أشرف جمعة (أبوظبي)

يعيش الأطفال بين جدران منازل تأوي أحلامهم البسيطة، فمنهم من يحالفه حظ العيش تحت ظلال آمنة بفضل أبوين صالحين للرعاية يبثان الطمأنينة في نفوسهم، ومنهم من يكتوي بنار الجفاء عندما يصطدم بسلطة أبوية متعسفة، وفي هذا المناخ يعجز الطفل عن دفع الأذى، فكيف نحمي أطفالنا من التهور الأسري، ونؤمن لهم حاجاتهم بعيداً عن وجوه تتذمر لأي خطأ يصدر عنهم؟ إذ تشير دراسات إلى أهمية الأسرة في بناء شخصية الطفل في سنواته الأولى، وفي دعمه عاطفياً ووجدانياً، وتعزيز مهاراته الفردية، ودمجه في المجتمع.

أساليب تربوية
تقول الدكتورة سعاد العريمي أستاذة علم الاجتماع في جامعة الإمارات: الاستقرار الأسري أهم عوامل حماية الأطفال من الإساءة، خاصة أن دور الأسرة لا يتمثل في توفير المأكل والمشرب والملبس والمأوى للطفل فقط، إذ أن هناك بواعث أخرى تسهم في بناء شخصيته، ما يتطلب وجود وعي أسري في كيفية مواجهة أخطاء الطفل، بعيداً عن القسوة، لافتة إلى أن الأطفال يستقبلون كل تصرفات الآباء والأمهات، ويغرسونها في ذاكرتهم، لذا وجب الحرص في كيفية التعاطي معهم في التربية وتقويم السلوك.
وتذكر أن الأسرة يجب أن تحترم حق الأطفال في أن يحصلوا على معرفة إنسانية في بيوتهم، وأن تتم معاملتهم بأساليب تربوية تنم عن الذكاء الاجتماعي والقدرة على الاحتواء والإنصات وإتاحة الفرصة لهم للتعبير عن أنفسهم حتى لا يكونوا عرضة للانطواء وعدم التأقلم في المجتمع المنزلي والمدرسي والبيئة الاجتماعية ككل.
وترى العريمي أنه من الضروري تأهيل الأسر وتوعيتها بمخاطر الإساءة للأطفال داخل المنازل خاصة أن التأثيرات السلبية من جراء العنف المبالغ فيه يعرض الطفل لصدمات ويفقده الثقة في نفسه، ويجعله غير قادر على التوافق مع محيطه الاجتماعي، ويبث في نفسه الهلع من أي شيء، ويصيبه باضطرابات سلوكية. وتوضح أن عدم التوافق الأسري له أثر صادم على علاقة الآباء والأمهات بأطفالهم، فكلما كانت الأسرة تعاني تصدعات فإنه من الطبيعي أن يكون الطفل ضحية للإساءة المنزلية، مؤكدة أن التوعية هي العامل المهم في تجنب الطفل جملة من الإساءات التي تقع بين جدران المنزل، والتي ربما لا يعلم بها أحد غير الوالدين وبعض الأقرباء، لأن الهدف الأسمى هو تنشئتهم في أجواء منزلية صحية من الناحية النفسية والاجتماعية والإنسانية والمعرفية.

أمثلة بائسة
ويشكو أيمن إبراهيم «مقيم في أبوظبي» من زوجته التي تعامل طفلهما البالغ من العمر 4 سنوات بقسوة، فهي تنهره دائماً على إخطائه البسيطة، ولا تتيح له فرصة اكتشاف الأشياء فتصرخ في وجهه بعصبية، ما يجعل الطفل يبكي، ويميل إلى الانعزال. ويقول إنه فتح حواراً معها من أجل أن تعيد ترتيب علاقتها بالطفل، موضحاً أنه يحاول حماية طفله منها عندما يكون داخل المنزل، ما يجعله يلتصق به طوال فترة وجوده في المنزل.
ويوضح أنه يخشى من تبعات هذه المعاملة على الطفل، مشيراً إلى أنه لم يكن يعلم بهذه الصفات قبل الارتباط بها، وأنه يحاول حالياً أن يهيئها لكي تكون أماً صالحة، تعي مسؤولية تربية الأطفال، خاصة أنه يعيش هو الآخر صدمة بسبب هذه السلوكات التي لها تأثير سلبي على الطفل. وتعتقد لبنى خليل (أم لثلاثة أبناء) أن ضرب زوجها لأطفالهما رد فعل على العقاب المبرح الذي كان يناله من والده في صغره، مشيرة إلى أنه يقسو عليهم بشكل مبالغ فيه.
وتقول إنها حاورته كثيراً بشأن تصرفاته الفجة في التعامل مع الصغار، مطالبة إياه بأن يستبدل الإساءة اللفظية والبدنية ببث روح الحنان بين الأسرة، لكنه لا يعير كلامها أدنى اهتمام. وترى أنه من الضروري أن يخضع الآباء والأمهات إلى دورات توعية إلزامية من أجل أن يدركوا أن الأطفال لبنات تتشكل وفق القواعد الحكيمة داخل جدران المنازل حتى يواجهوا الحياة وهم أكثر كفاءة، وقدرة على الالتحام بالمجتمع وهم في كامل صحتهم النفسية.
ويبين سالم محمد موظف أنه عاد إلى رشده بعد أن كان يضرب بناته الثلاث ويعاقبهن على أخطاء عادية، مشيراً إلى أن حديثاً دار بينه وبين أحد أصدقائه حول مسألة تقويم الأطفال سلوكياً، وضّح له خطورة سلوكاته على الأطفال، ما جعله يعيد حساباته ويتعامل مع أطفاله بطريقة تربوية. ويشير إلى أن الترسبات العالقة في الوجدان من معاناة الطفولة هي التي جعلته يتصرف بهذا الشكل.

حماية قانونية
يقول المستشار القانوني رامي نور الدين: «الإمارات من الدول الرائدة في تفعيل مجالات حقوق الإنسان بشكل عام، وحقوق الطفل بشكل خاص، وقد بادرت الدولة بالتوقيع على اتفاقية الأمم المتحدة لحماية حقوق الطفل في 16/‏‏‏12/‏‏‏2008، ومن هذا المنطلق أصدرت القانون الاتحادي رقم 3 لسنة 2016 ولائحته التنفيذية لحماية حقوق الطفل وفقاً لجداول توزيعية تقسم وفقاً لحجم الضرر أو المخاطر التي قد يتعرض لها الطفل، واستحدثت وزارة التربية والتعليم وحدة حماية الطفل كجهة مختصة لتلقي البلاغات والشكاوى الخاصة بالتجاوزات والمخالفات لأي من حقوق الطفل»، مشدداً على أن الإساءة المنزلية من أخطر ما يمكن أن يتعرض له الطفل، كونها «مستترة»، وتتم بعيداً عن أعين الرقابة العامة والمسؤولين. ويورد أن الإساءة المنزلية للطفل تنحصر في مصدرين أحدهما الوالدين أنفسهما بشكل مباشر عن طريق تطبيق مفاهيم التربية الخاطئة، واستخدام العنف ضد الأطفال أو سوء التوجيه والحرمان لبعض الرغبات الأساسية للطفل كعقوبة رادعة له عن بعض التصرفات التي يعتقدها الوالدان بأنها خاطئة، فضلاً عن الإساءات الأخرى الأكثر شيوعاً الناجمة عن الإهمال وغياب الدور الرقابي على الطفل وتركه لمشاهدة أفلام الرعب أو إعطائه حرية التصفح الإنترنت وزيادة فترة استخدامه للألعاب الإلكترونية، والتي يكون لها بالغ الضرر على سلوك الطفل.  ويبين نور الدين أن الدولة شهدت خلال العقود الأربعة الماضية إنجازات ضخمة في مجال بناء ونشر شبكة الرعاية الصحية الأولية ومراكز رعاية صحة الأم والطفل، ما ساعد على إيصال الخدمات الصحية لسكان الدولة كافة، وزيادة الثقافة التربوية من خلال الندوات التثقيفية والإرشادية، وتوزيع الكتيبيات المجانية الإرشادية التي تهدف إلى نشر التوعية الصحيحة وطرق التربية السليمة، وتجنب استعمال طرق تربوية خاطئة تؤثر في سلوك الطفل وتبعده عن مساره الصحيح من أجل بناء وتخريج أجيال قادمة نفتخر بها لتحمل وقود تلك الأمة وتورث نهج الآباء وتنير شعاع العلم والتقدم لعدة أجيال قادمة.

نمو متوازن
يقول الدكتور أحمد عبدالعزيز النجار، أستاذ علم النفس في جامعة الإمارات: يحتاج الطفل في مراحل حياته الأولى إلى أبوين يشعر معهما بالأمان، يوفرا له حياة اجتماعية تساعده على أن ينشأ بشكل طبيعي بعيداً عن الإساءة المنزلية التي تؤثر في شخصيته سلباً، لافتاً إلى ضرورة تجنب انتهاك حقوقه بحرمانه من الحنان والعطف، فأي سلوك يترتب عليه سوء المعاملة ينتج عنه تأثيرات مستمرة وسلبية على النمو، لذا فمن الضروري أن تتم حماية الطفل من خلال معرفة الآباء بالحقوق والواجبات.

ضرر الإهمال
إهمال الطفل نوع من الإساءة المنزلية، ويقصد به الفشل المستمر في تلبية احتياجاته الجسدية والعاطفية أو النفسية، التي يرجح أن يؤدي الحرمان منها إلى ضرر كبير، وربما يشمل فشل وليّ أمر الطفل في توفير الغذاء الكافي أو المأوى أو الملبس، أو الفشل في حماية الطفل من الأذى أو الخطر، أو الفشل في تأمين الحصول على الرعاية الطبية أو العلاج المناسب، أو عدم التحفيز أو عدم الرقابة، ويمكن أن يشمل أيضاً فشل أو تأخر النمو لسبب غير عضوي.

انعكاسات صحية
يورد الدكتور خالد البغدادي، استشاري أمراض المخ والأعصاب والفسيولوجيا السريرية العصبية أن الإساءات المنزلية الموجهة ضد الطفل من قبل الآباء والأمهات مثل الصراخ والضرب والعنف يجعل الطفل يمر بتغيرات منها الميل للعزلة، والشعور بالخوف الدائم، وعدم القدرة على النوم بشكل طبيعي، فضلاً عن تغيرات أخرى مرتبطة بالحركة والنشاط داخل المنزل، بالإضافة إلى أنه من الممكن أن يحدث لبعض الأطفال مشكلات صحية مثل التشنجات، وتقلب المزاج، والتعثر في التعبير باللغة، وأن الكثير من الأطفال الذين يتعرضون للإساءات بين جدران المنازل يخضعون للعلاج النفسي والعصبي، إذ تختلف المشكلات الصحية من طفل إلى آخر، لذا فإنه يجب توعية الأسر بهذه المخاطر.