تسعة أعضاء على الأقل، دون استخدام حق النقض، قبل عرضها على الجمعية العامة.
ستحسم حسابات مجلس الأمن نتيجة الاختيار، لكن الترشيح يفتح نقاشاً حول الخبرة المطلوبة لقيادة منظمة تحتاج إلى استعادة قدرتها على معالجة الأزمات. لانا نسيبة تقدم تجربة دبلوماسية إماراتية متعددة الشراكات، وسجلاً عملياً ورؤية تستند إلى الوساطة وإصلاح الأداء. وما تحمله إلى المنافسة هو معرفة مباشرة بآليات الأمم المتحدة، ونهج مرن في التفاوض يركز بواقعية على ما يمكن إنجازه في ظل اختلاف مصالح الدول.
*كاتب إماراتي