لأبي تمام قصيدة مطلعها: ''لا أنت أنت ولا الديار ديار خَفَّ الهوى وتولت الأوطار'' ولعل قارئ هذا البيت سيلتفت إلى بعده الإنساني، الضارب عميقاً في التقاليد الشعرية العربية القديمة، ولاسيما في شطره الأول· لم يزر أبوتمام الشآمي -فيما نعرفه من حياته- الأندلس، لكن أشعاره زارتها باكراً، فلقد اتصل به نفر من أهلها ونقلوا ما سمعوه منها معهم، إبان القرن الثالث الهجري، غير أن تأثيره الواضح سيتبدى في القرن الرابع، وسينعكس فيه منهجه الجديد، وخبئ ما جاده من معان، على مريديه من الشعراء· ليس عجيباً إذا أن يحتفي به شاعر أندلسي كبير متأخر كابن خفاجة، فيضمن أحد أبيات مُقطَّعة له في رثاء بلنسية شطر بيته آنف الذكر يقول: عاثت بساحتك العدا يا دار فإذا تردّد في جنابك ناظر أرض تقاذفت الخطوب بأهلها كتبت يد الحدثان في عرصاتها ذومحا محاسنك البلى والنار طال اعتبار فيك واستعبار وتمخضت بخرابها الأقدار ''لا أنتِ أنتِ ولا الديار ديار وجلىٌّ أن ابن خفاجة قد استثمر شطر أبي تمام في الإشارة إلى حادثة سقوط بلنسية على يد الـ''سيد'' ىل، وما أضافه السياق الجديد، أن ابن خفاجة يخاطب في شطر البيت المضمّن المدينةَ المنكوبة، بخلاف مخاطبة الشاعر ذاته في قصيدة أبي تمام· وإذا كان الشعر قادراً، كما البشر، أن يرحل عبر المكان من الشرق إلى الغرب، أو من الشام والعراق ومصر، وذاك نطاق حركة أبي تمام في المكان، إلى الأندلس، فإنه قادر كذلك على تجاوز الزمان، ليرحل من أندلس ابن خفاجة، زمن المرابطين، إلى أسبانيا لوركا الحديثة، فقصيدة الأخير ذائعة الصيت ''أغنية جوالة في أثناء النوم'' Somnambular Ballad تورد في أحد مقاطعها الآتي: ''لو كان الأمر بيدي يا فتى لأتممنا هذه الصفقة ولكني لم أعد أنا وبيتي لم يعد بيتي'' ومن الواضح أن شطر البيت، موضع الاهتمام، ماثل هنا بقوة· فكيف تأتى للوركا، الذي يجهل العربية، التعرف إليه؟ يبدو أن لوركا قد قرأه مترجماً عبر وساطة شعرية اضطلعت بها أبيات ابن خفاجة السابقة، فجيمس مونرو James Monroe يرجح وقوع لوركا على ترجمة خوان فاليرا Juan Valera لقصيدة ابن خفاجة، وثمة ترجمتان محتملتان أخريان لأنطونيو ماتشادو ألفريز Antonio Machado Alvarez، ومالو دي مولينا حفٌُ لم حٌُىَف، ربما اطلع عليهما لوركا· ومن الجدير بالذكر أن إمكانية التأثر تلك واردة، ذلك أن المعنى الشعري للشطر عابر للغات، فهو غير قائم على خصوصية لغوية، فحسب، وإنما ينبع الشعر من مضمونه الذي استطاع النفاذ إلى قصيدة لوركا، التي استقطبت بدورها النقاد والشعراء في العالم أجمع، والعرب ليسوا استثناء هنا· فقصيدة لوركا ذات الأجواء السوريالية تتحدث عن فتاة غجرية توصف بأنها خضراء، وأن عينيها من فضة باردة، وهي تنتظر على الشرفة في البداية، ونستمع في البيت الخامس والعشرين إلى صوت ثان غير الذي ابتدأت به القصيدة، وهو يشتبك مع صوت ثالث، ومن محتوى المحادثة بين الصوت الثاني والثالث يعي القارئ أن الصوتين لشاب غجري ولوالد الفتاة الموصوفة في البداية· يحاول الشاب أن يستبدل حياة الشتات التي يعيشها بأخرى مستقرّة، فهو جريح وطريد، لكن والد الفتاة يؤكد أنه عاجز عن تلبية مطلب الشاب، رادّاً عليه بأنه لم يعد الشخص ذاته وبيته لم يعد بيته· ونعلم من بقية القصيدة أن الشاب لم يأت في الوقت المناسب لإنقاذ الفتاة التي انتظرته، وأنها ماتت قبل وصوله، وهذا سبب حزن والدها وشعوره بالضياع· وإذا انتقلنا إلى رحلة ''الشطر'' الأخيرة، أو بالإمكان القول عودته إلى حيث بدأ، فإننا سنراه في تصدير محمود درويش لديوانه ''لا تعتذر عمّا فعلت''، يقول فيه: ''توارد خواطر، أو توارد مصائر: لا أنت أنت ولا الديار ديار (أبو تمام) والآن، لا أنا أنا، ولا البيت بيتي (لوركا)''· وعلى الرغم من فتور علاقة درويش بشعر أبي تمام، كما يعلن في بعض حواراته، ذلك أنه يفضل عليه كثيراً من الشعراء القدامى، فلقد استوقفه معنى الشطر، وما أميل إليه أنه تفاجأ به لدى أبي تمام، دون أن أجزم، لأنه استذكره لدى لوركا، الذي قرأه باكراً، وتأثر به؛ فهو لا يفتأ يمتدحه كلما ذكر، ويعده من مصادره·