تحديات تعوق تطور القطاع الزراعي.. و «خدمات المزارعين» يوصي باستخدام تقنيات أكثر توفيراً للمياه
هالة الخياط (أبوظبي) - يواجه القطاع الزراعي في إمارة أبوظبي تحديات تعوق مسيرة تطوره أبرزها التحديات المائية، حيث لا يتجاوز المعدل المطري في الإمارة 100 ملم سنوياً، ومعدل تجدد المياه الجوفية أقل من 4% سنوياً، فيما يقدر معدل استهلاك مياه الري في المزارع بحوالي 1,5 مليار متر مكعب في السنة أي حوالي 50% من الاستهلاك الكلي في الإمارة، وهو ما يضع على عاتق الجهات المعنية بنهضة القطاع الزراعي والمزارعين في الإمارة مسؤولية المحافظة على المياه وفي نفس الوقت توفير المحصول الزراعي المحلي بما يحقق الأمن الغذائي.
ويواجه المزارعون في إمارة أبوظبي تحديات تتمثل في قلة المياه وارتفاع درجات الحرارة، والبيئة الصحراوية، ما يتطلب من كل المعنيين بالقطاع الزراعي العمل على تشجيع المزارعين على التحول من الزراعة التقليدية إلى الزراعة القائمة على التقنيات الأكثر توفيراً للمياه، ونشر الوعي حول كيفية تخطي مشكلات البيئة الصحراوية مثل التربة الجافة وشح المياه.
ويكرس جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية ومركز خدمات المزارعين جهودهما على تعريف المزارعين بالطرق الزراعية الملائمة لطبيعة المناخ والتربة، وإطلاعهم على خطة الإنتاج الزراعي بناء على حاجة السوق الاستهلاكية ومستلزمات البيئة الزراعية، واضعين بعين الاعتبار المحافظة قدر الإمكان على ترشيد استهلاك المياه، وزراعة محاصيل يكثر الطلب عليها.
وأشار حسن جمعة الزعابي المزارع في منطقة الختم إلى وجود العديد من التحديات التي تواجه المزارعين في الإمارة أبرزها شح المياه وارتفاع نسبة ملوحتها، إلى جانب التربة الضعيفة وهو ما يضع المزارعين أمام استحقاق البحث عن وسائل وتقنيات زراعية جديدة من خلالها يتم ترشيد استهلاك المياه في الزراعة، وفي نفس الوقت يوفر منتج زراعي بمواصفات عالية وبتكاليف أقل.
وبحسب الزعابي، فقد بدأ بالتوجه نحو زراعة المحاصيل باعتماد تقنية الري بالتنقيط والزراعة في أكياس الرمل بما يحقق التحكم بنوعية التربة والاحتفاظ بالمياه لأطول فترة ممكنة، مشيراً إلى أن هذه التقنيات أسهمت بتخفيض استهلاك المياه بنسبة 70-80%.
من جانبه، أكد المزارع علي المرزوقي أن قلة مصادر المياه هي المشكلة الأبرز التي تواجه المزارعين، وقال إن المواطنين لديهم استعداد لتكريس كل وقتهم وجهدهم لتوفير العناية بمزارعهم وتوفير المنتج الذي يسد حاجة السوق المحلي من الخضراوات والفواكه، ولكن مشكلة توفر مصادر المياه وتكاليف تحليتها تشكل أبرز المعوقات أمام تطور القطاع الزراعي في الإمارة.
ويتفق المزارع سلطان الزعابي مع المرزوقي في أن مشكلة المياه تعد أحد مهددات نمو القطاع الزراعي في الإمارة، مضيفاً أن المزارعين يواجهون مشكلة انقطاع التيار الكهربائي وبالتالي تعطل عمليات التبريد للبيوت البلاستيكية وهو ما يؤدي إلى القضاء على المحاصيل الزراعية.
ولمواجهة مشكلة نقص المياه، نصح الزعابي أقرانه من المزارعين بزراعة الخضراوات كالخيار والبقدونس والباذنجان والطماطم في أكياس الرمل في البيوت المحمية، بما يحافظ على مياه الري داخل الكيس ويحقق أعلى استفادة ممكنة من مياه الري التي تتم بانتهاج أسلوب الري بالتنقيط، مضيفا أن الزراعة بالكيس تحول دون انتقال العدوى بين المزروعات.
كما انتهج سلطان الزعابي أسلوب “الأكوابونيك” القائم على أساس تكاملي بين زراعة الخضراوات وتربية الأسماك والذي يسهم في توفير 80% من المياه المستخدمة في الزراعة، حيث يستخدم مياه حوض الأسماك لري الخضراوات بما يحقق الاستفادة من الأسمدة العضوية الناتجة من مخلفات الأسماك وفي نفس الوقت لا يستخدم الأسمدة الكيماوية، ويقتصر ما يضيفه على المساعدات الثنائية.
وحرص الزعابي على انتهاج كل الأساليب التي توفر المياه في الزراعة، بما يحافظ على المياه للأجيال القادمة، حيث قال: نحن نعيش في دولة تعد من الدول الفقيرة بالمياه، ما يترتب علينا حماية المياه لتدعو لنا الأجيال القادمة لا “أن تلعنا” لقضائنا على كل مصادر المياه في الدولة.
وأكد الزعابي أن خلفيته الدراسية ليس لها علاقة بالزراعة، ما دفعه ليبحث عبر الشبكة العنكبوتية على أكثر الأساليب الزراعية توفيراً للمياه، ومعتمدا على الخدمات الإرشادية التي يقدمها قسم الإرشاد الزراعي في الختم في تطبيق التقنيات الزراعية الحديثة.
الرودس يستهلك 59% من مياه الري
قال محمد جلال الريايسة مدير الاتصال وخدمة المجتمع في جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية إن الجهاز يحرص على رفع معدلات الإنتاج الغذائي في الإمارة لتحقيق الاكتفاء الذاتي في بعض المنتجات ما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي في الإمارة على المدى الطويل سواء المنتجات الزراعية أو الحيوانية وذلك من خلال تشجيع الإنتاج المحلي المستدام مع مراعاة التوازن بين الأهداف الاقتصادية والبيئية والاجتماعية وتعزيز استدامة الموارد المائية واستخدام المياه غير التقليدية في الزراعة، إضافة إلى تحسين كفاءة الري والاستثمار في التقنيات الزراعية الحديثة والمناسبة.
وأوضح الريايسة أن الدراسات والتقارير العلمية الفنية التي أعدها حول المحاصيل الأكثر استنزافاً للمياه، أظهرت أن محصول الرودس يستهلك كمية كبيرة من المياه تقدر بحوالي 59% من مياه الري في المزارع، ولوقف زراعة المحاصيل التي تستنزف المياه فقد قام الجهاز بتنفيذ إجراءات عملية لخفض الهدر في مياه الري من خلال وقف زراعة المحاصيل ذات الاستهلاك العالي للمياه وخاصة الرودس لأغراض التسويق في كل مناطق الإمارة والاستعاضة عنه باستيراد الأعلاف من الخارج، حيث تم وقف زراعة الرودس بحوالي 15 ألف مزرعة كانت تزرع الرودس.
إلى ذلك، أوقف جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية استلام الرودس من أصحاب المزارع التي كانت ضمن برنامج التسويق الزراعي الذي استبدل ببرنامج تحسين دخل المزارعين المقرر بالنظام رقم (7) لسنة 2010 والذي بموجبه يحصل المزارع على 100 ألف درهم سنوياً يخصص منهم فقط 10 آلاف درهم للموردين للتمور لشركة الفوعة أو من لديهم شهادة عضوية معتمدة أو ممارسات زراعية جيدة.
واتخذ الجهاز التدابير الخاصة بتوفير كميات الأعلاف من الخارج نظير وقف تسويق الرودس وعدم استلامه من المزارعين لتلبية احتياجات مربي الثروة الحيوانية المستفيدين من برنامج دعم الأعلاف المطبق بالجهاز.
وتشير البيانات والإحصائيات، وفقا لما ذكر الريايسة، إلى أن المعدل المطري في الإمارة دون 100 ملم سنوياً، ومعدل تجدد المياه الجوفية أقل من 4% سنوياً، ويقدر معدل استهلاك مياه الري في المزارع بحوالي 1,5 مليار متر مكعب في السنة أي حوالي 50% من الاستهلاك الكلي في الإمارة. ونظراً لمحدودية الموارد الطبيعية في الإمارة وارتفاع تكلفة إنتاج السلع الغذائية محلياً فقد قام الجهاز بتنفيذ عدد من أهم المشروعات الزراعية بهدف المساعدة في تحقيق الاستدامة من خلال المحافظة على الموارد المائية وخلق أنشطة زراعية جديدة بديلة للأنشطة الحالية التي تستهلك مياه بصورة كبيرة نظراً لندرة الموارد المائية وارتفاع ملوحتها والتي أدت في الغالب لارتفاع ملوحة التربة وعدم استغلال بعض الأراضي.
ولفت الريايسة إلى أنه سعياً من جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية لتحقيق استدامة القطاع الزراعي والمحافظة على مصادر الثروات المتنوعة وتنميتها، يحث الجهاز المواطنين أصحاب المزارع على الاهتمام بمزارعهم وإيجاد بدائل علفية محلية لمربي الثروة الحيوانية من خلال نقل نتائج التجارب من محطات الأبحاث لمزارع مربي الماشية لتوفير أعلاف متحملة للملوحة يمكن أن تغطى نسبة 30% من الاحتياجات العلفية بالإمارة.
وفي نفس الإطار، أوضح الريايسة أن الجهاز اعتمد بعض الأصناف التي تتحمل الملوحة والجفاف في نفس الوقت وغير مستنزفة للمياه ومنها: اللبيد الافريقي، البانيكم، الإسبوروبولس العربي، الدخن، الشعير، ديستكلس، الذرة العلفيه، لوبيا العلف، ومن الشجيرات الأكاسيا، الاتربلكس.
وتابع أن مركز خدمات المزارعين قام بدوره بإدخال أصناف من البطاطس ذات دورة حياه قصيرة وإنتاجية عالية وتعتبر البطاطس من أكثر محاصيل الغذاء الرئيسية كفاءة في استخدام مياه الري في الحقل المفتوح، إلى جانب التعاون مع الجهاز على إدخال بعض أصناف الأعلاف المتحملة للملوحة والجفاف.
وأوضح الريايسة أن الجهاز يعمل على تقنين استخدام المياه في ري النخيل من منطلق أن أشجار النخيل تأتي في المرتبة الثانية في استهلاك مياه الري بعد محصول الرودس، حيث تستهلك نحو 34% من مياه الري في المزارع.
لأجل ذلك قام الجهاز بتوفير شبكات الري الحديثة لمزارعي المنطقة الغربية من خلال مركز خدمات المزارعين والتي يتوقع أن تساعد على تخفيض استهلاك مياه الري بشكل كبير قد يزيد عن 50% في بعض المزارع.
دراسة المقننات المائية للمحاصيل
وفي سبيل ترشيد استخدام المياه في الزراعة وزيادة مساهمة قطاع الزراعة في الناتج الإجمالي، ذكر الريايسة أن الجهاز يعمل على رفع كفاءة استخدام مياه الري من خلال دراسة المقننات المائية للمحاصيل الرئيسية باستخدام أجهزة قياس متطورة واختبار تقنيات الري المناسبة للمحاصيل ووضع برامج الري المثالية واختبارها، ودراسة استخدام مصلحات التربة ومواد حفظ المياه في التربة وغيرها من التقنيات التي تساعد على ترشيد استخدام المياه في الزراعة في الحقل المفتوح كالري التحت سطحي والملش، كما أطلق الجهاز حملة إعلامية زراعية استمرت لمدة عامين وأحد أهدافها توعية المزارعين حول الاستخدام الأمثل لمياه الري وتبني الممارسات الزراعية الجيدة والترويج للمنتجات الزراعية المحلية.
وأضاف أن الجهاز يعمل على تبني التقنيات الحديثة والمناسبة ذات الكفاءة العالية في استخدام مياه الري وخاصة تقنيات الزراعة المحمية والزراعة المائية والزراعة في بدائل التربة، حيث تم التعاقد بالشراكة مع هيئة البيئة في أبوظبي مع بيت خبرة (جامعة فاجننج – هولندا) لإنشاء مركز الزراعة المحمية في محطة بني ياس للبحوث الزراعية التابعة للجهاز والذي يهدف إلى نقل وتطويع واختيار احدث تقنيات الزراعة المحمية والزراعة في بدائل التربة “النظام المغلق” ومقارنتها مع تقنيات الزراعة المحمية العادية ومتوسطة الحداثة.
ويعتبر هذا النظام من أفضل التقنيات كفاءة في استخدام المياه في الزراعة حيث تزيد إنتاجية الطماطم على سبيل المثال عن 80 كغم/متر مربع، ويقوم بتدوير وإعادة استخدام مياه الري بكفاءة عالية تزيد عن 95%، وسيوفر الجهاز معلومات وبيانات دقيقة وموثقة حول تقنيات الزراعة المحمية وخاصة فيما يتعلق بكفاءتها في استغلال مياه الري وجدواها الاقتصادية والبيئية.
استراتيجية قطاع الزراعة في الإمارة
يشار إلى أن الخطة الاستراتيجية لقطاع الزراعة في إمارة أبوظبي التابع لجهاز أبوظبي للرقابة الغذائية كانت حددت ثمانية محاور رئيسية ضمن خطتها التطويرية للقطاع الزراعي والتي تضمنت التحديات المختلفة التي تواجه القطاع الزراعي وسبل مواجهتها، بما في ذلك تخفيض استخدام المياه في الزراعة بنسبة 40% حتى نهاية عام 2013، والتقليل من استخدام الأسمدة الكيماوية بنسبة 25% حتى نهاية 2013، وترشيد استخدام المبيدات الزراعية والتأكد من أن 90% من المساحات المرشوشة بالمبيدات ضمن المستويات المسموح بها دولياً حتى نهاية عام 2013.
كما تركز الخطة على تأمين دخل عادل للمزارعين وزيادة قدرتهم على المنافسة في السوق، وهو الدور الذي يقوم به مركز خدمات المزارعين عبر العمل داخل المزرعة ودعم المزارعين اجتماعيا واقتصاديا وذلك بتحسين الممارسات الزراعية وتحسين جودة الإنتاج المحلي وزيادته مع التركيز على المحافظة على الموارد الطبيعية من خلال تطوير مفهوم الزراعة المستدامة في إمارة أبوظبي.
وأوضح مركز خدمات المزارعين أنه يعمل باتجاهين؛ الأول يتمثل في إعادة تأهيل العاملين في المزارع ومساعدتهم على تطبيق أفضل الممارسات الزراعية ورفع جودة المنتج المحلي عبر تقديم خدمات الإرشاد الزراعي، وتطبيق أفضل الممارسات الزراعية والتركيز على المنتجات التي تمتلك فيها الإمارة ميزة تنافسية وتحسين نوعية وجودة المنتجات الزراعية مما يساعد على تعزيز مساهمة الإنتاج الوطني في الأمن الغذائي.
«خدمات المزارعين» يستخدم تقنيات جديدة للري بالتنقيط في 900 مزرعة بـ «الغربية»
لمواجهة تحديات نقص المياه، أوصى مركز خدمات المزارعين باستخدام تقنيات موفرة للمياه بنسب تتراوح بين 30% إلى 50%.
وأوضح فريدريك نل رئيس وحدة الري في مركز خدمات المزارعين بأبوظبي أن المركز بدأ باستخدام تقنيات جديدة للري بالتنقيط تحت السطحي في 900 مزرعة في المنطقة الغربية، مبيناً أن هذه التقنية تفيد في الحصول على المنتج الجيد مع التقليل من النفقات والوقت حيث تزود النبات بالماء بعيداً عن الرياح وسرعتها، ويقلل استخدام الطاقة ويزيد من كفاءة الإنتاج بنسبة تتراوح بين 20% و90% ويقلل من استخدام السماد الطبيعي ويقلل من خطر الحروق الناجمة عنه، ويساعد في المحافظة على تهوية التربة.
وأضاف نل أن هذه التقنيات تفيد في تزويد النباتات بنفس كمية المياه والمواد المضافة ما يؤدي إلى نمو متماثل ويسهل عمليات ري مساحات كبيرة بكميات قليلة من المياه.
وأوضح فريدريك نل أن تقنيات الري بالتنقيط هي عبارة عن أنابيب ذات فتحات صغيرة موزعة بشكل منتظم تحت التربة لتوصيل مياه الري إلى منطقة الجذور مباشرة وعلى شكل قطرات، مؤكداً أن الري بالتنقيط يعتبر الطريقة المثلى لتوفير الماء، ويستخدم لعدد كبير من المحاصيل التي تحتاج إلى رطوبة مناسبة في التربة.
وأكد نل أن المركز يوصي المزارعين باستخدام تقنيات الري بالتنقيط تحت السطحي وذلك لتقليلها من تكاليف الأسمدة، والطاقة، ومكافحة الآفات والعمالة، كما أنه يعطي إنتاجاً مبكراً ونضوجاً موحداً وبالتالي عوائد مالية أعلى، مشيراً إلى أن هذه التقنيات يتم استخدامها في المزارع النموذجية والتي من خلالها يتم تعريف المزارعين بمزاياها وفوائدها للمنتج الزراعي.
وللحصول على أفضل النتائج في الري، أوصى نل بالحفاظ على شبكة الري بإجراء صيانة دورية لشبكات الري، ووقف التسرب الذي قد يحدث في الشبكات.