عماد فؤاد
جاءت تصريحات إيكو الغاضبة آنذاك مبرّرة للبعض، حادّة لغيرهم، لكنّها كانت متّسقة - في رأيي الشّخصي - مع مفهوم إيكو عن الثّقافة والأدب بشكل عام، فإيكو الذي عادةً ما يتمّ تقديم اسمه مسبوقاً بالعديد من الصّفات الرنّانة، كالرّوائي والنّاقد والفيلسوف والأكاديمي والمتخصّص في تاريخ وآداب القرون الوسطى ورائد علم السّيميائيّة، لم يستسغ التّهافت الذي تسبّبت في صناعته ثورة السّوشيال ميديا في عالمنا المعاصر، ظلّ يراقب الأمر صامتاً لسنوات، إلى أن قرّر أن يعلن عن خيبة أمله فيما آلت إليه الأمور قبل رحيله.
ما الذي فعلته ثورة السّوشيال ميديا في عالم الأدب، كي يقول إيكو ما قال؟ وما هي تلك التّأثيرات السّلبيّة التي تنتجها هذه الثّورة في صناعة الأدب ورموزه؟
أتصوّر أنّه سيكون علينا، للإجابة على هذين السّؤالين، أن نتحلّى بكثير من الحياديّة، قبل أن نتّفق أو نختلف مع آراء إيكو، فلا شكّ أنّ ثورة الاتصالات ساهمت بشكل إيجابي في تطوّر العديد من المجالات الفنّية والاجتماعيّة، كما كان لها أيضاً الكثير من التّأثيرات السّلبية في نواح أخرى، وبما أنّ حديثنا اليوم يتناول الأدب والمتغيّرات التي ألّمت به، بعد ثورة الاتصالات الحديثة، والتّحديات التي تنتظره في المستقبل، فسوف أقصر حديثي هنا على بعض الملاحظات الشخصية، فيما يخص سوق النّشر وانتشار المقروئية بين الأجيال العربية الجديدة، وازدياد حرية التّعبير، ما ساهم في انتقال الكتاب من الحالة المطبوعة إلى الحالة الرقمية، أو ما بات يعرف اليوم بثورة الـ pdf أو الكتاب الإلكتروني، أحد أبرز ثمرات ثورة عصر المعلومات في عالم صناعة الكتاب.
فلاش باك
سنعود قليلاً إلى العام 1990، ونحن في إحدى العواصم العربية، التي لن يفرق اسمها في شيء هنا، أنت أو أنا نريد التّحقّق من معلومة ما، ما الذي علينا فعله؟
الخيارات المتاحة أمامنا قليلة جداً، فإمّا أن نسأل أحداً، وفي هذه الحالة ستكون إجابته محلّ شكّ إلى أن نتأكّد من صحّتها، أو نختصر الطّريق ونبحث عنها في الكتب، وهكذا سنحصل على المعلومة الصّحيحة، لثقتنا فيما تحمله الكتب من معلومات. في تلك الأيام، كانت للكتب مكانة مُصانة، أذكر أنّني استعرت في تلك الفترة كتاباً من صديق، وحين أردت إعادته إليه فوجئت به ينظر إلى الكتاب بشفقة، وهو يعاتبني قائلاً: «لماذا أهنت الكتاب هكذا»؟ وقعت الكلمة على أذني حينها وقعاً غريباً، أدهشني أن يعامل صديقي كتابه باعتباره «كائناً» تمّت «إهانته» على يدي، وجدت نفسي أعتذر خجلاً، حتّى إنّني أمسكت النّسخة التي «أهنتها»، وقلت له سوف أشتري لك نسخة جديدة، حينها رفض وتناول مني الكتاب، قائلاً: «فقط لا تكرّرها»!
المعلومة السهلة
اليوم، في لحظتنا هذه، ليس هناك أسهل من الحصول على أيّ معلومة، فقط بضغطة زر سيصل كلّ منّا، في أيّ وقت، إلى المعلومة، أو قل المعلومات، فقط ابحث في Google، وسوف تُفتح أمامك صنابير من المعلومات، ليقودك كلّ موقع إلى مغريات أخرى، لتجد نفسك أنفقت ما يزيد على السّاعة، وأنت تنتقل من موقع إلى آخر، في إلهاء ووفرة تزيد عن حاجتك الأساسيّة من المعلومات.
أمّا لو أردت اليوم كتاباً، فلن تضطر إلى سؤال أحد أصدقائك السّماح لك باستعارته، ستجده على مواقع الإنترنت في صورة إلكترونية أو pdf، صارت هناك اليوم عشرات المواقع الإلكترونية التي تؤرشف الكتب قديمها وحديثها في صيغة إلكترونية، يسهل عليك حفظها في هاتفك الذّكي، لتستعيدها وقتما وأينما شئت، دون أن تضطر إلى حمل عشرات الكتب معك وأنت على سفر، أو تنقلها من مكان إلى آخر، فالحياة اليوم صارت «خفيفة» بفضل ثورة الدّيجيتال، تلك «الخفّة» اللطيفة التي «لا تُحتمل»، وفق صياغة ميلان كونديرا الجميلة!
بالمقارنة السّريعة بين المشهدين أعلاه، ربما نلاحظ مفهوم «النّدرة»، الذي كان مُسيطراً على حقبة ما قبل الإنترنت أو ثورة الاتصالات الحديثة، والمرتبط بمفهوم «الفهم»، في مقابل مفهوم «الوفرة»، الذي أرسته ثقافة الدّيجيتال بكمّ ضخم من المعلومات، ولكن بتسطيح لا يغتفر في الثقافة العامة للأفراد، إلى الدّرجة التي عدنا معها إلى المنبع ذاته من الشّك: ما الذي يثبت صحّة كلّ هذه المعلومات المتضاربة على شبكة الإنترنت؟ وهل فعلاً بتنا نقرأ أكثر من قبل، بعدما صارت أمّهات الكتب وبجميع اللغات، في متناول ضغطة صغيرة من زر وهمي، على أجهزة لا تغادر أيادينا طوال اليوم؟!
ثورة الدّيجيتال
ثمّة أجيال جديدة من القرّاء والكُتّاب في العالم اليوم، ولدت ونشأت في ظل هيمنة ثقافة الدّيجيتال الرّاهنة، ولا يمكننا بحال من الأحوال أن نتعامل مع هذه الأجيال الجديدة بالمنطق ذاته، الذي كنّا نتعامل به مع أجيال القرّاء والكُتّاب قبل ثلاثة أو أربعة عقود من الآن، الجيل الراهن مؤمن بوسائط أخرى أسرع وأكثر تشويقاً في الوصول إلى المعلومة، ثقافة كاملة تسيطر عليها قوّة جبّارة، قوامها الصّورة والفيديو والوسيط السمعي، والمختلفة تمام الاختلاف عن الثّقافة التي يحترمها ويثقّ بها شخص مثل أمبرتو إيكو، والتي يمكن لنا تسميتها هنا بـ«ثقافة الطباعة» البائدة، حيث الكتاب والصحيفة والدّورية الثّقافية، كانت هي الوسائط التّقليدية لنشر الإبداع والثّقافة، قبل أن تأتي لغة الصّورة لتحتلّ المشهد مع بدايات اكتشاف التّصوير الفوتوغرافي، ثم ظهور السّينما فالتّلفزيون فالفيديو، وصولاً إلى ثورة الإنترنت والسّوشيال ميديا، ما يجعلنا نستعيد هنا مصطلح «مُجتمع الفرجة»، الذي أطلقه الفيلسوف الفرنسي جي دوبور (1931 - 1994) في العام 1967، محاولاً تفكيك مجمل الأشكال الاجتماعيّة والمجتمعية الجديدة، بعد طغيان ثقافة الصّناعة التّلفزيونية للصّورة ومفرداتها، من إعلان وترويج وتسليع.
مجتمع الفرجة
لم يعد للقراءة معنى إذن في «مجتمع الفُرجة»، القائم أساساً على تسيّد عامل «الوفرة» أو «النّسخ المتعدّدة»، ما عمل على انحسار مستويات القراءة الجادة، تحت هيمنة ثقافة السّرعة والخفّة التي تطرحها الثّورة التكنولوجيّة الجديدة في مجالات الاتصالات، وهو ما تجلّى في أكثر من تطوّر أو «موضة» واكبت ظهور ثورة الإنترنت في العالم، أواخر تسعينيات القرن الماضي، من بينها مثلاً ظهور شكل جديد، تكتبه أجيال أحدث عرف بـ «أدب المدوَّنات»، والذي ارتبط العديد من تجاربه بأسماء لأشخاص يصفون أنفسهم باعتبارهم «مدوِّنين» وليسوا كُتّاباً، وتلقّف القرّاء الباحثون عن الخفّة هذه الكتابات، بوصفها معبّرة عنهم كجيل جديد، لكنّها «موضة» سرعان ما انحسرت، لتأتي موضات جديدة تنطفئ قبل أن تبرق، استجابة لقانون السوشيال ميديا، القائم أساساً على صناعة المزيد من الموضات التي تظهر لأجل أن تختفي، فتلك شروط «مجتمع الفرجة»، وكي يستمر جذب الأعين إلى الشّاشات، فعلينا فهم عقلية المتلقّي السّلبي، القانع بما يراه في الصّورة، وغير الباحث عن الحقيقة.
هنا، لعبت السوشيال ميديا الدور المنوط بها، في تحويل كلّ شيء إلى سلعة، كلّ قيمة أخلاقية أو إنسانية أفرغت من معناها، وبدأ ينظر إليها في مجتمع الصورة بوصفها «وسيلة»، ولم يكن عالم الأدب والثّقافة والفكر ببعيد عن هذا التّأثر الكبير برياح ثقافة الدّيجيتال، فبدأنا نرى تقاليع جديدة ترتبط بعالم الثّقافة، لم يكن لها وجود من قبل، منها مثلاً أن نجاح الكتب صار رهناً بوصولها إلى قوائم الـ«بيست سيللر»، والتي هي في الحقيقة أحد أكبر تمظهرات «تسليع» الأدب في وقتنا الراهن، إضافة إلى الدور الفجّ الذي لعبته – عن دراية أو عن جهل - بعض الجوائز الأدبية في توجيه الأدب إلى موضوعات محدّدة، باعتبارها الأكثر حظّاً في الفوز بهذه الجوائز!
الترويج الاستعراضي
تشير العديد من الدّراسات الحديثة، إلى تناقض يبدو للوهلة الأولى غير منطقي، فمن ناحية تسجّل الإحصائيّات أنّ هناك تناقصاً كبيراً في معدّلات القراءة حول العالم (معدّل قراءة الفرد في أميركا لا يزيد على الـ21 دقيقة في اليوم، كيف سيكون في عالمنا العربي؟)، ومن جهة أخرى تحقّق دور النّشر أرباحاً! فيما تشير إحصائيّات أخرى إلى أنّ كلّ من يملك هاتفاً ذكيّاً، يقضي ما لا يقلّ عن السّاعتين على مواقع التّواصل الاجتماعي يوميّاً.
لو حاولت تفسير التّناقض أعلاه، بين تناقص مُعدّلات القراءة وبين أرباح النّاشرين، فسوف أردّه إلى ما طرحته حنّا آرنت (1906 - 1975)، حول تعريفها لـ«الجمهور» أو «المتلقّي»، الذي تحوّل مع الوقت إلى: «مستهلك لا يسعى إلّا إلى ملء أوقات فراغه بأيّ شيء، دون النّظر إلى قيمة الفنّ فيما يستهلكه»، وهو ما يبرّر لنا ربّما انتشار أدب الجريمة والرّعب اليوم في عالمنا العربي، والذي يحقّق كتَّابه طبعات متعدّدة في وقت قصير، في وجود أدب أفضل وأكثر عمقاً لكنّه غير مقروء، تشهد معارض الكتب العربية إقبالاً متزايداً من الأجيال الجديدة على القراءة، لكنّنا لا نزال نفتقر عربياً إلى دراسات تحلّل لنا، ما هي هذه الكتب التي تقبل على قراءتها الأجيال الجديدة، ولماذا تجد الرواج لديهم، فيما تفشل كتب أخرى أهم، لما تحمله من ثقافة أكثر ثقلاً ورفعة!
ما طرحته علينا ثقافة الصّورة والسّوشيال ميديا في العقود الأخيرة، لم يكن سوى «تعدّد النّسخ عن الشّيء نفسه»، فيما انتفى العمل «المفرد»، أو ما يصيغه الفيلسوف الكندي آلان دونو، في كتابه الهام «نظام الرّداءة»، حول فكرة غياب مفهوم «الحرفة»، مقابل مفهوم «الوظيفة»، التي اتخذت «وسيلة» للعيش، في ظل النّظام الرأسمالي العالمي الجديد، ومع تسّيد مفهوم العمل بوصفه «وسيلة للبقاء على الحياة»، غابت مفاهيم «الصّنعة»، حتى في الفن والأدب وغيرهما من مجالات الإبداع، يقول آلان دونو: «إن العمل المنزوع الحيويّة، الذي يراه العمّال باعتباره «محض آليةٍ لتأمين وجودهم نفسه»، هو الوسيلة التي يضمن فيها رأس المال نموّه، يتّفق كلّ من أرباب الأعمال والعمّال على شيء واحد على الأقل: لقد تحوّلت كلّ حرفةٍ craft إلى وظيفة job، وصارت كلّ وظيفةٍ تُرى باعتبارها وسيلة».
موت الأدب
مع تصاعد مفاهيم جديدة على العالم بعد الثّورة الصّناعية، ظهرت نظريّات فلسفيّة وأدبيّة عديدة، تقول بــ «موت المؤلّف»، ثمّ «موت النّاقد»، وأخيراً «موت الأدب» ذاته، في عالم تحكمه الصّورة وسرعة نقل المعلومات وتبادلها، ربما كان من أهم هذه الكتب ما قدّمه النّاقد الأميركي آلفين كرنان، في كتابه «موت الأدب» عام 1990، والذي أشار في مقدّمته إلى أنّ: «المؤلف الذي كان يقال عنه إنّ خياله المبدع هو مصدر الأدب، قد تمّ الإعلان عن موته، وأنّه أصبح مجرد جامع لمتفرّقات مختلفة من اللغة والثّقافة، ليضعها في كتابات لم تعد تسمّى أعمالاً، بل مجرّد كولاج ثقافي، هذا ما قال به رولان بارت، وتبعه مجموعة من الباحثين والنّقاد، منهم جيرار جينيت، وجوليا كريستفيا التي انصرفت عن النّقد الأدبي». ما رصده آلفين كرنان، في كتابه حول «موت الأدب»، ليس بعيداً عن مجتمع الإلهاء الذي أنتجته السّوشيال ميديا في واقعنا الرّاهن، وما أثمرته من كتابات تتّسم بالخفّة التي يفرضها الوسيط المروِّج لها، كمواقع التّواصل الاجتماعي، التي يلتزم بعضها بعدد أحرف معيّنة للكتابة، ما خلق لدينا اليوم نوعاً من الكتابات، التي تتناسب مع ما يتيحه الوسيط المستخدم في نشرها، أو ما يمكن لنا وصفه هنا بـ«المنشور» أو الـ«Post» بلغة السّوشيال ميديا، وليس بـ «النّص»، كما كنّا نقول قبل ثلاثة عقود من الآن.
هذه النقطة، يحللها الأميركي أندرو جاليكس، في مقالة له بعنوان: «موت الأدب» (ترجمها إلى العربية أمين صالح)، يقول فيها: «إن العصر الرقمي (الديجيتال) أخذ الحمل الزائد من المعلومات إلى مستوى جديد كامل، نتيجة لذلك، يعتقد الكاتب الأميركي ديفيد شيلدز، في كتابه «جوع الواقع» (2010)، أن الرواية لم تعد مجهّزة، لأن تعكس حيوية الحياة الحديثة وتعقيداتها. أما كينيث جولدسميث، الشاعر الذي أسس في العام 1996 موقعاً أدبياً وفنياً عجيباً ورائعاً على الإنترنت، فإنّه يحثّنا في كتابه: «الكتابة غير الخلاقة» 2011، على أن نتوقّف عن الكتابة تماماً، من أجل التركيز على إعادة توحيد النّصوص المتراكمة عبر القرون». وفي موضع آخر من مقالته يقول جاليكس: «حتى الأصالة نفسها لم تعد قادرة على إدهاشنا».. هكذا كتب الروائي البريطاني لارس آير، في مقالة لافتة للنّظر. وفقاً لآير: نحن نعيش في عصر لا سابق له من الكلمات، لكنه العصر الذي فيه المؤلفون المهمّون قد تراجعوا وأفسحوا مجالاً لجيش من القابعين خلف أجهزة الكومبيوتر. الأدب لا يبقى على قيد الحياة إلا كمادة من الخيال الأدبي: محاكاة ساخرة لأشكال مضت، حركة إيمائية تعبّر عن نفسها».