يقطن حمد بن بهيان بن باروت العامري، الذي عمل فترة طويلة في سرية الحرس الخاص للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، في منطقة تجمع مجموعة من القرى في صحراء إمارة أبوظبي وبين سويحان وناهل إلى جانب الفقع والشويب، تقع منطقة الهير وسط كثبان رملية، يطلق عليها عراقيب أو عراجيب، وتضم مجموعة من مراكز الخدمات التي توفر احتياجات أهل المنطقة، حيث أصبحت ترتشف التطور في كل صباح نالت بعد قيام دولة الإمارات العربية المتحدة نصيبها من التغييرات، التي تسمح للمواطنين بالعيش في بيئة مناسبة، وتتناسب مع كل التطور الذي تشهده إمارة أبوظبي بشكل خاص ومختلف أرجاء الدولة بشكل عام. تتميز الهير بهوائها اللطيف حتى في موسم الصيف، حيث تنخفض درجة الحرارة على الأقل درجتين عن بقية المناطق حين تشتد الحرارة، بسبب وقوعها فوق تلال رملية، وبها مجموعة من مزارع النخيل وبقايا آبار مياه ربما تكون قد حفرت قبل مائتي عام، وقد كان الوريد الذي يضخ المياه المعذبة لتلك المزارع ولمناطق مدينة العين منذ ما قبل الاتحاد بسنين طويلة. في تلك البيئة الصحراوية ووفقا للنظام القبلي والعشائري، كان الرجال يتبعون الوصايا الإسلامية التي تحث على تعلم الرماية والسباحة وركوب الخيل لأجل توفير الحماية لأنفسهم وكان ذلك في تلك الفترة التي سبقت قيام الاتحاد، حين لم تكن هناك أية طرق آمنة ولا رجال أمن يوفرون الأمان لعابري الطريق، ولكن سرعان ما بزغ فجر الاتحاد وبلغ أرجاء تلك المناطق وأصبح أهلها والمناطق المجاورة ينعمون بالكثير من المزايا. ما قبل الاتحاد يقول العامري إنه نشأ في الهير التي يحب أن يتواجد بها نظرا لقربها من المزارع ذات المياه العذبة التي يمكن فيها مشاهدة قطعان الإبل، التي ترتع بحثا عن الغذاء الذي يتوافر في هذا الموسم بعد الأمطار. ويوضح أنه كان مثل أي طفل بدوي يعيش وسط البيئة التي بها أجداده، حيث كان الأهالي يتجاورون على شكل مجموعات من الأسر تشكل فريجا مكونا من 15 إلى 20 بيتا. ويقول “كان الرجال يذهبون صيفا في رحلات البحث عن اللؤلؤ والبعض كان يطرش على ظهور الإبل للتجارة، ولم يكن يخشى على أسرته لأن السكان هم الأهل والعزوة، ويستطيعون أن يوفروا احتياجات أي منزل غاب عنه صاحبه في الجانب الخاص بالأمن والأمان وملاحظة صغار الأسرة”. وقد تعلم العامري من والده طرق التعامل مع الإبل كمطايا للحاجة في التجارة أو السفر، وأيضا تعلم كيف يستعرض بها مهارته في الأعراس والاحتفالات. ويؤكد أن تلك المرحلة التي سبقت الاتحاد كانت جميلة من حيث بساطة الحياة وتوافر الوقت الكافي للتواصل والتزاور، ولكنها كانت مرحلة قاسية لأن كل شيء كان يحتاج إلى جهود مضاعفة من أجل الحصول على المتطلبات المعيشية، خاصة في مجال الزراعة أو تربية الإبل وفي التنقل بين كل منطقة وأخرى، ورغم أن الأهالي لم يكونوا يتوقعون أو يخطر ببالهم ما سيغير من ملامح دولتهم، إلا أنهم كانوا يسعون إلى طلب العلم ولو بأبسط صوره، ولذلك قام والده بتسجيله لدى مطوع يعلمه القراءة والكتابة إلى جانب القرآن. تحفيز وحث عمل العامري في شركة بترول أجنبية في جزيرة داس لأجل تحسين الدخل، وكان مبلغ مائة درهم، يعد مناسبا جدا لإعالة أسرة في ذلك الوقت، وقد اكتسب اللغة الإنجليزية كتابة وقراءة من خلال مركز التدريب في الشركة، وكانت مدة ثلاث سنوات كافية لأن تصنع رجلا لديه الأدوات الكافية ليبدأ في مكان آخر بقوة ولذلك ما أن أعلن عن تشكيل قوة دفاع أبوظبي حتى سارع للانضمام إلى الجيش وكانت العلاقة بين الشيخ زايد رحمه الله وبين والد العامري جيدة فقد أرسل له من يطلب منه ملاقاة الشيخ زايد. ويقول العامري إنه رافق والده إلى لقاء الشيخ زايد وقد وجهه بالذهاب إلى القبائل من بني عمومته والقبائل ذات العلاقة الوثيقة مع بهيان بن باروت لأجل أن ينقل لهم توجيهات والد الإمارات طيب الله ثراه بالالتحاق بقوة دفاع أبوظبي، وقد أدى ذلك إلى دخول 40 رجلا في الجيش إثر تجاوب الأهالي وبعد تخرجه من التدريب تم إلحاقه بالحرس الأميري سرية الحرس الخاص. وقبل قيام الاتحاد وبعد تسلم الشيخ زايد حكم إمارة أبوظبي، كانت هناك زيارات ولقاءات بينه وبين شيوخ الإمارات رحمهم الله، وقد أدت تلك اللقاءات إلى الاتفاق على قيام دولة الإمارات، ويقول العامري “كان حلم زايد يتلخص في لواء واحد ورجال بقلب رجل واحد وكثير ممن عاش بقرب زايد الخير يعلمون أنه كان يفعل كل كلمة يقولها لاسيما فيما يتعلق بتحقيق حلم الاتحاد”. تخطيط مسبق يتذكر العامري أنه كان برفقة زايد قادمين من العين باتجاه أبوظبي، وعندما سمعوا آذان المغرب توقف الموكب وصلى بهم الشيخ زايد رحمه الله صلاة المغرب، ثم جلس على عرقوب في بني ياس وكانت تلك المنطقة صحراء تقريبا، وبدأ العامري في تقديم القهوة للشيخ زايد رحمه الله، وكان يحمل عودا ويخط خطوط على التراب، وبعد فترة من الوقت قال “هل ترى هذه الخطوط على الرمل؟ من هنا سيمتد شارع مضاء ومشجر بالنخيل إلى دبي، ومن ذاك الخط شارع مشابه له إلى غياثي وشارع ونخيل على مد البصر إلى ليوا والسلع، وهكذا كان والد الدولة يخطط ويفكر ويرسم للاتحاد، ثم يعقد الاجتماعات ويلتقى بشيوخ الإمارات لأجل التعاون في مشاريع أخرى، ولأجل كل تلك المحبة التي حملها زايد في قلبه لدولته وأبنائها أصبح الاتحاد قبضة قوية ومفخرة لكل مواطن، وقويت الروابط أكثر مما كانت عليه قبل الاتحاد لأن زايد كان يغذي في أبنائه الروح الوطنية، ويؤكد أهميتها واليوم يكمل أنجال زايد وإخوانهم حكام الإمارات ما أراده زايد من خلال وحدتهم الوطنية ورعايتهم لدولتهم وأبنائها”. ويؤكد العامري أنه طالما سمع أحاديث أبناء الجاليات الأجنبية عن الإمارات ووحدتها حتى أصبحت الكثير من الدول الأوروبية تحاول تبني التجربة الإماراتية الوحدوية، وأصبح العالم ينظر بكل احترام لما عليه الدولة، حتى في دول شرق آسيا هناك دائما مساحة في خريطتهم الإعلامية عن تجربة الاتحاد وما يدور في الإمارات من تعاون ومحبة وولاء، والأمر الغريب بالنسبة لهم أن تعمل الحكومة في دولة الإمارات على الإنفاق على التنمية العمرانية والصناعية والتنمية البشرية في وقت تتجاهل فيه حكومات أخرى احتياجات مواطنيها. وشدد على أن أغلى هدية من مواطن لوطنه هي الولاء والمبايعة للحاكم والتضحية لأجل تنمية الوطن والحفاظ على مكتسباته، وأن يربي كل والد أبناءه على الوفاء والولاء والعمل على المحافظة على كل ممتلكات الوطن، وأهم أمر هو التمسك بتعاليم الدين الإسلامي لأنه دستور كامل يحث على حب الوطن وحمايته.