دخل المستشفى مريضاً بالزكام ليخرج مصاباً بالشلل!
عندما تتفاقم مشكلات التشخيص الطبي، وتصبح المشافي سبباً للأمراض وليس علاجاً لها، وينتج عن أخطاء التشخيص مضاعفات تودي بحياة المريض·· فلابد من وقف حول المسؤولية الطبية، لوضع حد لهذه المآسي الإنسانية التي حولت الأسرة البيضاء في بعض العيادات والمستشفيات إلى دراما سوداء!!·
فمن يصدق أن شاباً أُصيب بالزكام فعالجه أحد مستشفيات الشارقة بإبرة خاطئة أدت إلى الشلل التام!!، ومن يصدق أن مريضاً طالما أكد له المستشفى إصابته بقرحة المعدة، ليكتشف في تايلاند أن قرحة المعدة تشخيص خاطئ، وأنه مصاب بسرطان القولون، لتجرى له العملية ويموت دون محاسبة أحد!!·
وأصبح الواقع أغرب من الخيال عندما تقوم الممرضة بمخالفة تعليمات الطبيب تعطي المريض دواءً مخدراً 15 يوماً، بالرغم من تشديد الطبيب بأن الدواء لا يعطى أكثر من 3 أيام، لكنها فعلت!!، لتصبح جرائم ملائكة الرحمة أشد فتكاً من الجناة العاديين!·
وتأخذ الدراما ''المأساوية'' بعداً آخر حينما يتم تشخيص نزف الدم من الأنف على أنه إصابة بمرض سرطان الدم''·؟!! فكثيرون منا عاشوا لحظات الموت بسبب إهمال ممن يفترض فيهم المساعدة على الحياة، والبعض الآخر سجنه الأطباء داخل الأوهام والأفكار وانتظار لحظة الرحيل، لتصبح أخطاء الأطباء في التشخيص ظاهرة تطفو من حين لآخر!· ويكتمل المشهد ''المأساوي'' بقصة طبيب القطاع الخاص الذي ادعى أن المريض يحتاج إلى عملية جراحية بالقلب، للحصول على مبلغ كبير، مما جعل المريض يقترض من البنك، وكان الفقر سبباً في إنقاذه من الموت في المستشفى الخاص والموت البطيء في سداد القرض، حيث اضطر إلى إعادة الفحص بمستشفى حكومي ليكتشف أنه سليم غير مصاب بشيء!!·
وهناك كثير من القصص الواقعية أبطالها أطباء وضحاياها مرضى وأصحاء ذهبوا إلى المستشفيات من أجل الدواء، إلا أنهم أُصيبوا بالداء بدلاً من الحصول على الدواء !!، فمن يحاسب الجناة وينقذ الضحايا القادمين، بدلاً من السفر إلى تايلاند لتصحيح الأخطاء، حيث أشارت آخر التقارير إلى أن 75% من المواطنين الذين عولجوا بتايلاند العام الماضي والبالغ عددهم 65 ألفاً، كان هدفهم تصحيح أخطاء التشخيصات الطبية التي حدثت لهم!·
نماذج من الضحايا
وهناك نماذج عديدة لتشخصيات طبية متهورة خاطئة أودت بحياة الكثيرين·· تحكي أم حمدان قصة ابنها المرحوم حميد، الذي توفي وهو في ريعان شبابه ''30 عاماً'' قائلة: ''كان ابني يشتكي من آلام في البطن بشكل مستمر، وذهب إلى أحد المستشفيات بدبي وقالوا له: (مافيك شيء)، وحصل على أدوية مهدئة وبعدها بأيام راجع المستشفى وشخصوا المرض بأنه قرحة في المعدة، كل هذه الاحتمالات دون فحص بالمنظار أو إجراء تحاليل وهكذا إلى أن قرر المغادرة إلى المستشفى الأميركي في بانكوك، وهناك اكتشف الطامة الكبرى - بعد إجرائه التحاليل والأشعة والمنظار- قالوا له: عندك سرطان في القولون، وتم استئصال السرطان، ثم توفي ابني في تايلاند، بسبب الخطأ في التشخيص الأول، مما أدى إلى تفاقم حالته، فمن أحاسب ؟!''·
الممرضة تفعل ما تشاء
وتروي مريم حكاية ابن أختها، الذي أجرى له أحد المستشفيات عملية في رجله، وأكد المستشفى أن العملية نجحت وصار على ما يرام، وبعد عدة أيام قال المستشفى إن المريض بحاجة إلى عمليه أخرى، فوافقنا وقلنا المستشفى أدرى بمصلحة المريض، وتم إجراء العملية الثانية، وأيضاً أكد المستشفى أن العملية نجحت، إلا أن حالته الصحية قد تأخرت، فهو ملقى على الفراش أحياناً، وأحياناً لا يستطيع النوم، ويهذي بكلام غير مفهوم متصبباً عرقاً، وبسؤال إدارة المستشفى، قالت إن ما يحدث له نتاج الأدوية المسكنة والمخدر، فتساءلنا لماذا يأخذ دواء يدمر صحته، فأجابوا بأن المستشفى أكد ونبه على الممرضة بإعطائه الدواء لمدة 3 أيام فقط، لكن ''الممرضة أعطته الدواء لمدة 15 يوماً''··!!
وأضافت: ''ان الأسرة اضطرت لعلاجه في الخارج، وبعد الفحوصات التي تم إجراؤها في الخارج ، اكتشفوا أن العملية الأولى فاشلة، وأنه تم وضع قطعة حديدية في رجله مما نتج عنه زيادة في الرجل المصابة أطول من رجله الأخرى، وتساءلت إدارة المستشفى الخارجي عن أسباب إعطاء المريض الأدوية والمسكنات ؟!''·
زكام أدى إلى الشلل!
أما فاطمة، فتكشف مأساة جيرانها، حيث ذهب الابن إلى أحد المستشفيات بالشارقة مصاباً بزكام وحمى، ليعالجه الطبيب بإبره خاطئة مما سبب له شللاً كاملاً··!! فمن المسؤول؟!·
صفقة لم تتم
وهذه حكاية مبسطة ومختصرة لمريض كان سيدفع ضريبة كبيرة جراء التشخيص الخاطئ، أو دفعه إلى إجراء العملية، فمن الممكن أن يصف لك الطبيب دواءً غير فعال لحالتك المرضية، أو أن يطلب منك بعض التحاليل غير الضرورية، أو أن يغالي في أجوره، هذه الحالات يمكن هضمها - وإن كان بصعوبة - لكن أن يطلب الطبيب من ذوي المريض الموافقة على إجراء عملية جراحية في القلب - وبسرعة - كون حياة المريض مهددة، فهذا الأمر لا يعد مقبولاً خصوصاً إذا كان قلب المريض سليماً· هذا ما حدث بالفعل في أحد المستشفيات الخاصة، حيث وقع المريض وذووه في حيرة من أمرهم، فالموافقة على العملية وبسرعة، يعني تأمين ممول لهذه الصفقة لتغطية نفقات العملية الطارئة، والتي تحتاج إلى قرض من أحد البنوك، مع توافر التسهيلات في الدفع؛ لأن المريض لو كتب له الشفاء بعد العملية، فإنه سيظل يعاني الديون الكبيرة جراء تلك العملية·
ولأن التكاليف المادية للعملية لم تكن متوافرة، فقد أشار أحدهم إلى أخذ رأي ثانٍ، وهذا ما حدث في أحد المستشفيات الحكومية في دبي، حيث تبين أن القلب سليم، وقد تأكد التشخيص من خلال إجراء الفحص السريري والإشعاعي والقسطرة القلبية، وخرج المريض والفرح يتطاير من عينيه من المستشفى الحكومي الذي جنبه العملية الجراحية في القلب ذات التأثيرات المادية والنفسية على حياته·
القانون في المجلس الوطني
''الاتحاد'' عرضت تفاصيل الضحايا السابقين أمام الدكتور علي شكر وكيل وزارة الصحة، ليعلن أن الوزارة انتهت من قانون الأخطاء الطبية بالتعاون مع وزارة العدل، ومن المقرر مناقشته في الجلسة الأولى للمجلس الوطني الاستشاري في دورته المقبلة، موضحاً أن قرار الإدانة والحكم يصدر من القاضي بعد الحصول على تقرير اللجنة التي يتم تشكيلها من الطب الشرعي والاستشاريين في التخصص الذي حدثت به الواقعة، ولفت إلى أنه في حالة الخطأ غير المتعمد والذي يحدث نتيجة مضاعفات العلاج، يتم علاج المريض من أموال التأمين ضد الأخطاء الطبية، مؤكداً أن الوزارة وقعت مع الأطباء والممرضين عقود التأمين ضد الأخطاء الطبية·
وشدد على التفريق بين الخطأ الطبي ومضاعفات العلاج، موضحاً أنه من المفترض أن يشرح الطبيب إلى المريض المضاعفات المتوقعة من العلاج، وفي حالة الموافقة الخطية من المريض على العلاج، لا تعتبر المضاعفات خطأ طبياً، وكذلك الدواء؛ لأن هناك حالات ليس لها علاج سوى دواء معين ومعروف بمضعفاته، كالكيماوي والإشعاعي وبعض المضادات الحيوية، مشيراً إلى أن الخطأ قد يتم من خلال مضاعفات ناتجة عن خطأ في تطبيق العلاج وليس نوعية العلاج·
وعن حالة عملية القلب السابقة أوضح أنه يجب التحقيق الفوري في مثل تلك الحالات، موضحاً أن المريض قد يكون حينما زار المستشفى كان يعاني انسداداً في الشريان ومع بذل بعض المجهود زال الانسداد، مشيراً إلى أن هناك كثيراً من الحالات بسبب مضاعفات للعلاج، منها الشلل الذي حدث في وجه المريض، نتيجة ملامسة عصب الوجه، وهو ما حدث في حالة الشلل نتيجة الإبرة الخاطئة، حيث إن ما حدث مضاعفات للعلاج وليس خطأً في العلاج·
استبانة الصحة
من جانبها، رفضت د· مريم مطر وكيل وزارة الصحة المساعد لشؤون الرعاية الصحية الأولية اعتبار فقدان التشخيص المبدئي للأطباء والأخطاء الطبية ظواهر كاملة، مشيرةً إلى عدم توافر أرقام أو حقائق ثابتة أو دراسات واستبانات تؤكد صحة تلك الظواهر، قائلة: ''إن الأخطاء التشخيصية توجد في كل دول العالم وتصل نسبة التشخيص الخطأ في بريطانيا إلى 40 %''·
وأشارت وكيلة وزارة الصحة المساعد للرعاية الصحية الأولية إلى أن الخدمات الصحية في كل بلاد العالم تحتاج إلى التطوير، واعترفت بأن مستخدمي الخدمات الصحية بمستشفيات الوزارة غير راضين عن المستوى الموجود، طبقاً لما أكدته استبانة أجرتها وزارة الصحة مؤخراً·
واقع القطاع الخاص
بدوره كشف الدكتور ميرزا الصايغ استشاري ورئيس قسم الأمراض الصدرية بالرعاية الصحية الأولية بهيئة الصحة بدبي، أن القطاع الطبي الخاص في الدولة ليس لديه الوسائل التي تمكنه من التشخيص الطبي الصحي الجيد للمرضى مما يؤدي إلى تعرض كثير من المرضى إلى أخطاء التشخيص أو تحويلهم إلى الهيئات الصحية لتقوم بتصحيح الأخطاء··!!
ورفض مقارنة الهيئات الصحية بالدولة بالقطاع الصحي الخاص، منوهاً بأن معظم القطاع الخاص لا يضم غرف عمليات قادرة على الوفاء باحتياجات المرضى، فضلاً عن احتوائها على أجهزة أشعة عادية·
وأوضح الصايغ أنه كان يقوم بتحويل المراجعين لمستشفيات الحكومة أثناء فترة عمله بالقطاع الخاص، مؤكداً أن مستشفيات الدولة أفضل بكثير، وإن كانت هناك مشكلات تكمن في المواعيد والانتظار، موضحاً أن أي شخص لا يزور المستشفى إلا عندما يشتكي من أعراض أو آلام معينة، مما يتطلب سرعة التعامل معه، كما أن هناك حالات وفاة تحدث بسبب التأخر في التعامل السريع مع الحالة، وإجراء الفحوصات كافة·
أهمية الفحص المبكر
أشارت الدكتورة هميرا بادشا، أخصائية أمراض الروماتيزم في مركز دبي للعظام والمفاصل، إلى دراسة أجراها المركز مؤخراً، كشفت أن نسبة كبيرة من المرضى لم يخضعوا للتشخيص في الوقت المناسب، كما أن بعضهم لم يكن يتلقى العلاج الملائم، مما أدى إلى إصابة العديد منهم بإعاقة أو تشوه ما، موضحةً أن الفحص المبكر وتعاطي الدواء الصحيح يلعبان دوراً أساسياً في تمكين الجسم من استعادة وظيفته الطبيعية والوقاية من الإعاقات والتشوهات، لافتةً إلى أن مركز دبي للعظام والمفاصل أطلق حملة صحية عامة ومبادرات توعية في محاولة للحد من وقوع أخطاء في التشخيص، والحيلولة دون تأخر توفير العلاج المناسب والعناية اللازمة للمريض·
وفي دراسة مقارنة لفتيحة محمد قوراري، حول مسؤولية الطبيب الجنائية في ضوء أحكام التشريع والقضاء في دولة الإمارات العربية المتحدة، أشار إلى أن مسؤولية الطبيب الجنائية تكتسب أهمية كبيرة لتعلقها بحياة الإنسان وسلامة جسمه والحفاظ على أسراره، وإذا كانت المسؤولية الطبية تقوم، في الغالب في صورتها غير ''العمدية''، من جراء الأخطاء التي يقترفها الطبيب عند ممارسته للمهنة، فإنها تقوم أيضاً، في صورتها ''العمدية''، وأضاف أن مسؤولية الطبيب غير ''العمدية'' تتطلب ضرورة إثبات توافر الخطأ الطبي مادياً كان أو فنياً، والنتيجة الإجرامية المتحققة وارتباطها سبياً بالخطأ - ومن بين تطبيقات المسؤولية عن الخطأ الطبي: أخطاء التشخيص، وأخطاء العلاج، وأخطاء التخدير، وأخطاء الجراحة -
أما مسؤولية الطبيب ''العمدية'' فتتعلق بالجرائم التي تتصل بعمله ويقترفها عن قصد، ومنها ما ورد في قانون العقوبات الاتحادي وهي: القتل إشفاقاً، وتزوير الشهادات الطبية، وإفشاء السر الطبي، ومنها أيضاً ما ورد في قانون مزاولة مهنة الطب البشري وهي: مزاولة مهنة الطب دون ترخيص، وجريمة الإجهاض·
كشفت مريم مطر عن إعداد خطة استراتيجية للتثقيف الصحي لضمان وصول المعرفة بالقضايا والمشكلات الصحية إلى مختلف فئات المجتمع، إضافة إلى الرسائل الصحية التثقيفية الموحدة التي أعدتها الوزارة لمرضى السكر، الضغط، والقلب، وغيرها من الأمراض المزمنة والمنتشرة·
أقرت إدارة الغذاء والدواء الأميركية إنتاج واستخدام أول اختبار للعاب - بدلاً من الدم - للكشف عن فيروس نقص المناعة المكتسبة ''الإيدز'' ، بعدما توصل باحثون في دراسة علمية إلى حل بديل عن الدم لإجراء التشخيص الطبي يتمثل في استخدام اللعاب بدلاً عنه·
وكان الباحثون قد اكتشفوا أن عدداً كبيراً من البروتينات يوجد في لعاب الإنسان، في دراسة لهم نشرت مؤخراً في مجلة ''أبحاث البروتينات'' الصادرة عن الجمعية الكيمائية الأميركية، التي تعد أكبر جمعية علمية في العالم، حيث قام بالدراسة فريق من كلية طب الأسنان بجامعة أوريغون للصحة للعلوم بمدينة بورتلاند برئاسة الدكتور فيليب ويلمورث·
وتأتي أهمية الاكتشاف الجديد من كون اللعاب يعد أكثر أماناً من أسلوب التشخيص المعتمد على الدم، بالإضافة إلى كونه أسلوباً سريعاً ورخيصاً، ناهيك عن البساطة والسهولة في الحصول عليه·
واكتشف الباحثون أن البروتينات الموجودة في الدم موجودة هي نفسها في اللعاب من خلال تسرب سوائل الجسم عبر اللثة·
وأكدوا أن الاكتشاف الجديد سيساهم في إنقاذ أرواح كثيرة من المرضى خاصة عندما يكون التشخيص المبكر مسألة في غاية الأهمية، كما هو الحال في بعض حالات السرطان·
ذكرت د· مريم مطر أن المرحلة المقبلة ستشهد تطوراً كبيراً في نوعية الخدمة المقدمة، حيث تصبح مراكز الرعاية الصحية الأولية البوابة التي يتعامل من خلالها المريض من خدمات الوزارة، وفي حال احتياج المراجع إلى المختصين طبقاً لحالته يتم تحويله إلى المستشفى لإتمام العلاج، كما أن الأشهر القليلة القادمة ستشهد افتتاح كثير من مراكز الرعاية الصحية بمختلف إمارات الدولة، وتوفر أطباء على مستوى عال من الخبرة والتطور والكفاءة، مشيرة إلى أن إدارة الرعاية الصحية الأولية أجرت تغييرات كبيرة خلال الفترة الماضية سواء في المديرين أو الأطباء وطريقة تقديم الخدمة للمراجعين·
لم تنكر د· مريم مطر عدم الثقة بين المراجعين والمؤسسات الطبية، وأن الخدمات الموجودة ليست على القدر المطلوب، لافتة إلى أن المواطن يسافر إلى الخارج من أجل العلاج بسبب سرعة إنجاز الخدمات بالمستشفيات الخارجية، موضحة أن انخفاض نسبة الأمراض المعدية، يؤكد ارتقاء الخدمات الصحية والأساسية خاصة خدمات الأمومة والطفولة·
وألقت باللوم على الأطباء والكادر الطبي، مطالبةً بضرورة رفع المستوى المهني والتعليمي لزرع الثقة بين الطبيب والمريض، كما أن تعديل الكادر سيساهم في تحسين الخدمة الصحية·
المصدر: دبي