للإبل أهمية خاصة بالنسبة للبيئات الصحراوية والمجتمع البدوي، لأنها تؤدي الكثير من الخدمات والوظائف، وهي توفر متطلبات الحياة الضرورية قبل الاتحاد بمئات السنين، حين كانت العنصر الرئيسي في حياة الإنسان كوسيلة للتنقل والتجارة والخروج للصيد وعند السفر لبلاد بعيدة، وفي المناسبات كان للإبل أدوار أخرى مثل التسابق ضمن الأفراح، وتناول لحومها أو إهدائها للأحبة، وهي رمز تراثي، ورمز في الحضارة الإسلامية والعربية. في كل مكان من على ظهر هذا الكوكب ارتبط الإنسان بعلاقة وثيقة مع الأرض التي يعيش عليها، لأنه خلق منها.. ومنها يخرج له النبات والثمر والدواء، وخلال لقائنا معه في عزبته بمنطقة الشنوف بالشارقة، والتي تعرف باسم العرقوب أو التل الرملي، تحدث علي بن عمير الكتبي قائلاً «إن البيئة والإبل عنصران مهمان للإنسان، والنباتات والثمار النافعة تنتفع بها الدواب التي يربيها ويستفيد منها، إلا أن شح الأمطار خلال السنوات العشر الماضية أو ربما أكثر أثر بشكل كبير على المراعي. خير الإبل ويضيف الكتبي: لم يتبدل شيء في حياة البدوي إلا أن الخير أصبح كثيرا خلال الأربعين عاما الماضية، وقد استغل الإنسان ذلك في استثمار الأراضي وتربية الإبل والمواشي عند البعض، وقد ولد بن عمير في بيئة توارثت تربية الإبل حتى أنه طوال حياته لم يشتر إلا بعيرا واحدا لتحسين السلالات، وقد أصبحت الناقة أو البعير مصدر خير للبيئة وللأسرة، وكانت تعتمد في غذائها على النباتات الهامشية، ولكن اليوم لا تتوافر الكثير من المراعي للإبل، ولذلك يتكلف الرجل اليوم الكثير لأجل إطعام القطيع، على أمل أن يبيع ويعوض ما أنفق عليها. في تلك المناطق كانت الأعمال التي يعمل عليها الرجال قديما، مهنة جمع نوع من النباتات، منها الثمام والرمرام، وكذلك التحطيب وجمع الرمث لأجل إطعام الإبل، كما يصنع السخام، وهو الفحم من حطب السمر، وغيره من الأشجار، إلا أن الرجال توقفوا عن التحطيب، خاصة من أشجار السمر، وأيضاً يجمعون في الشتاء ثمر النبق من شجر السدر، وبعض المصنوعات اليدوية المنزلية، مثل اليقط أو الإقط والكامي والسمن. مصدر دخل ويوضح الكتبي: تلك المصنوعات والمنتجات كانت مصدر دخل، وهنا يأتي دور الإبل حين يتجمع الرجال في قافلة، حيث يتراوح عددها بين خمس وعشر مطايا، ويخرجون متوجهين إلى الشارقة أو إلى دبي، وكانوا يصلون إلى منطقة واسط بالشارقة، «ينيخون» ركابهم، وينامون قليلا، ثم يتجهون إلى منطقة السبخة في الشارقة، أو لحارة العويسات، والبعض يذهب إلى سوق العرصة فيبيعون ما لديهم، حيث يشتري أهل الحضر في الشارقة ودبي الثمام كطعام للإبل، وإن كان هناك «دغابيس» فإن بعض أهالي المدن يشترونها كطعام بري لهم، وقد كانت ربطة الثمام تباع بروبية أو روبية ونصف، والحطب بروبيتين أو ثلاث حسب حجم «البطيحة»، وهي الربطة، ويجمع كل رجل عددا من الروبيات يكون كافيا ليشتري لأهله التمر والأرز والدقيق والبهار والقهوة وأحيانا لم يكن البعض يستطيع شراء كل ذلك دفعة واحدة. هواية وحرفة ويعيش بن عمير في منطقة أم فنين، وكان يتنقل مع رجال المنطقة قديما خلف توفر الماء والمراعي، وقد اتخذوا من تربية الإبل هواية وحرفة، حيث يخرجون بالإبل في الفجر ولا يعودون بها إلا عند الغروب، وكان طعام الرعاة طوال اليوم هو حليب النوق الذي يتم شربه مباشرة بعد حلب الناقة، فلا خوف من مرض، حيث لا تتناول الإبل إلا الأعشاب التي تنبت من تلقاء ذاتها، وسقياها ماء المطر والأجواء لم تكن ملوثة حينذاك. والإبل تعيش، كما يقول بن عمير على تناول السبط والثمام والغاف والمرخ، كما تتناول الجت إلا أن ربطة واحدة من الجت المجفف أصبح سعرها الآن 700 درهم، وتكفي لثلاثة أيام، ولذلك يبحث الرجال عن الرمث والجري والنصي ونبات الدخنة فكلها تصلح طعاما للإبل، ويؤكد أن النباتات البرية الأفضل للإبل إلا أن الناقة أو البعير الذي سيشارك في الجري، يقدم له طعام خاص خلال الفترة التي تسبق السباقات، كما يتم وضع برنامج غذائي لتلك النوق أو التي تعرض في مهرجان المزانية. انسجام مع البيئة ويقول الكتبي: خلق الله للإبل أعناقاً طويلة من أجل أن تتمكن من التهام أوراق الشجر المرتفعة، ولجلد الجمل خاصية حمايته من الرمال الخشنة والشديدة الحرارة، ويستطيع جسم الإبل ضبط درجة الحرارة بحيث تمنع حرارة الصحراء من الوصول إلى ما تحت جلدها، ولذلك فإن الجمل لا يتعرق بشكل كبير ما يوفر له هذا النظام خاصية الاحتفاظ بخمسة لترات من الماء، وإن ضاقت به سبل الحصول على الماء، فإنه يقوم بحرق الدهون التي في سنامه وتحويلها إلى ماء، ولذلك فإن الإبل من أكثر الحيوانات انسجاماً مع البيئة، كما أنها لا تكبد الدول كميات هائلة من الماء، لأنها تستخدم من أجسامها ما تحتاج عند الكوارث، وفي الأوقات التي يحدث فيها جفاف، ودرجة حرارة الجمل ثابتة مثل درجة حرارة الإنسان، فإن ارتفعت فإن ذلك يعني أن البعير مريض. صغار الإبل هدايا للأعراس يؤكد علي بن عمير الكتبي، أنه كثيراً ما يهدي صغار الإبل لأعراس أبناء الأسرة، كما يهدي لجيرانه لبن النوق، وهو يحرص على أن يسير أبناؤه على نهجه، وقد عمل على تدريبهم ليكونوا بالقرب من القطيع في حال غيابه، وهم يعملون على تجميع الغذاء لتلك الإبل، كما ذكر أن الإبل صديقة للبيئة التي تعيش فيها، ولكنها ربما تتضرر حين تخرج بالخطأ من منطقتها وتجد في البر مخلفات تركها رحالة لا تصلح كغذاء لها أو للحيوانات البرية، ولذلك فإن الرحالة الذين يهملون مخلفاتهم ويتركونها خلفهم يساهمون في الإضرار بالبيئة، وبالإبل التي تعيش بالقرب من تلك المناطق.