انتهت الانتخابات الإسرائيلية والانتخابات النصفية الأميركية. وفي حين ينهمك الإسرائيليون في مَن يشكّل الحكومة القادمة، فإنّ الاهتمام العالمي ينصبُّ على الولايات المتحدة بعد أن خسر «الجمهوريون» في سباق مجلسَي الكونغرس. الرئاسة في الدستور الأميركي لها صلاحياتٌ شديدةُ القوة، وتمتلك حقَّ الفيتو على قرارات الكونغرس. ولذا لا يعني فقدُ الأكثرية في السلطة التشريعية أن الرئيسَ انتهت قوتُه أو أنه مضطرٌّ لتغيير سياساته في السنتين المتبقيتين من عهده. بيد أن «الديمقراطيين» الذين كسبوا الجولةَ في المجلسين يستطيعون إعاقةَ الإدارة في التعيينات وفي مشروعات القوانين وحتى في مسائل الحرب وميزانياتها وتطور العلاقات بالدول الأخرى.
ومن المشهور لدى الخبراء أن الإدارة القائمة للرؤساء من الحزبين تخسر عادةً في الانتخابات النصفية. وتعود الخسارة غالباً لأسباب داخلية مثل ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة. وليست هناك ملفات جديدة تماماً تحدّت إدارة الرئيس ترامب. إنما هناك مشكلات تفاقمت مثل مسألة الهجرة التي كانت بين أسباب نجاح الرئيس قبل عامين، أما اليوم فقد صارت عبئاً لاصطدامها بعقبات قانونية وشعبية وإنسانية. فالأقلياتُ التي نالت ملاحقاتُ أجهزةِ الهجرة مِن استقرارها تحشّدت ضده.
بيد أنه وللمرة الأولى تقريباً لعبت الحربُ أو الحروب دوراً في خسارة ترامب وحزبه. فالجمهور، وليس الأقليات فقط، تأثر بالحرب التي استمرت طويلاً في غزة وعليها. وكان ترامب داعماً لنتنياهو فيها، ثم تشاركا في الهجوم على إيران. والجمهور قلقٌ لحالة اللاحرب واللاسلم السائدة الآن. صحيحٌ أن الرئيس ترامب أنجز «مجلس السلام» لإنهاء الحرب على غزة، ويتفاوض بكثافة مع إيران بالواسطة لإنهاء النزاع، لكنّ إعاقات الإمداد بالطاقة بسبب إقفال مضيق هرمز، والإنفاق الهائل على الحرب، كلٌّ وضع مسؤولياتٍ على إدارة ترامب بسبب ارتفاع نفقات المعيشة، وارتفاع أسعار الطاقة على المواطنين. وهكذا، وربما للمرة الثانية (المرة الأولى كانت أيام بوش الابن وحربيه على أفغانستان والعراق) تلعب حربٌ خارجيةٌ دوراً بارزاً في الانتخابات الأميركية.
لكن لنتأمل آثار الانتخابات الأميركية على الأطراف الأخرى. يقال إن الكنديين والأوروبيين ارتاحوا لخسارة ترامب. لكنّ الرئيس الفرنسي ماكرون قال إن العودة للوراء غير ممكنة ولا بدّ أن يعتمد الأوروبيون على أنفسهم. وقد تخوَّف رئيس الوزراء الإسرائيلي أن يتردد الرئيسُ ترامب في شن الحرب التي اتفقا على متابعتها ضد إيران!
إنما الطريف ردة فعل الطرف الإيراني. فقد اعتبر البعضُ أن الصمودَ الإيراني هو الذي تسبب في خسارة ترامب وحزبه! لكنّ رسالتين أصدرهما مجتبى خامنئي قالتا أمرين مختلفين. في الرسالة الأولى يقول المرشد الابن إنّ الغرب، وبخاصةٍ أميركا، سيظل عدواً لإيران أياً كان الحاكمون. أما في الرسالة الثانية فقد جاء أن المقاومين الموالين لإيران في العراق ولبنان واليمن يتقدمون على سائر الجبهات. فهل كان خامنئي بذلك يطمئن الإيرانيين إلى أن أذرعهم لا تزال قويةً وقد لا يضطرون هم للقتال بأنفسهم!
لا يبدو حتى الآن أن الانتخابات الأميركية ستؤثِّر على مصائر الوضع في الشرق الأوسط. فالإسرائيليون لا يزالون ينفّذون هجمات وتفجيرات في جنوب لبنان. والحوثيون لا يزالون يهجمون في اليمن. والكل متوجسٌ من الوضع بسبب التحشيدات العسكرية، وسوء الأوضاع الاقتصادية، واستحالة التنبؤ بما سيحدث غداً أو بعد غدٍ.
*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية