كرم مهرجان القاهرة الدولي لموسيقى الجاز في افتتاح دورته الثانية بساقية الصاوي بالقاهرة مساء الخميس الماضي الموسيقار اللبناني زياد الرحباني ضيف شرف المهرجان حيث أهدى المهندس محمد الصاوي رئيس الساقية والفنان عمرو صلاح رئيس المهرجان درع التكريم للرحباني. وقدم زياد الرحباني وفرقته مجموعة من المقطوعات الموسيقية الشهيرة بدأها «بالعقل زينه ونزل السرور وأبوعلي» ثم قدمت المطربة السورية منال التي شدت بأغنية «معلومات مش اكيدة» التي غنتها المطربة لطيفة من ألحانه كما قدم المطرب هاني عادل رئيس فرقة وسط البلد الذي أدى مجموعة من أغنيات زياد الشهيرة منها «تلفن عياش» و»تتذكر» و«لا شيء» وذلك في حضور أكثر من عشرة آلاف شخص استقبلوه بحفاوة بالغة في أول زيارة له لمصر. تمنيت زيارة القاهرة وقال زياد الرحباني عقب تكريمه: لا تسألوني عن سبب عدم حضوري لمصر من قبل لأنني لم أتلق أي دعوة من أي جهة رسمية وعلى مدى مشواري الفني تمنيت زيارة القاهرة خاصة وأنني عاشق للفن المصري ورموزه والعرض الوحيد الذي تلقيته كان عام 1998 لكنه لم يكن جدياً لهذا تغمرني سعادة كبيرة حالياً بوجودي في هذا البلد الذي ولد فيه موسيقار كبير بحجم سيد درويش الذي تربطني به علاقة فنية وثيقة وأذكر أنني عندما أعدت توزيع لحنه الشهير «أهو ده اللي صار» وغنته فيروز في حفل بإحدى الدول الأوروبية، سألني موسيقار عالمي عن ملحن أغنية «أهو ده اللي صار» فذكرت له أنه ملحن مصري، فأبدى إعجابه بهذا الموسيقار الكبير وعندما علم أنه مات من سنين طويلة زاد إعجابه به ووصفه بالعبقري. ونفى زياد الرحباني أن يكون وراء عدم زيارته للقاهرة من قبل أي مانع سياسي وقال أنا مستغرب عدم الزيارة ولعل هذا الحفل بداية لزيارات أخرى. وأكد أن حفله لن يشبع جمهوره لأن مهما قدم فلن يستطيع تقديم كل ما يحلم به للمحبين له ولأعماله، خاصة أن مدة الحفل مهما طالت فإنها قصيرة ولابد من حفلات كثيرة وهذا ما تعهد به في الأيام القادمة. وأشار إلى أن فترة السبعينيات من القرن الماضي وحتى منتصف الثمانينيات شهدت تجارب مهمة في مجال الموسيقى أو الغناء مثل تجربة محمد منير ويحيى خليل وعمر خيرت وغيرهم، لكن الحال انحدر بعد هذه الفترة حتى وصلنا إلى ما نحن فيه من تحكم شركات الموسيقى في الذوق الغنائي. وأوضح أنه لم يحتكر فيروز وهي أيضاً لم تحتكره بدليل أنه لحن لمطربين كثيرين في الفترة الأخيرة مثل لطيفة وسلمى المصري، ومن قبل المطرب الراحل جوزيف صقر. وعن العلاقة الفنية بينه وبين والدته فيروز قال: فيروز موسوسة جداً ولا ترضى بأي لحن لأنها تعاونت مع الأخوين رحباني وقدما لها أشكالا فنية كثيرة ورائعة لهذا أتعب معها حتى تقتنع بما أقدمه وأحيانا يأخذ اللحن خمس أو ست سنوات حتى تقتنع به وأذكر أن أحد الألحان أخذ عشرين سنة ولم تغنه وعندما ظهر بصوت لطيفة نال إعجابها وتمنت غناءه. ألبوم على نفقة فيروز وقال زياد إن الأيام القادمة ستشهد طرح ألبوم غنائي من تلحينه وغناء جارة القمر فيروز التي قامت بإنتاج هذا الألبوم على نفقتها الخاصة لأن العروض التي قدمت لها من قبل شركات الكاسيت لم ترض طموحها الفني. وأعلن أنه لم يقدم فقط موسيقى الجاز التي تعتبر العنصر الرئيسي في مهرجان الجاز ولكنه قدم كل الألوان الموسيقية. والمعروف ان زياد الرحباني ولد في 1 يناير 1956ووالدته هي المطربة الكبيرة فيروز ذات الشهرة العالمية ووالده عاصي الرحباني أحد الأخوين رحباني الرواد في الموسيقى والمسرح اللبناني. وكان الأبوان مشهورين وموهوبين، ولم يظنا أن مولودهما، سيتحول إلى شخصية مثيرة للجدل في عصره من خلال موسيقاه وشعره ومسرحياته، وقد اعتاد الرحباني الصغير أن يقطع واجباته المدرسية حين يسأله والده عن مقطوعاته. فقد كان عاصي يسأل زياد دائما عن كل لحن جديد يقوم به، إن كان جميلاً أم لا وكان زياد يتوقف، في عمر ست سنوات عن كتابة واجبات المدرسة ليحكم على لحن كتبه والده، وليرى ما كان ينقصه. وكان زياد يدندن لحناً انتهى إلى أذن عاصي، الذي سأل ابنه: «أين سمعت هذا اللحن من قبل؟، فكانت إجابة الصغير: «لم أسمعه مطلقاً، بل هو يتردد في ذهني منذ حين. حينها فقط أدرك عاصي الموهبة الموسيقية لابنه». تاريخ كبير أول أعمال زياد لم يكن عملاً موسيقياً، بل كانت أعمالاً شعرية بعنوان «صديقي» كتبها بين عامي 1967 و1968. هذه الأعمال التي كانت تنبئ بولادة شاعر مهم، لولا انه اختار الموسيقى فيما بعد، في عمر السابعة عشرة، أي في عام 1973 تحديداً، حيث قدم أول لحن لوالدته فيروز. كان والده عاصي حينها في المستشفى، كان مقرراً لفيروز أن تلعب الدور الرئيسي في مسرحية «المحطة» للأخوين رحباني. ولهذا كتب منصور «أحد الأخوين رحباني» كلمات أغنية تعبر فيها فيروز عن غياب عاصي لتغنيها في المسرحية، وألقى بمهمة تلحينها على زياد وكانت تلك أغنية «سألوني الناس» والتي تقول: سألوني الناس عنك يا حبيبي. كتبوا المكاتيب وأخدها الهوا. ولقيت تلك الأغنية نجاحاً كبيراً، ودهش الجمهور للرصانة الموسيقية لابن السابعة عشرة، وقدرته على إخراج لحن يضاهي ألحان والده، ولو انه قريب من المدرسة الرحبانية في التأليف الموسيقي. وكان أول ظهور لزياد على المسرح في المسرحية ذاتها أي «المحطة»، حيث لعب فيها دور الشرطي. كما ظهر بعدها في «ميس الريم» بدور الشرطي أيضاً والذي يسأل فيروز عن اسمها الأول والأخير، وعن ضيعتها في حوار ملحن. وفي ذات المسرحية، قام زياد بكتابة موسيقى المقدمة، والتي أذهلت الجمهور بالإيقاع الموسيقي الجديد الذي يدخله هذا الشاب على مسرحيات والده وعمه. وطلبت إحدى الفرق المسرحية اللبنانية التي كانت تقوم بإعادة تمثيل مسرحيات الأخوين رحباني، وتضم مادونا، المغنية الاستعراضية التي كانت تمثل دور فيروز في تلك المسرحيات، من زياد أن تقوم ولو لمرة واحدة على الأقل، بتمثيل مسرحية أصلية، بنص جديد، وأغان جديدة، وبقصة جديدة، وكان جواب زياد ايجابياً، واستلم تلك المهمة، وكتب أولى مسرحياته «سهرية»، وسارت تلك المسرحية على شكل مسرحيات الأخوين رحباني وتعاملت تماماً مع مقولاتها فكانت كما يصف زياد «حفلة أغان» لا أهمية للقصة فيها بقدر ما هو مهم استمرار الأحداث كوسيلة لتمرير المقطوعات والأغاني. بعدها توالت المسرحيات، ولكن بأسلوب مختلف عن السابق «الرحباني» حيث اتخذت مسرحيات زياد الشكل السياسي الواقعي، الذي يمس حياة الشعب اليومية، بعد أن كانت مسرحيات الأخوين رحباني تغوص في المثالية وتبتعد قدر الإمكان عن الواقع، ويعيش فيها المشاهد خيالاً آخر وعالماً آخر وهذا ما لم يقبله زياد لجمهوره وخاصة أن الحرب الأهلية كانت قد بدأت.