تزخر القطاعات المختلفة بالكثير من النماذج الإماراتية المتميزة التي حققت نجاحات باهرة يشار إليها بالبنان، ومن بينها الدكتورة سهيلة العوضي، التي لم تكتف بالحصول على درجة البكالوريوس في الصيدلة بل أتبعته بالماجستير في الصيدلة الإكلينيكية (السريرية)، ومن ثم الدكتوراه في التخصص ذاته لتكون بذلك أول صيدلانية إكلينيكة مواطنة في الدولة، وهي تعمل حالياً استشارية صيدلة إكلينيكية في إمارة الفجيرة. في بداية حديثها تعود الدكتورة سهيلة العوضي إلى مرحلة الثانوية العامة، حيث كانت تدرس في مدرسة «ثانوية أم المؤمنين» بالفجيرة، وتتذكر كيف شقت طريقها الجامعي واختارت تخصص الصيدلة، وتقول «لم تكن الصيدلة حلمي في الثانوية العامة، ففي تلك الفترة لم تكن تراودني أحلام أخرى سوى الانتهاء من الثانوية ثم التفكير في التخصص، وأستطيع القول إنني فكرت في المجال الطبي لكوني من أسرة تهتم بالطب، فلدي أختان طبيبتان، وقد ساعدني معدلي المرتفع على الحصول على المنحة الدراسية والقبول الجامعي، وذلك بابتعاثي إلى الأردن لدراسة الصيدلة في الجامعة الأردنية، وأذكر أن الغربة والدراسة لم تكن تجربة يسيرة وهينة، فقد واجهتني المصاعب التي من الطبيعي أن تواجه كل فتاة صغيرة في العمر تتغرب عن أهلها لتواجه التحديات المرتقبة». وضوح الهدف تقول العوضي «في اللحظة التي وطأت قدماي أرض المملكة الأردنية الهاشمية علمت بأن التراجع مستحيل، يجب أن أكمل المشوار الذي اخترته بنفسي، ولم أستشف المعنى الحقيقي لمجال الصيدلة إلا بعد دخولي السنة الثانية من الدراسة، لأننا في السنة الأولى كنا ندرس المواد التأهيلية وكانت جميعها مواد تابعة للعلوم، أما في السنة الثانية فقد بدأنا ندرس مواد تخصصية، وفي تلك السنة أحببت ما أدرسه، وأصبح التحدي واضحاً بأن أفهم ما أقرأ وليس أن أحفظ فقط، ولولا توفيق الله والدعم الأسري ومساندة الأصدقاء لكان مشواري في الأردن أكثر صعوبة». وتشير إلى أنه بعد تخرجها في الجامعة الأردنية عادت إلى أرض الدولة والتحقت بالعمل في مستشفى الفجيرة، حيث كانت أول صيدلانية مواطنة في المنطقة، وعن طبيعة عملها في تلك الفترة، تقول «منذ البداية كان هدفي واضحاً، وهو التعلم من خبرات الآخرين والقراءة المستمرة حتى أتواصل مع آخر المستجدات في المجال الصيدلاني، وكنت أقوم بصرف الأدوية للمرضى في صيدلية العيادات الخارجية، كما بدأت بالمرور اليومي مع الأطباء في الأقسام الداخلية للمستشفى. وبعد ذلك انتقلت للعمل في صيدلية الأقسام الداخلية حيث التنوع في الصرف بما يتضمن الحقن وصرف المواد المخدرة والمستلزمات الجراحية والتحضيرات الدوائية». حلم الماجستير والتخصص في مجال الصيدلة الإكلينيكية ظل يراود العوضي أثناء عملها، وحتى قبل أن تتخرج في الجامعة في مرحلة البكالوريوس، ومن أجل ذلك واصلت البحث عن الجامعات التي تقدم مثل تلك البرامج، وتبين أن بحثها كان منصباً على المملكة المتحدة، حيث وجدت البرنامج الذي أرادته لكنها أصيبت بخيبة أمل لأن تلك الجامعة لم تكن تقدم ذلك البرنامج للطلبة من خارج المملكة المتحدة. حلم يتحقق الأمل أضاء في قلب العوضي من جديد في أن تدرس التخصص الذي تتمناه في مرحلة الماجستير. تقول «لحسن حظي كانت الجامعات الأسترالية تسوق وتعرف ببرامجها في الدولة، وأتذكر أنني ذهبت وأخذت فكرة جيدة عن الجامعات هناك وعرفت بأنهم يقدمون برامج الماجستير في الصيدلة الإكلينيكية لجميع الطلبة بدون استثناء، فبدأت أراسل تلك الجامعات التي توفر هذه البرامج، حتى جاءتني رسالة من جامعة كيرتين بأستراليا تبشرني بقبولي في برنامج الماجستير في الصيدلة الإكلينيكية، فكانت فرحتي كبيرة، ولم أصدق بأن حلمي سيتحقق، وبدأت إجراءات استيفاء شروط القبول، وأهمها الحصول على التوفل، ثم قدمت الأوراق المطلوبة للحصول على الإجازة الدراسية من جهة العمل ومن ثم الحصول على بعثة دراسية من التعليم العالي، وبعد أن استوفيت جميع الشروط المطلوبة اضطررت لتأجيل الدراسة والمنحة لسنة أخرى نظراً لوفاة والدي رحمه الله، وفي السنة التي تلتها وبالتحديد في فبراير عام 2004 سافرت مع أخي إلى غرب أستراليا لبدء مشوار جديد في عالم الصيدلة». وعادت العوضي إلى الغربة ثانية وكانت في أستراليا أشد أثرا عليها من غربتها في الأردن، وتعلل ذلك بالقول «هناك أحسست بالمعنى الحقيقي للغربة، فاختلاف نمط الحياة واللغة وتعدد الثقافات، كل هذا كان يمثل عقبات حقيقية صعبة، لكن ذلك لم يثنني عن هدفي، والحمد لله الذي وفقني، فقد كنت من المتفوقات في البرنامج، وأعتقد أنني مثلت دولتي بشكل مشرف، فقد كنت أول إماراتية تلتحق بذلك البرنامج في جامعة كيرتين كلية الصيدلة، وحينها لم يكن الكثيرون هناك يعرفون شيئا عن الإمارات، وأنا سعيدة جدا أنهم عرفوها من خلالي». معين أستراليا دروس كثيرة علمية وحياتية تعلمتها العوضي عبر رحلتها إلى أستراليا تفصلها، قائلة «تجربتي في أستراليا كانت من أروع التجارب، تعرفت فيها إلى الكثير من الثقافات المختلفة وتعلمت أصول البحث العلمي، وازدادت ثقتي بنفسي، وتعايشت مع التجربة الأسترالية في المجال الطبي، خاصة الصيدلاني، فقد كنا نذهب إلى المستشفيات ونقرأ ملفات المرضى ونراقب علاجهم ونتابع حالتهم، وتعلمنا كيف نحلل نتائج التحاليل الطبية ونربطها بالعلاج الدوائي، وتعلمنا كيف أن العلاج لا يكتمل من دون إشراك المريض في علاجه، عبر زيادة وعيه بالدواء والآثار الجانبية وكيفية التغلب عليها، وأدركنا أن العلاج المتكامل لابد أن يتضمن التحليل الجيد لأعراض المرض والتحاليل الطبية والمخبرية واختيار الدواء المناسب لتلك الحالة الطبية، كما تعلمنا بأن للمريض دائماً على حق، وأن ما يشكوه يجب أن يؤخذ على محمل الجد، ويجب الاستماع لما يقوله وإلا لن ينجح العلاج، خاصة في الأمراض المزمنة». وعادت العوضي إلى أرض الإمارات بعد أن أنهت الماجستير بعام ونصف لتطبق ما تعلمته وتفيد بلدها به، وهنا لاحظ جميع زملائها الأطباء في مستشفى الفجيرة التغيير الذي جاءت لتحدثه في العمل ورحبوا به بل رحبوا بوجودها في الأقسام كلها، وإطلاعها على ملفات المرضى ومشاركتهم بالقرار، وعن مهامها الأخرى في تلك الفترة، تقول «كنت أناقش الأطباء في العلاج وتغيير الدواء إذا استدعى الأمر أو إلى تغيير الجرعة الدوائية إذا كانت زائدة عن حاجة المريض، وكنت أثقف المرضى بعلاجهم وأرشدهم إلى الاستعمال الأمثل لأدويتهم، باختصار كنت أمارس عملي كصيدلانية إكلينيكية». طموح كبير لأن العوضي إنسانة طموحة جدا لم تعتبر الماجستير نهاية طريقها، بل رأت أن البداية ستكون بحصولها على الدكتوراه، ومن أجل ذلك وقبل أن تغادر أستراليا كانت قد حصلت على الموافقة من الجامعة نفسها بدراسة الدكتوراه في التخصص ذاته، فسافرت ثانية بعد 6 أشهر من عودتها لتتابع درستها عام 2006، عن رسالة الدكتوراه، تقول «اخترت البحث في مجال السكري وبالتحديد دواء المتفورمين Metformin، الذي يستخدم بكثرة في علاج السكري، وتأثير العوامل الجينية الوراثية على نسبته في الدم، وهنا عدت لأعيش رحلة شاقة وملأى بالتحديات الجديدة، كنت أمضي يومي بقراءة الأبحاث الأخرى والمراجع، وكان علي أن أسترجع جميع معلوماتي في علم الوراثة والجينات. وبدأت التعلم من جديد ورجعت للكتب التي قرأتها في فترة البكالوريوس، وراجعت أساسيات علم الجينات ليتسنى لي فهم الأبحاث التي أقرؤها وبالتالي فهم مادتي البحثية، حيث إن فكرة بحثي كانت جديدة، وبدأت بكتابة الخطة اللازمة للبدء وكم سأحتاج من المرضى وما الذي سأحتاجه من تحاليل ومعلومات وكم من الوقت سأستغرقه لجمع المعلومات المطلوبة ثم البدء بالتحليل. وبعد موافقة اللجنة العليا للأخلاقيات في الجامعة بدأت بمراسلة بعض من مستشفيات الدولة للحصول على موافقتهم، وكذلك الحصول على موافقة وزارة الصحة، وحصلت على الموافقة من مستشفيات الفجيرة وكلباء وخورفكان وخليفة في إمارة أبوظبي، وجمعت 464 عينة دم بالإضافة إلى المعلومات الأخرى المطلوبة، لأبدأ مرحلة أخرى من مراحل البحث ألا وهي التحليل الجيني. وبعد المراسلات وافق مختبر الجينات والبيولوجيا الجزئية في دبي والتابع للمختبر المركزي للأبحاث البيطرية المملوك لحكومة دبي برعاية الجزء الخاص بالتحليل الجيني، وعلى تدريبي للقيام بتحليل النمط الجيني». نضوج الخبرة وتؤكد العوضي شدة استمتاعها وهي تدرس الدكتوراه التي جمعت فيها بين عالم الدواء والسكري والجينات، وبعد أن انتهت منها عام 2010 تلقت عرضا للعمل في الجامعة التي تخرجت فيها بأستراليا في برنامج الزمالة لما بعد الدكتوراه، إلا أنها ارتأت أن تعود إلى بلدها وأحضان أسرتها التي اشتاقت إليها حاملة معها رؤيتها العلمية الناضجة وخبرتها في مجال الصيدلية الإكلينيكية، حيث أصبحت بعد عودتها أول صيدلانية مواطنة حاصلة على درجة الدكتوراه في الصيدلة الإكلينيكية. وحول دروها المهني في مستشفى الفجيرة، تقول العوضي «أمارس مهنتي بكل حب وجهد وعطاء، وأتابع المرضى وحالاتهم المرضية، وأنا بصدد الالتحاق بالعمل في عيادة السكري في مستشفى الفجيرة لعلاج وتثقيف المرضى، وقد أجريت بعض التغييرات في القسم من الناحية التنظيمية والعلمية، خاصة فيما يتعلق بإضافة بعض التحضيرات الدوائية التي لم تكن موجودة، وأقوم بإلقاء المحاضرات وإعطاء الاستشارات الصيدلانية والعلاجية». وتتابع «أبدأ يومي بمتابعة المرضى وإرشادهم وعلاجهم. وأطمح إلى تفعيل دور الصيدلي الإكلينيكي في المؤسسات الصحية في الدولة، حيث إنه دور غير فعال بالشكل المطلوب، والذي إن فُعِل فسيؤثر على السياسة العلاجية والدوائية بشكل إيجابي. وكشأن العمل في أي مؤسسة، تواجهنا بعض الصعوبات والعراقيل كالبيروقراطية مثلاً، ولكننا في الأغلب نحاول التخلص من هذه العوائق، خاصة أننا في مؤسسة لا تحتمل التأجيل في اتخاذ القرارات، حيث إن الأمر يتعلق بحياة المرضى».