محمـد أبـو الفضـل:
كانـت أحد أمنيات كثير من القوى المحلية والإقليمية والدولية ، أن تتخلى حركة حماس الفلسطينية عن ممانعاتها وتقبل المشاركة السياسية داخل أطر السلطة الوطنية ، التي تشكلت وسط حالة من الاعتراض على آلياتهـا، عبرت عنها الحركة بأدوات متعددة وفي مواقف متباينة ، وأعلت السلطة وإسرائيل وعدد من الأطراف المهتمـة بالتسوية من شأن هذه المشاركة الى حد القيمـة الاستراتيجية ، ونظرت إليها بعض الدوائر باعتبارها الوسيلة التي يمكن من خلالها إغلاق باب الجهاد والمقاومة ، التي كبدّت إسرائيل مجموعة كبيرة من الخسائر المادية والمعنوية ، وأحرجت بموجبها بعض الدوائر الخارجية ، التي قبلت الحوار المباشر معها أو عبر وسطاء ، وبعد فترة من التجاذبات وعقب خلافات طويلة ومراوحات واسعة قامت حماس بإعادة تقويم تصورتها على الأرض ، وفقا للتطورات الجديدة على الساحتين الإقليمية والدولية ، ووصلت إلى اقتناع بضرورة الانفتاح والقبول بمشاركة سياسية محسوبة ، واستغلت البوادر الإيجابية التى استهل بها أبـو مازن فترة رئاسته للسلطة الفلسطينية ·
والشاهـد أن هذه القراءة عززت توجهات الرئيس محمود عباس ودعمت برنامجه وساندت تصرفاته في مجال إرساء قواعد الديمقراطية على أساس تنافسي حـر ، يضمن لكافة الأطراف ممارسة سياسية متساوية ، وأرسل اتجاه حماس الجديد وتطلعها الى مشاركة متوازية عدة إشارات لجهات مختلفة ، جميعها تؤكد اقتراب هضم الحركة وهياكلها داخل القنوات السياسية ، ما يؤدي إلى التخلي عن سلاح المقاومة في المستقبل ، لكن يبدو أن النتائج جاءت أقل بكثير من التوقعات ، فنجاح حماس في الاختبارات السياسية التي دخلتها وتمسكها بسلاحها لأسباب موضوعية وإجهاضها لكل محاولات جرها إلى تراشقات مضنية مع القوى الأخرى ، أثار تساؤلات وتكهنات متفرقة، وبدأت الأوساط التي استبشرت خيرا بانخراط حماس في العملية السياسية تزداد قلقا ، وتتمنى عودتها إلى المربع الأول من التوجهات الشائكـة ·
مؤشرات نضج سياسي
يمكــن تشريح هذه النتيجة من خلال التركيز على بعض التطورات السياسية ، التي انطوت على تفسيرات دقيقة لعدد من الإجراءات ، نجحت حماس في التعامل مع مضامينها وتخطي عراقيلها ، ففي هذا السياق ارتسمت على خطواتها حنكة عميقة ، تجلت قسماتها في قدرة قياداتها وكوادرها على الانضباط في الممارسة السياسية وعدم الانجرار وراء بعض المماحكات ، بما خالف كل التحليلات التي ذهبت إلى أن خبرتها لن تساعدها في تجاوز عقبات هذا الفضاء ، وسيؤدي افتقارها للممارسات العملية الى تخبط تحركاتها وكشف عوراتها السياسية ، بصورة قد تؤدي إلى فتنة داخل أوساطها تقضي على الحركة وتوجهاتها ، وجرى تمتين الحنكة بالتناغم الواضح في أدوار القيادات ' في الداخل والخارج' والقواعد ، وعدم ظهور أصوات تشذ عن الخطوط التي ترسمها بعناية ·
وتبددت مكونات هذه السياسة في الانتخابات البلدية التي جرت على ثلاث مراحل في الضفة الغربية وقطاع غزة ،وحققت فيها الحركة نجاحات لافتة في مدن وقرى كان من المعروف أنها من المعاقل الرئيسية لفتح ، وهو ما كشف عن شيء من التوازن النسبي بين القوتين لم يكن متوقعا ، على حساب انحسار دور اليسار الفلسطيني ، بشكل فتح شهية حماس للانتخابات التشريعية وأثار هواجس قوى مختلفة ، خشية تكرار مشهد التراجع في الانتخابات البلدية ، فحماس التي رفضت المشاركة في الانتخابات الرئاسية بمرشح لها وحققت مكاسب كبيرة في البلدية ، يمكن أن تكتسح في التشريعية ، ومن ثم تتحكم في بعض مفاصل القرار الفلسطيني دون أن تتخلى عن ثوابتها ، فلا تزال تتمسك بخطوطها الحمراء في عدد من القضايا المصيرية ، وتحتفظ بسلاح المقاومة وتستخدمه ضد قوات الاحتلال ، عندما تخرق الهدنة التي وافقت عليها حماس في حوارات القاهرة ، في الوقت الذي لم تتمكن فيـه حركة فتح من إعادة التوازن لتصوراتها ، وتؤكد أنها اللاعب السياسي المحوري في الأراضي الفلسطينية ، وفشلت إسرائيل في اصطياد الذرائع التي تستخدمها لإجهاض الصعود الظاهر لحماس·
والحاصل أن الصورة السياسية الناصعة لحماس أدت إلى ردود أفعال سلبية عند كثير من الأطراف والقوى المعنية ، فعلى الصعيد الفلسطيني تزايدت الأصوات المطالبة بتأجيل الانتخابات التشريعية لأسباب فنية مختلفة ، حيث تدل غالبية المؤشرات على عدم استبعاد حصول حماس على مقاعد كثيرة من الراجح أن تؤثر في قرارات السلطة الفلسطينية ،بما يلقي بظلاله على حركتها السياسية ، وبرغم رفض الرئيس أبـو مازن فكرة التأجيل ، إلا أن التحركات الجارية قد تخلق واقعا يفرض التأجيل لدواع أمنية ، مع تحمل ما تنطـوي عليه من حساسيات بين فتح وحماس ، ولعل الطعون التي ظهرت عقب الجولة الأخيرة من الانتخابات البلدية في الخامس من مايو الجاري تؤكد هذا المنحى ، لاسيما أن نتائج الطعون تشكك في نجاحات حماس ، ففي السابع عشر من هذا الشهر ألغت (جزئيا) محكمة فلسطينية الانتخابات البلدية في رفح التي فازت فيها حماس بالأغلبية ، وفي التاسع عشر من مايو أيضا قررت محكمتان إلغاء (جزئيا) للانتخابات في بلدتي البريـج وبيت لاهيا ( شمال غزة ) اللتين فازت فيهما حماس ، ولا غضاضة في مسألة الطعون وهي معروفة في كل انتخابات ، غير أنها في هذه المرة جاءت مصحوبة باحتقانات ومشحونة بخلافات ومليئة باعتراضات يمكن أن تؤثر على جوهر العملية الانتخابية ·
قراءة إقليمية ودولية
إسرائيليـا ، ارتفعت وتيرة الضغوط على السلطة الفلسطينية لحضها على التدخل بوسائل سياسية وأدوات أمنية تحول دون زيادة صعود حماس في الشارع الفلسطيني حسب العملية الديمقراطية ، التي طالما نادت بها حكومات اسرائيل المتعاقبة واعتبرتها شرطا جوهريا لأي حوارات أو تفاهمات مع الجانب الفلسطيني ، وقد وصلت الاعتراضات الى حد اقتراح سليفان شالوم وزير الخارجية إلغاء فكرة فك الارتباط ، إذ اتضح أن حماس ستفوز في الانتخابات البرلمانية المقبلة ، وقبل أيام اعترف يوفال ديسكين رئيس جهاز المخابرات العامة ( شاباك) أن اسرائيل ستواجه صعوبات في تنفيذ سياسة الاغتيالات ضد حركة 'حماس السياسية ' ، وقال لن يكون سهلا اغتيال قادة الحركة السياسيين لانعدام التبريرات ، بكلام آخر أضر الانضباط الذي كان شعار حماس طوال الأسابيع الماضية بمصالح إسرائيل، عكس ما هو متوقع ، إذ وضع الاتجاه السياسي للحركة قيودا على ممارسات قوات الاحتلال ، لذلك فإن افتعالها لمجموعة من الذرائع العسكرية له أسبابه التكتيكية ، ويكشف عن تعمد واضح في العودة الى بـؤر التوتر السابقة ، فالمواجهات تمثل أهم روافد التغذية ، لتتنصل إسرائيل من أي التزامات سياسية، وتشير الى صعوبة العمل فى اجواء التهدئة التي لم تتأقلم على الحياة وسطها ·
وعلى الصعيد الأمريكي ، كانت أبرز الاتهامات الموجهة الى الرئيس الراحل ياسر عرفات أنه لا يعمل تماما لإرساء قواعد الديمقراطية وأن انفراده بالسلطة الفلسطينية وقراراتها يعتبر سببا مهما للانسداد الواضح في المفاوضات السياسية ، وأن لجوء القوى الفلسطينية المعارضة لخيار المقاومة دليل على افتقارها لرؤى سياسية ناضجة وعدم قدرتها على التعايش في مناخ تعددي ، وعندما بدأ محمود عباس يمهد الطريق لتنفيذ المطالب الأمريكية ويتخذ خطوات حقيقة تعكس رغبته في الانفتاح السياسي على القوى الأخرى ، اتسع نطاق الضغوط الواقعة عليه لحضـه على خوض مواجهة غير مضمونة النتائح مع المقاومة بغرض تصفيتها ، وعندما فهمت الأخيرة ما يحاك لها من قبل دوائر خارجية انخرطت في العملية السياسية وتنازلت عن بعض تصوراتها ، وأثبتت نجاحا واضحا وأكدت حضورها في الشارع الفلسطيني بوسائل ديمقراطية ، لكن الحصيلة النهائية لم ترض عنها إسرائيل ولا الولايات المتحدة واقترحت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية تأجيل الانتخابات التشريعية إلى ما بعد تطبيق الإصلاحات في السلطة الفلسطينية ، الأمر الذي يتناقض مع حسابات واشنطن في بقاع أخرى ، حيث تصر على إجراء انتخابات نزيهة دون إبطاء أو تلمس لأعذار ، وتكشف هذه الانتقائية اتساع حجم الضغوط التي تواجهها حماس التي قد تدفعها في النهاية إلى التركيز على المقاومة ، حتى تكون أداة لتكاتف الجهود وتضافر الضغوط للنيل منها ·
وعلى الصعيد الإقليمي ، ضاقت بعض الدول من ملامح النضج السياسي الذي أظهرته حماس في تصرفاتها، وفي ظل غياب القوى المنافسة للتيار الاسلامي في معظم دول الجوار أضحت هناك حالة من الارتباك ، فالنموذج الفلسطيني يعزز من وجود هذا التيار ، ويدفع الأنظمة التي ترفض الاعتراف بشرعيته إلى مراجعة قرارها، ما يعني تقديم اجتهادات تفتح الطريق لانخراطه مباشرة في العملية السياسية، ولصعوبة هذا الخيار أو حساسيته في الوقت الراهن على الأقل ، تجد هذه الأنظمة مصلحتها الآنية في عودة حماس العسكرية الى الواجهة ، فربما تكون التكلفة السياسية الناتجة عن هذا التوجه باهظة ، لكنها تظل في تداعياتها على الأنظمة أقل من الخيار السياسي ·
وعلى ضوء هذه المعطيات يمكن التوقف عند خمس مفارقات ، تستنتج من رحم مناخ التهدئة الذي ساد في الأسابيع الماضية ، قبل مؤشرات العودة إلى المواجهات الأخيرة ، الأولى وجود رأي عام فلسطيني يضغط لفض التهدئة لأنها لم تحقق أهدافها ، بينما لم يظهر رأي عام داخل إسرائيل يدفـع للحفاظ عليها ، والثانية عدم حدوث تغيرات عملية في أنماط تفكير ارئيل شارون إزاء القضية الفلسطينية في حين نجح في تطوير علاقاته مع بعض الدول العربية ، والثالثة ربط إسرائيل المفاوضات مع السلطة الفلسطينية بالتقدم في المجال الديمقراطي ، وعندما بدأت تجلياتها تتزايد لم تقدم اسرائيل على خطوات حقيقية ، سواء على مستوى المفاوضات النهائية أو حتى بالنسبة لتنفيذ خطة الانسحاب الأحادية من غزة ، وكل ما حصل مزيد من المناورات لخلق واقع يصعب تغييره ، والرابعة التهدئة الفلسطينية أنعشت الاقتصاد الاسرائيلي ، لكنها أفضت إلى حزمة من الخسائر السياسية المقلقة ، والخامسة هشاشة ما يتردد حول حوار الولايات المتحدة مع القوى الإسلامية ورغبتها في صهرها داخل بوتقة سياسية، فقد فشلت واشنطن في التدليل على توجهاتها من خلال عدم تقبلها لمشاركة حماس السياسية ·
ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة