من الخلاصات المهمة التي يخرج بها المفكرون العرب الذين يناقشون شؤون العالم العربي أن الدول العربية منفردة والعالم العربي بشكل جماعي أنه لم تتم الاستفادة من التكوين الطبيعي له وما يمتلكه من مقومات في مجالات عدة. ويتضح ذلك بجلاء على الصعيد التنموي.

وحالياً تقع اقتصادات معظم الدول العربية في ترتيب غير متقدم، مقارنة بما هو موجود من تنمية اقتصادية في عالم اليوم، وهذا يؤدي إلى انخفاض مستوى معيشة الإنسان العربي ونصيبه من الدخل القومي الإجمالي. وهذا الوضع يشكل مصدراً للقلق الاجتماعي والسياسي.

ما يعتقد هو أن هذه الحالة يمكن لها أن تتغير إذا ما تعاونت الدول العربية، وقامت بالتنسيق فيما بينها على صعيد التنمية الشاملة المستدامة وخلقت لنفسها أنماطاً من التعاون والتكامل والتنسيق الاقتصادي والاجتماعي. ذلك التعاون والتكامل والتنسيق سيؤدي إلى أن تصبح الإمكانيات الاقتصادية والبشرية المتواجدة لدى كل دولة عربية داعماً طبيعياً لوجود نمط من الاقتصاد الجماعي القوي القائم على المعرفة الحديثة والتكنولوجيا المتقدمة وأنواع مبتكرة من الذكاء الاصطناعي. إن ذلك يمكن أن يحدث من خلال إخضاع مجمل العمليات الإجرائية واللوجستية لتخطيط مسبق متناسق يوصل الأمور إلى نتائج منطقية مرتجاة، أهمها تحسن الأداء الاقتصادي، وارتفاع الدخل الوطني لكل دولة عربية، ولعالم عربي متعاون ومتماسك، وبالتالي إلى ارتفاع مستويات دخول الأفراد ومستوياتهم المعيشية. والدعوة إلى هذا التعاون والتكامل والتنسيق تنطلق من إدراك عملي لثلاث نقاط مهمة: فأولاً، أنه من الصعب على كل دولة عربية منفردة الخروج من وضع التأخر التنموي الذي تعانيه دون أن تتعاون وتتكامل مع غيرها من الدول العربية. ويعود السبب في ذلك إلى أنه لا يجتمع لدى أية دولة على حدة جميع الإمكانيات والعناصر والمقومات الضرورية كقوى الإنتاج البشرية ورؤوس الأموال والضرورات التقنية ومكونات الذكاء الاصطناعي الحديثة اللازمة لتدشين عمليات تنمية شاملة مستدامة. وثانياً، أن الثروات المعدنية، وتلك الآتية من مصادر الطاقة الأحفورية هي ثروات ناضبة، وهذه حقيقة تستدعي الاستخدام والاستغلال الأمثل لها في سبيل المحافظة على الفوائد والعوائد والموارد المستقاة منها.

ثالثاً: ما هو موجود من ثروات منتشرة وموزعة على امتداد العالم العربي، ووفقاً لهذا التشتت تتراجع عملية استيعابها واستغلالها الأمثل ضمن جغرافية العالم العربي، وتقوم الدول بتصديرها إلى الخارج كمواد خام وبأسعار هي أقل من قيمتها الفعلية، ولكن لو تم استغلالها في داخل جغرافية العالم العربي ضمن عمليات تعاون وتكامل وتنسيق مشترك لكانت الفائدة التنموية أعم وأشمل. جميع ذلك يدعونا إلى تأكيد ما نطرحه بأن الهدف الاستراتيجي للتنمية الشاملة المستدامة في العالم العربي يمكن أن يكون هو حماية المصالح العربية المشتركة.

وحماية تلك المصالح بشكل جماعي يعزز الأمن الاستراتيجي والاقتصادي والاجتماعي والغذائي البيئي والمائي، ويجعل من العالم العربي ذا أوضاع مستقبلية صالحة لمعيشة الإنسان العربي بمستوى معيشي مرتفع وآمن. هذه الرؤية تحتاج إلى مناظير شاملة تدمج بين ما هو محلي وما هو جماعي بمعنى إلباس الأهداف المحلية أثواباً جماعية على قواعد محددة من الفوائد المشتركة التي قوامها أن تفيد كل دولة عربية الدول العربية الأخرى وتستفيد منها، بمعنى تكوين منظومات من المصالح المشتركة.

*كاتب إماراتي