تقع مدينة ملوي إداريا في محافظة المنيا بصعيد مصر على بعد 270 كيلومترا جنوبي القاهرة، وتعد واحدة من أهم المزارات على خريطة السياحة المصرية بما تضمه من آثار ومزارات فريدة ومتنوعة، ورغم ما تعرض له المتحف الرئيسي في المدينة من نهب وتخريب عقب فض قوات الأمن اعتصامي رابعة والنهضة مؤخراً، فإن الحكومة المصرية تعمل حالياً بالتنسيق مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم «يونسكو»، وفق خطة تستهدف استعادة الآثار التي نهبت من المتحف وتطوير المدينة لتستعيد مكانتها كمكان جاذب للسياح من شتى أقطار العالم، وفق ما أكده اللواء صلاح الدين زيادة، محافظ المنيا. قال صلاح الدين زيادة، إن ملوي من المدن المهمة في خريطة مصر الأثرية، فبالإضافة إلى المتحف الذي يضم ما يزيد على ألف قطعة أثرية نادرة من زمن الفراعنة تراوحت بين عملات ذهبية ومعدنية وتماثيل ذهبية وأخرى صنعت من أحجار نفيسة، فإن هناك أيضا في أرجاء المدينة عددا من المباني الأثرية والمساجد والكنائس والأديرة المسجلة كآثار تاريخية لدى منظمة اليونسكو، لافتاً إلى أن الأيام الماضية شهدت نجاح أجهزة الأمن المصرية في استعادة جانب كبير من الآثار التي نهبت من متحف ملوي أبرزها مسرجة من الفخار الأحمر لها مبسم وقاعدة دائرية مرتفعة ذات فتحتين، ويؤكد محافظ المنيا أن الأمور تتحسن في ملوي والسياح يتوافدون على المدينة تباعا، لاسيما أنها تتمتع بمناخ معتدل وشمس ساطعة مما يجعلها من الأماكن المفضلة للوافدين إلى مصر. أصل كلمة ملوي يرجع أصل كلمة ملوي إلى كلمة «مرو» باللغة الهيروغليفية أو كلمة «منلوي» باللغة القبطية، وكلتاهما تعني مستودع الأشياء ثم حرفت إلى ملوي. وتمتد المساحة الجغرافية لمركز ومدينة ملوي لنحو 817 كيلومتراً ويسكنها 700 ألف نسمة، وتعد من المدن الكبرى في مصر إذ يتبعها إدارياً نحو 70 قرية صغيرة أبرزها الأشمونين وتونا الجبل لما تضمه كل منهما من آثار فريدة ومتنوعة، وتحفل شوارع مدينة ملوي بالعديد من البازارات والمراكز التجارية التي تقدم سلعاً ومشغولات يدوية تحظى بإقبال السياح ممن يفدون إلى المدينة على مدار أيام العام، كما أن من يتجول في أرجاء المدينة يجد العديد من الفيلات والمباني القديمة بطراز معماري رائع يرجع إلى زمن الحكم الملكي. ويترقب أهل ملوي كغيرهم من المصريين استقرار الأوضاع السياسية والأمنية في البلاد مما يسهم في عودة السياحة إلى سابق عهدها، لاسيما أن كثيرا من أهل ملوي يعملون في مجال السياحة وفي مهن مرتبطة بها. متحف ملوي أما متحف ملوي فيقع على ناصية شارعي الجلاء والعرفاني، وقد تم وضع حجر الأساس لبناء هذا المتحف عام 1962 وتم افتتاحه في عام 1963، وهو يضم المقتنيات التي اكتشفت في منطقة آثار تونة الجبل والتي ترجع إلى العصرين اليوناني والروماني، والمتحف مكون من طابقين على مساحة حوالي 600 متر مربع ويحتوي من الداخل أربع صالات لعرض المقتنيات به، وفي الطابق الأول ثلاث صالات الأولى تحتوي على مومياوات للطائر المقدس «أبيس» وتوابيت مصنوعة من الخشب والحجر الجيري والفخار، وكذلك تماثيل صغيرة للطائر «أبيس» على شكل حورس وكل هذه الأشياء اكتشفت في سراديب تونة الجبل. بينما الصالة الثانية تحتوي على أثاث جنائزي عبارة عن توابيت تضم بعض المومياوات لرجل وامرأة وطفل وهي مصنوعة من الخشب والحجر الجيري والرخام، كما توجد موائد وبعض الأقنعة. وفي الصالة الثالثة توجد تماثيل للملوك وأبرزها تماثيل إيزيس وأوزوريس والإله «تحوت» على شكل قرد تحيط به تماثيل لتحميه. بينما الصالة الرابعة تحتوي على كل الأشياء التي كان يستخدمها قدماء المصريين في حياتهم اليومية، مثل الملابس المصنوعة من الكتان أو الصوف ورسائل من أوراق البردي والعملات المصنوعة من البرونز أو الفضة وكذلك أوان من الفخار. آثار الأشمونيين ومن المشاهد اللافتة في ملوي وجود عربات الحنطور على شاطئ كورنيش النيل حيث يحلو للسياح، إلى جانب أهل المدينة، التنزه من خلالها في جولة لمطالعة نهر النيل لاسيما وقت الغروب، وتكثر في المدينة المحال والبازارات التي تبيع أوراق البردي التي تحتوي على رسوم مقلدة لكنوز الفراعنة. كما تشتهر ملوي بزراعة البصل وقصب السكر والقطن والذرة الشامية وحدائق الموالح كالبرتقال واليوسفي، إلى جانب الإنتاج الحيواني وصناعة العسل الأسود، بالإضافة إلى الآثار والسياحة. وعلى بعد ثمانية كيلومترات غرب مدينة ملوي توجد منطقة آثار الأشمونيين ويمكن الوصول إليها بالسيارة حتى الطريق السياحي شمال مدينة ملوي 3 كم ثم الاتجاه غرباً 8 كم، وقد كانت مقرا لتحوت الممثل على شكل «القرد أو أبو منجل» وهي تمثل مدينة الأحياء ومدافنها تقع في تونا الجبل. وتتميز الأشمونين أيضاً بالسوق اليونانية، حيث توجد مجموعة من الأعمدة من الجرانيت الأحمر ذات تيجان وتوجد لافتة حجرية تحدد تاريخ إنشاء هذه السوق سنة 350 ق.م. في عهد بطليموس الثاني وزوجته أرسينوي والأشمونين ذات تاريخ قديم، حيث كانت عاصمة الولاية الخامسة عشرة من ولايات الوجه القبلي. وكانت تسمى في الهيروغليفية «خمنو خمون شمون» أي مدينة الثمانية معبودات وأطلق عليها الرومان هرمو بوليس العظيمة، كما تضم هذه المنطقة معبد رمسيس الثاني ومعبد سيتي الأول ومعابد وتماثيل كثيرة تعود إلى زمن الرومان. دير أبو يحنس وبالقرب من ملوي أيضا، تقع منطقة دير أبو يحنس، حيث توجد كنيسة قبطية تعود للقرن الرابع الميلادي وتجمع بين الفن البيزنطي والفن البازلكى، وهي محفورة في الجبل للقديس يحنس القصير وفيها صورة تمثل هيرودس وهو يقتل الأطفال الصغار بحثاً عن السيد المسيح، وفيها أيضاً صورة تمثل حياة السيد المسيح ترجع إلى القرن الخامس. وهناك أيضاً قرية دير البرشا وتقع شرق النيل في مواجهة مدينة ملوي ويمكن الوصول إليها بالسيارة حتى مدينة ملوي ثم الاتجاه نحو النيل في مسافة 2 كم تقريباً ثم عبور النيل بالعبارة. وتضم مجموعة من المقابر الصخرية أهمها مقبرة «حوتي حتب»، وترجع إلى الدولة الوسطى وأهم المناظر على جدرانها منظر يمثل طريقة نقل التماثيل من المحاجر إلى المعبد على زحافة من الخشب ويبلغ ارتفاع التماثيل 20 قدماً من محاجر حاتنوب «بديرمواس» وبها مناظر صيد الطيور البرية بالشبكة السداسية. كما توجد في منطقة تونا الجبل مجموعة من المقابر التي تعود للفراعنة واليونانيين. وتقع تونا الجبل غرب الأشمونين بحوالي 10 كم وقد ازدهرت في العصر اليوناني حيث كانت جبانة مدينة الأحياء، وقد سميت باسم الكاهن هيرموبوليس وتوجد بها منازل جنائزية وزينت برسوم تسترعي الانتباه إذ هي خليط من الفن اليوناني والمصري القديم، وتتزايد أهمية هذه المنطقة بالكشوفات الحديثة التي تتم بها. قرية الشيخ عبادة ومن المزارات المهمة في مدينة ملوي مشاهدة صفحة نهر النيل من فوق كوبري ملوي الذي يصل طوله إلى 15 كيلومترا، وهو يربط بين العديد من القرى شرق النيل وغربه ويمر في أقصى جنوب مدينة ملوي، وهو بذلك يعد أطول الكباري والمحاور في الصعيد ومن أكبرها على مستوى مصر. وعلى مقربة من مدينة ملوي تقع قرية الشيخ عبادة التي تنسب إليها السيدة مارية القبطية زوج النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأم ابنه إبراهيم، وقد أهداها المقوقس والي مصر الروماني ومعها شقيقتها سيرين بنت شمعون إلى الرسول الكريم رداً على رسالته، وتمتد القرية كشريط من الشمال إلى الجنوب بطول 3 كم على النيل، ويتوسطها مسجد الصحابي الجليل عبادة بن الصامت الذي جاء إلى مصر وقت الفتح العربي عام 21 هجرية، وسأل عن مسقط رأس مارية القبطية واستدل على البيت الذي ولدت ونشأت به، فأقام مكانه مسجداً على مساحة 700 متر مربع يعرف اليوم باسم مسجد الشيخ عبادة، والقرية عرفت في زمن البطالمة باسم انطونيو بوليس نسبة إلى الحكيم انطونيو الذي كان يداوي الفرعون رمسيس الثاني، وفي زمن الفتح العربي باسم «حفن» إلى أن تغير اسمها في زمن محمد علي باشا إلى قرية الشيخ عبادة بن الصامت، وتحظى القرية بمكانة خاصة وتحرص على زيارتها الوفود العربية والإسلامية التي تصل إلى ملوي ومطالعة غرفة مارية الملحقة بالمسجد الذي أعيد بناؤه أكثر من مرة في أزمنة مختلفة، وهي غرفة بسيطة يقال إنها نفس الغرفة التي كانت تعيش فيها مارية وتتعبد قبل أن تنتقل مع شقيقتها إلى المدينة المنورة. قصة «بئر» من المزارات المهمة في قرية الشيخ عبادة أيضا، منطقة أثرية ضخمة وسطها بئر لها مكانة مهمة عند المسلمين والمسيحيين، حيث تعرف عند المسلمين بـ»بئر الصحابة» وتروى عنها قصص وأن من قام بحفرها هو الصحابي الجليل عبادة بن الصامت، وعاونه عدد آخر من صحابة رسول الله ممن حضروا معه في زمن فتح مصر وساعدوه في بناء المسجد. بينما تعرف البئر عند المسيحيين باسم «بئر السحابة» نسبة إلى السحابة التي ظللت المسيح والسيدة مريم وقت مرورهما بالقرية أثناء رحلتهما إلى جنوب مصر، ويقال إن السيدة مريم توقفت عند البئر وشربت هي وابنها منها، وأن سحابة كانت تظللهما من لهيب شمس الصيف الحارقة في معجزة أذهلت أهل القرية آنذاك، فأسرعوا يرحبون بالسيدة المباركة وابنها. وظيفة «كهنة تحوت» «هيرموبوليس» كان يشغل وظيفة كهنة تحوت، ويشبه قبره في مظهره الخارجي بقرية تونا الجبل، دور العبادة المصرية التي بنيت في العهد البطلمي. وتتميز هذه المقبرة بتداخل الفن الهيليني والمصري خاصة في المقصورة الأمامية، حيث رسمت مظاهر الحياة اليومية والصناعات أما الحجرة الثانية فقد نقشت بها رسوم أغلب الآلهة المصرية القديمة، وكان بالمقبرة تابوت بيتوزيرس الذي نقل إلى المتحف المصري كأحد المقتنيات المهمة به، وهي مقبرة أسرية حيث خصصت له ولوالده ولأخيه.