الفوضوية.. مشروعية الرفض
البركان الوحيد الذي ظل نشيطاً على مدى قرون هو بركان الفوضوية الفكري والعملي، على الرغم من محاولة إخماده بكل السبل، ومن قبل كل الأطراف الأخرى. فقد تغافلت عن مزاياه الخصبة الدعاية، قديماً وحديثاً، بل قلبت هذه المزايا إلى نقيضها وصارت كلمة فوضوي مرادفة لكلمة إرهابي. وتحت اسم الإرهاب، كما يجري في هذه الأيام، سعت السلطات إلى التخلص من كل فكر حرّ، وبخاصة الفكر الفوضوي.
لا يزال الفوضويون حتى اليوم يرمزون إلى أمل الإنسانية في النبل والحرية، وفي إسقاط الأنظمة الاستبدادية، التي تبرعم الثورات في ظلها، وتشهر في وجهها تهمة الفوضوية والإرهاب. والنشاط الفوضوي لم ينقطع حتى بدخول البشرية قرنها الحادي والعشرين. وما التظاهرات التي جرت في الإمبراطوريات الحديثة سوى صناعة فوضوية، فهم الذين وقفوا في وجه العولمة بمظاهرات هائلة، ونبهوا الغافلين إلى ما في العولمة من سلطة قمعية لا تدع مجالاً لأي تفتح إنساني. وهم الذين وقفوا ضد الحرب على الشعوب، وفضحوا «الدول المتحضرة» وكشفوا الذرائع التي تحتج بها. أما منظمة التجارة العالمية، فلم تجد محتجاً عليها سواهم، فقد كتبوا وأذاعوا أسرار العولمة وخفاياها، وتظاهروا ضدها، وقدموا الكثير من المضحين والمضحيات في كل «الدول المتحضرة». وكانوا الوحيدين الذين تمردوا ضد الندوة الاقتصادية العالمية، وواجهوا الشرطة بقلب جسور، وظلت الاحتجاجات قائمة حتى نهاية الندوة. حرب العراق وكل حرب، معلنة كانت أم مضمرة، كانوا يقفون ضدها. ولم تكن أعمالهم (إلى جانب نشاطهم الفكري) سوى متابعة لما قاموا به في تاريخهم الحافل. ولا أحد يجهل ماذا فعلوا في قلب الولايات المتحدة عندما اجتمعت منظمة التجارة العالمية في مدينة سياتل. وفي الوقت الذي لم ينطق الكثير من الشيوعيين واليساريين بكلمة ضد مجموعة الدول الثماني، نرى الفوضويين يخوضون نضالاً على شتى المستويات ضد هذه المجموعة ويفضحون أهدافها.
أدوات وأهداف
من المنظمات الفوضوية الكثيرة نذكر «الاتحادات الفوضوية العالمية» و»جمعية العمال العالمية» و«التضامن العالمي الحر» و«المؤتمر العام للعمل» و»المنظمة المركزية لعمال السويد» و«اتحاد الشبيبة الفوضوية السويدية» و«الاتحاد النقابي الإيطالي» و«التحالف العمالي التضامني في الولايات المتحدة» و«الاتحاد الفوضوي الإيطالي»... وبالطواف على الكثير من البلدان «المتقدمة» سنجد الكثير من الاتحادات والمنظمات الفوضوية. وفي الحركة النسائية هناك «الحركة النسوية الفوضوية» التي لم تفتر همتها ولا تزال بركاناً نشيطاً. أما إسبانيا وأميركا اللاتينية فإن من الصعب حصر هذه المنظمات في قائمة لكثرتها، ككثرة الأعلام الفوضوية في عصرنا، من فلاسفة ومفكرين وأدباء ونقاد ورسامين وفنانين، الذين يوجهون حرابهم إلى صدور الإمبراطوريات الحديثة. إن السائد اليوم هو الأدب الفوضوي، كما أن الجمالية الفوضوية تحتل الصدارة في علم الجمال.
ما نريد قوله: إن ظاهرة كهذه الظاهرة استمرت كل هذه الفترة ولا تزال في القرن الحادي والعشرين، مثلما كانت في القرن التاسع عشر، وربما أقوى وأشد، تستحق التأمل والتفكير الجاد، ففي الوقت الذي يتراجع فيه نشاط الشيوعيين، وقد بدأ التراجع منذ المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي، يتعاظم نشاط الفوضويين في كل أنحاء العالم، فلا يفوتون فرصة لفضح الإمبراطوريات الحديثة، فعلى الصعيد العالمي لم يبق غير الفوضويين في حلبة الصراع والوقوف في وجه جبابرة العصر، حتى في مؤتمرات «الأرض» التي عقدت كان لهم موقف واضح من تهرب «الدول المتحضرة» إلى جانب الصين، من تخفيض نسبة تلوّث الأجواء الأرضية، ووقف الغازات الفاسدة والقاتلة التي هي عماد ثروة الإمبراطوريات الحديثة.
وما نشاطهم الحالي سوى دليل صدق المشروع الذي يعملون له. المنظمات السياسية والفكرية والاقتصادية والفنية الأخرى سقطت. فقبيل نهاية القرن العشرين سقط الاتحاد السوفيتي- كما تنبأ الفوضويون- ومعه المعسكر الشيوعي بكامله في أوروبا وآسيا. ومع سقوط هذا المعسكر بدأت السلطات الاستبدادية تنهار، ولم يبق منها إلا ما هو آيل إلى الانهيار. وتهاوت اليوم الشعارات التي كانت الأحزاب القومية والوطنية تطرحها طرحاً إنسانياً، لتنفذها تنفيذاً وحشياً، فهي تعلن المقاومة وتمارس مزيداً من القمع والقتل والإجرام في حق شعبها، وتحرمه من أبسط حقوقه، وتقمع أي اختيار حرّ وتفرض الأحكام العرفية، وتصادر حرية الفكر، في حين تكون مستسلمة للعدو الذي تدعي أنها تحاربه، بل تربط وجودها بوجوده وأمنها بأمنه. هذه الأحزاب تحوّلت إلى تماثيل نحاسية ينفث الهواء من صدرها الأجوف صرخات مدوية، من دون أي فاعلية... باتت مؤسسات فارغة تماماً مثل أي مؤسسة متعفنة، كمؤسسة دولتهم، التي يريدون تخطيها اليوم بما هو أدهى، بالعولمة. وهي خطوة ضرورية للإمبراطوريات الحديثة، فقد سقطت الشعارات الوطنية والقومية فلم يعد أحد يصدقها، ولا بد من خطوة لإنقاذ ما تبقى...
لعنة الأسماءهناك أسماء لا توحي بالاطمئنان، كما أن هناك أسماء توحي بالاطمئنان، مع أنه في أحيان كثيرة لا يدل الاسم على المسمى، فكم من فتاة تسمى «دلال» ومشيتها أقرب إلى وحيد القرن، وكم من شاب يسمى «كريم» وهو أبخل من باقل. وقد استغلت الدعاية المضادة اسم «الفوضوية» وشنت عليها حرباً لا تزال مستمرة لتشويه أهدافها. إن كلمة الفوضى وحدها تدخل الرعب إلى قلب القارئ أو السامع، فيظن أن «الفوضوية» تعني التسيب والإفلات من أي معيار خلقي وفكري وسياسي، وبخاصة في التصرف الفردي، فيبيح الفرد لنفسه ما يقبله من غيره، أو يمنع عن غيره ما يبيحه لنفسه. هذا ما ركزت عليه الدعاية المضادة، بحيث يخشى السذج من هذه الكلمة عندما تطلق على شخصية أو منظمة.
والشق الثاني الذي ركزت عليه الدعاية المضادة هو «الإرهاب»، التهمة التي رافقتهم منذ أن قتلت شارلوت كوردي أحد قادة الثورة الفرنسية المستبد جان بول مارات في حوض الاستحمام، وحتى هذه الأيام. ونجحت الدعاية في الربط بين الاسم والممارسة، فكل فوضوي إرهابي، وهو منطق مقبول لدى العامة، لأن الفوضوي بالمعنى اللغوي غير بعيد عن الإرهاب، في حين أن الفوضوي الآخر لا علاقة له بهذا الإرهاب الفردي. وقد ربطت الدعاية المضادة بين الفوضوية الفردية والفوضوية السياسية، حتى يكون تأثيرها شاملاً. إنهم يذكرون إرهاب شارلوت ويتناسون جرائم استبداد مارات والقمع والسجن والنفي والمقصلة...
والشق الثالث من الدعاية المضادة ركز على أن الفوضوية نظرية رعاع تضجروا من الأوضاع- مع أن معظمهم من الأمراء والنبلاء. فالدعاية تحاول ربط السياسة بالنظام والانضباط، لتجعل الفوضوية عبارة عن حركة غوغائية، ليس لها مطلب محدد ولا أسلوب واضح ولا نظرية جمالية ولا أدب رفيع... في حين قدمت أروع الأمثلة في النظرية والأدب والنقد والرسم والسينما والفنون الأخرى.
والشق الرابع من الدعاية المضادة اعتمادها على أقوال الماركسية في الفوضوية، وبهذا توحي بأنها حيادية، وموضوعية تنقل الآراء بنزاهة. وحتى في هذا الشق تقوم بمونتاج لتصيب عصفورين بحجر واحد.
والشق الخامس، وهو الأخطر، أن الدعاية المضادة استغلت ظهور عصابات ومافيات فتاكة، فعاملتها كأنها منظمات فوضوية، وألصقت كل التهم بها، ولا أحد يكذبها، ما دام أفراد العصابة في السجن أو أنهم هاربون من وجه القضاء، أو أعدموا أو قتلوا، وبشكل خاص في فرنسا وإيطاليا.
بلا قائدوأذكر أنني سألت أحد طلابي بعد تخرجه بثلاثين عاماً عن الفوضوية ـ وكنت شرحتها له ـ فكرر حديث الدعاية لا حديث العناية. وهناك كتّاب كبار يخطئون في تحديد هذا الاسم، كأن المعنى اللغوي مهيمن على العقول. واليوم يكفي أن تتلفظ بكلمة فوضوي حتى يدب الرعب في قلب السامع. إن الاسم كان لعنة روّجت لها الدعاية المضادة، في حين أن الفوضوية لا علاقة بكل هذا. وقد يظن القارئ أن اسم الفوضوية ملتبس بسبب معناه في العربية. لا أبداً. إن الالتباس مقصود، وإلا فمن لا يعرف ماذا تعني الفوضوية في الفكر والسياسة والفن والأدب والسينما إذا اطلع على بعضٍ من بعض آثارها؟!
الفوضوية اسم يوناني يعني بالضبط «لا قائد» (أن أركي) وإذا ترجمنا هذا إلى لغة العصر يعني الاسم رفع هيمنة الدولة على الحريات الفردية والعامة وترك الشغيلة يدبرون شغلهم والفنانين ينظمون فنهم... وهكذا. والغرض من اختيار هذا الاسم أن البشرية كلها تعاني من «الأب القائد» أو «القائد المستبد» بحجة أو بأخرى، منذ أيام أورانوس وحتى اليوم. فتحت شعار القومية أو المقاومة أو حماية الوطن قد يباد شعب أو شعوب. فبمجرد قيام سلطة نجد أنها تفرض هيمنتها على كل شيء، حتى أن الشيوعية فرضت لباساً موحداً، وجعلت الفاشية تحيتها بمدّ الذراع، بينما فرضت النازية تحيتها بثني الذراع. فالقائد يفرض حتى هذه الأشياء بل يفرض طبع صوره على غلاف الكتب والدفاتر. والفوضوية ترى أن العمل الحرّ غير متاح في ظل وجود أي سلطة، كما تنبأ الأمير باكونين لماركس في الأممية الأولى عندما جرى الخلاف حول مسألة الدولة البروليتارية القادمة أو ما سماه ماركس دكتاتورية البروليتاريا. وبالفعل حلت محل صور القيصر صور لينين وديمتروف وصابر مراد نيازوف وسواهم، بل إن الأخير لقب نفسه «الأب القائد» لكل شعب تركمانستان «تركمان باشي» وأطلق اسمه على الشهر الأول من السنة، وفرض كتابه «روحنامة» على كل الشعب وليس على المدارس وحدها... وحتى اليوم لا يوجد مقياس يركن إليه حول مقدار رعونة السلطة ودرجة استبدادها. إن الاستبداد مفتوح السقف، يبدأ من قمع رأي إلى إبادة مجتمع مدني بكامله والقضاء على شعب عريق، لكنه يحفر قبره بيده. فبعد عدة عقود من الثورة البلشفية تهاوت دولة دكتاتورية البروليتاريا، تماماً كما تنبأ باكونين لماركس، وكما تنبأ كروبتكين وبليخانوف للينين بسبب «استرقاق» الآخرين، كما يقول كروبتكين، أو بسبب غياب ديمقراطية الإدارة، كما يقول بليخانوف، الذي كان يرى أن البرجوازية الوطنية لم تستكمل دورها بعد، فلا يزال الاقتصاد عاجزاً عن القيام بأهداف التحوّل الاشتراكي...الخ.
مقارنة
وللمقارنة بين الفوضوية كما فهمها أعلامها، والفوضوية كما تروج لها الدعاية المضادة، نكتفي بنقل كلمة للأمير النبيل بطرس كروبتكين، الذي منّ عليه لينين وأبقى له بقرة واحدة يعيش منها:
«لا تسع لتأمين راحتك وحريتك في استرقاق الآخر؛ فما دمت تحكم الآخرين، فلن تكون أنت نفسك حراً. ضاعف مجهودك من الإنتاج بفهم الطبيعة؛ وستنمو قواك آلاف المرات، إن أنت وضعتها في خدمة الإنسانية. حرر الفرد: فمن دون تحرير الفرد، يستحيل على المجتمع أن يصبح حراً. وإن أردت أن تعتق نفسك، فلا تأمل بأي مساعدة من هذه الحياة أو من الحياة الأخرى: اتكلوا على أنفسكم، وعليكم أن تحرروا أنفسكم من كل غرور ديني وسياسي. كونوا أحراراً وثقوا بطبيعة الرجل الحرّ: إن أخطاءه انطلقت من السلطة التي مارسها على أبناء جنسه أو التي مورست عليه فجأر منها».
ما أحرص الدعاية المضادة على حجب هذا الكلام! فلا تأتي إلا بحوادث المجرمين والجانحين وتنسبها إلى الفوضويين. ولو سمع الناس بهذا الكلام لصاروا «إرهابيين» مثل الإرهابي بطرس كروبتكين.