جمعية نسائية··· تفقد دمشق علمانيتها
إذا شاهدت امرأة ترتدي بالطو كاكي أو كحلي غامق وحجاباً للرأس أبيض أو كحلي، وتحت البالطو تنورة زرقاء وقميص أبيض، وجوارب سميكة وحذاء اسود بدون كعب، فاعلم أنك من المحظوظين برؤيتك لأحد أسرار دمشق!
في الشوارع، البيوت والمدارس، في كل مكان بالشام يتواجدن، لكنك لا تراهن، متشحات بالأزرق الغامق والأسود والأبيض، قريبات جداً منك، لكنك لن تستطيع إمساكهن، بطرفة عين يتلاشين، أولئك هن القبيسيات، اللواتي اكتسبن اسمهن من مؤسسة الحركة الشيخة ''منيرة القبيسي'' بدمشق، يبلغ عددهن -حسب مصادر إعلامية- 75 ألف مريدة، ويتسم نشاطهن الديني (الدعوي) بالسرية الشديدة، أما نشاطهن الاجتماعي (التربوي) فيمارس علانية عبر مدارس خاصة ابتدائية للفتيات ومعاهد تربوية وجمعيات خيرية إسلامية· تثير القبيسيات جدلاً واسعاً في الفضاء السوري الداخلي والخارجي، بين رجال الدين والسلطة، فمنهم من يدعي عدم وجودهن، أو التقليل من قوَّتهن في المجتمع، ومنهم من يكفرهن، وآخرون يحذرون منهن، والفقراء لا يعرفون عنهن شيئاً· عبر نافذة سيارة الأجرة التي كانت تقلني من احد أطراف ريف دمشق إلى وسط البلدة، سألت السائق -مشيرة إلى امرأة تسير في الشارع- ''هل هذه قبيسية''، أجاب باستغراب ''شو يعني قبيسية؟''، وعندما بدأت أشرح له، أسكتني برده: ''كل هادي إشاعات من أعدائنا، هي مؤامرة على بلدنا، الله يحفظ بلدنا''·
في إحدى الجمعيات النسائية في حي ''السيدة زينب'' في أطراف دمشق، كانت زهيرة -32 عاماً، موظفة الإدارية- ترتدي بالطو كحلي غامق وحجاباً أبيض، بادرت بالحديث معها عن لباسها الذي يشبه لباس القبيسات، قالت: ''أسمع عنهن، لكني لم أر أياً منهن طيلة حياتي، رغم أني محجبة وأسكن في حي متدين جداً، وأواظب على الاستماع إلى الدروس الدينية، أتصور أنها قصص خيالية، كالحكايات الشعبية والأساطير''·
''كلما قلت المعرفة، اتسعت الأساطير والحكايات الشعبية''، بهذه الحكمة الساخرة، جاء رد أبو ثائر العطار في احد أزقة سوق الحميدية، 45 عاماً قضاها العجوز بين أعشابه وبذوره في دكانه الصغير، يبيع عطارته للنساء، ويقدم وصفات طبية من الأعشاب يداوي الأمراض المختلفة، ضاحكاً ''كأنها موضة، كعودة الطب الشعبي من جديد منذ سنوات، عاد الحجاب أيضاً والتدين، الجميع أصبح متديناً، والجميع يذهب للجامع ويصلي، يا سيدتي·· الدين في القلب لا في اللباس''·
زادت الإجابات عن القبيسيات من حيرتي وارتباكي، تملكني شعور غريب يرفض ما سبق على أنه أساطير وحكايات شعبية مختلقة· وفي احد المطاعم الفاخرة في حي الرمانة بدمشق، جلست برفقة بعض المعارف من الشريحة العليا في المجتمع، وتحدثنا في أمور مختلفة، إلا أن ظاهرة القبيسيات ظلت تؤرقني، وخوفي من خيبة الأمل، جعلتني أتراجع مرات عدة، قبل أن أباغتهم بسؤالي: من هن القبيسات؟ امتلأت وجوههم بالإجابات، حينها علمت أني أتجه بالسؤال لمن لديهم معرفة مباشرة عن طريق التجربة أو بطرق غير مباشرة·
''لي تجربة شخصية مع القبيسات'' هكذا بدأت يارا -23 عاماً، طالبة جامعية- قالت: ''أثناء دراستي للبكالوريا (الثانوية)، التحقت بمعهد لتدريس اللغة الإنجليزية، كانت صاحبته إحدى القبيسات، كانت الطالبات يقدسن ''الآنسة'' مديرة المعهد، ويتحدثن إليها مطأطآت الرؤوس، لا يعارضنها مطلقاً في أي أمر لها، كنَّ أشبه بالمنومات مغناطيسياً في حضرتها، كانت العديد من المنتميات إلى المعهد يرتدين بالطو كاكي وحجاباً ابيض أشبه بزي رسمي للمعهد، فيما الأخريات يلبسن تنورة واسعة وقميصاً طويلاً وحجاباً أبيض، جميعهن تقريباً من ميسوري الحال، والأسر العريقة في الشام، كما أن تكاليف المعهد باهظة لا يرتاده غير الأغنياء، حاولت بعض الفتيات الاقتراب مني ودعوتي للانضمام إلى احدى المجموعات، لكني رفضت، وتركت المعهد فور دخولي للجامعة''·
''عبرت على هذه المرحلة عندما كنت أدرس في الجامعة'' خطفت ''سهاد'' -27 عاماً سمعي بقولها: ''انتسبت إلى احدى المجموعات القبيسية في كلية الطب، ولم ترق لي طريقتهن، أهمها تقديسهن لـ''الآنسة''، لدرجة عدم قدرتهن النظر إليها، او حتى الدخول في نقاش معها''، وقالت مستأنفة حديثها: ''حضرت احد الموالد التي أقامتها المجموعة للاحتفال بتحجب بعض المنتميات، قبل بدء الحفل بحوالي ساعتين حضرت طالبات ''الآنسة''، وجهزن المكان حسب الأوامر، وبعد وصول ''الآنسة'' القبيسية، تحولن جميعهن إلى خادمات يتسابقن لكسب ودها، كنَّ يعاملنها كمقدسة، يلمسن ثوبها ويتبركن به، ويقبلن يديها لكي ينلن البركة والرضا؛ جلست ''الآنسة'' في صدر المكان وعلى جانبيها جلست امرأتان، ثم حضرت الفتيات اللواتي سيضعن الحجاب، ونزلن عند قدمي الآنسة التي قامت بوضع الحجاب على رؤوسهن، ثم قام بعضهن بخلع الحجاب وتوددن للآنسة لتضعه مرة أخرى بيديها للبركة''·
لم اكتف بما سمعت، فأسرعت بالبحث عبر شبكة الانترنت عن ''القبيسات''، فكثيراً ما ورد ذكرهن خلال علماء دين سوريين يتحدثون سلباً أو إيجاباً عنهن، فاتفق الكثير منهم على أن القبيسات ينتمين إلى الشيخة منيرة القبيسي المولودة عام ،1933 التي تتلمذت على يد مفتي الديار السورية السابق الشيخ ''أحمد كفتارو''، وتعمل هذه الجماعة منذ أربعين عاماً في سورية، وقد انتشرت خارج القطر السوري، وهن فرقة صوفية نقشبندية، ولهن مدارس ومعاهد خاصة، جميعها في مناطق الأثرياء بدمشق·
يجمع الكثيرون على أن نشاط تلك الجماعة قاصر على موسري الحال، ويحتل الثراء والذكاء كمعايير هامة في الانضمام للجماعة، كما أن السرية التامة في جميع الأمور شرط أساسي للانضمام، كما أن تقديس الشيخة أو الآنسة وعدم مناقشتها أو النظر إليها فرض واجب على كل قبيسية، كما المواظبة على الأذكار والصلوات المبتدعة، كصلاة التسابيح، وصلاة ركعتين قبل المغرب تسمى ''صلاة الأوابين''، وليس لهذه الجماعة أي نشاط أو هدف سياسي· من جهة أخرى، يختلف البعض في بيان عقائد وأفكار القبيسات، حيث يذكر البعض أن القبيسات يؤمنَّ بوحدة الوجود، أي أن الله والعالم شيء واحد ولا فرق بين الخالق والمخلوق، وإمكانية استعمال السحر ضد مخالفيها أو ضد الخارجات عن الشيخة، والعزوف عن الزواج حتى لا ينشغلن عن الشيخة والجماعة·
يعد تنظيم القبيسات في دمشق أحد المظاهر على ميل سورية العلمانية بقيادة البعث العربي الاشتراكي إلى التدين، وإن كانت السلطة هناك استطاعت القضاء على تنظيم الإخوان المسلمين منذ سبعينات القرن الماضي عبر النفي والاعتقال، فإن معاملة القبيسيات بالمثل سيولد احتجاجاً عنيفاً غير مقبول ولايمكن المغامرة به، والبعض يعزو عدم قدرة السلطة على مجابهة التنظيم النسائي القبيسي إلى تغلغل ذلك التنظيم إلى القيادات والسلطات السورية عبر نسائهن ومصاهرتهن، كما تعد المصالح والارتباطات الاقتصادية بين القبيسات ورجال السلطة مانعاً ضد البطش بهن·
يقول هيجل: ''إن الحقيقة ليست في الكل، بل في الأجزاء التي تشكل الكل''، وإن كان تنظيم القبيسات جزءاً من حقيقة التغيير الذي تشهده سورية العلمانية باتجاه التدين، فإن الجزء الآخر يكمن في فقدها لقوميتها باتجاه هويات وطوائف وأعراق أخرى·
المصدر: دمشق