ينطوي التوجه المتسارع نحو تحويل أسهم الشركات المدرجة إلى رموز رقمية «توكنز» على مخاطر تشبه تلك المرتبطة بالعملات المشفرة، مع فوائد ضئيلة للغاية. وتشمل السلبيات المحتملة غسل الأموال، والتداول بناء على معلومات داخلية، بل وحتى السرقة، وهو ما اتضح في حادثة اختراق منصة «بينانس هولدينغز» مؤخراً، والتي بلغت خسائرها 6.3 مليار دولار. ولن يكون المستفيد الوحيد من تلك الخطوة سوى منصات التداول التي تسعى لتحقيق إيرادات إضافية.
ففي سبتمبر الماضي، مضت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية قدماً في الترويج للأوراق المالية المُرمزة، وهي سجلات رقمية لحقوق الملكية أو الحصص في الأسهم، تُسجل على سلسلة الكتل أو دفتر حسابات موزع، وعلقت العديد من القواعد وضمانات حماية المستثمرين لتسهيل تطوير الشركات هذا السوق.
وتتيح بورصات خارج الولايات المتحدة بالفعل تداول نسخة من تلك المنتجات، عبر أسهم أميركية رقمية تكون عادة مشتقات مالية تحاكي القيمة السوقية للشركات، من دون منح حامليها حقوقاً في توزيعات الأرباح أو التصويت. أما الإصدارات الأميركية، فسترتبط بنسبة واحد إلى واحد بأسهم فعلية محفوظة لدى جهة أمينة، بهدف تيسير التداول على مدار الساعة وتسريع تسوية المعاملات لتصبح فورية.
لكن تمديد ساعات التداول وتسريع معالجة المعاملات ممكنان من دون تقنية سلسلة الكتل. وعلى الأقل، يتعين على الجهات الرقابية الأميركية وضع ضوابط أكثر صرامة للمبادرة، وإلا تعرض المستثمرون والشركات وأجهزة إنفاذ القانون للأضرار.
ويبدو أن أولى المحاولات الكبرى تتعثر حالياً. فبموجب أمر الهيئة، يتعين على منصات العملات المشفرة منح الشركات مهلة 30 يوماً للاعتراض على تحويل أسهمها إلى رموز رقمية. وقد رفضت شركات كثيرة بالفعل هذه الخطوة، في المشروع المشترك بين شركة العملات المشفرة «أو كي إكس» و«إنتركونتيننتال إكستشينج»، التي تدير أسواق السلع والعقود الآجلة.
ففي الشهر الماضي، أدرجت البورصة الجديدة «أو كي إكس آيس» 63 شركة أميركية كانت تعتزم تحويل أسهمها إلى رموز رقمية «توكنز»، لكن 50 شركة اعترضت، بينها شركات لم تكن مدرجة في القائمة الأصلية. وشملت المعترضين شركتا التكنولوجيا «ألفابت» و«إنفيديا»، ومصرف «جيه بي مورغان تشيس»، وشركتا «نايكي» و«كوكاكولا»، وفقاً للبورصة.
أما الشركات التي لم تعترض، فتشمل شركات عملات مشفرة مدرجة، وشركتي إيلون ماسك «سبيس إكس» و«تسلا»، فضلاً عن «هوم ديبوت» و«بوينغ». ولا يتضح كم يوماً بقي أمامها لاتخاذ القرار، أو ما سيحدث إذا فاتتها مهلة الرد. ولم تجب «أو كي إكس» عن الأسئلة بشأن ذلك أو جوانب أخرى من أنشطتها.
ويتمثل الخطر الآخر في انقسام التداول بين أسواق الأسهم التقليدية ومنصات متفرقة للأوراق المالية المُرمزة، ما قد يرفع التكاليف ويؤدي إلى تفاوت الأسعار بين البورصات العادية ونظيراتها المشفرة.
وتُثار تساؤلات أيضاً بشأن إمكانية نقل الأسهم المُرمزة خارج منصات التداول وبيعها وشرائها مباشرة بين الأفراد، كما يحدث مع منتجات مشفرة أخرى. وإذا أمكن ذلك، فما الذي يمنع وقوعها في أيدي المجرمين أو الأنظمة الخاضعة للعقوبات أو مستثمري الشركات الجشعين؟ تخيل مثلاً أن كوريا الشمالية بدأت تجميع حصة رقمية في شركة أميركية ذات أهمية استراتيجية.
وحتى إذا اقتصر التداول على منصات مثل «أو كي إكس آيس»، فهل تكفي آليات المراقبة لكشف التلاعب أو التداول بناء على معلومات داخلية؟ تقول الشركة، إنها ستراقب نشاط منصتها، لكن لا يبدو أن لديها خبرة سابقة في مراقبة تداول الأسهم.
وفي نهاية المطاف، تبرز المفارقة نفسها التي تنطبق على معظم الأصول المشفرة: إذا كانت هذه الأسواق مركزية ومرتبطة بما يكفي بالقواعد والضمانات القائمة لضمان انتشارها، فإن كثيراً من مبررات التحول إلى التداول الرقمي تنتفي.وكان مجلس الشيوخ قد أسقط بالفعل مشروع قانون «كلاريتي»، الذي كان سيشمل مجموعة واسعة من منتجات العملات المشفرة، ما دفع الهيئة إلى منح ما يُسمى «إعفاء الابتكار» لتسريع تطوير السوق. ويحق لجمعية صناعة الأوراق المالية والأسواق المالية وغيرها المطالبة بمزيد من التفاصيل قبل إدخال نظام الترميز إلى الولايات المتحدة. وعلى الشركات والمستثمرين التقليديين إدراك مخاطر نقل مزيد من التداولات المالية إلى تقنية سلسلة الكتل أو «بلوك تشين».
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*كاتب أميركي متخصص في شؤون البنوك والتمويل.