أبو الأسود الدؤلي.. أكمل نواقصه بعلوم العربية
أبو الأسود الدؤلي من العرجان الأشراف كما صنفه الجاحظ، واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان، وزاد عليه الجاحظ انه كان من البخلاء· وقال له ابن عباس لما مر به وهو يعرج: ''لو كنت جملاً كنت بطيئا''·
نواقص كثيرة أحلت بهذا الرجل، كانت كفيلة بأن تعزله عن الناس أو تحبسه بين أربعة جدران لكنه لم يستسلم لأي من هذه المحن فكان أول من وضع النحو ونقط المصاحف· ووضع قياسات اللغة حينما اضطرب كلام العرب· ويحكي قصته مع هذا الانجاز الرائع فيقول: إن ابنته قعدت معه في يوم قائظ -شديد الحر- فأرادت ان تتعجب من شدة هذا الحر فقالت: ما أشد الحر؟ برفع أشد· فقال أبوها: القيظ·· وهو ما نحن فيه يا بنية· وكان هذا جوابا عن كلامها لأنه استفهام، فتحيرت ابنته وظهر لها الخطأ· فعلم أبوالأسود انها ارادت التعجب! فقال لها: قولي ما أشد الحر! بفتح أشد، الأمر الذي جعله يخصص بابا للتعجب وبابا للفاعل وبابا للمفعول به وغير ذلك من الابواب·
وقيل في هذا ايضا إن أمر العربية كان لا يجعله يذوق النوم فذهب الى زياد بالبصرة· فقال: أرى العرب قد خالطت الأعاجم وتغيرت ألسنتها· قال زياد: وماذا أفعل بهم يا أبا الاسود؟ قال أبو الاسود: أريد أن تأذن لي أن أضع للعرب كلاما يقيمون به كلامهم· فسخر منه زياد ولم يأذن له· ثم جاء زياد رجل فقال: أصلح الله الأمير·· توفي أبانا، بدل أبونا، وترك بنون بدل بنين، فتعجب زياد ثم صاح: ادع لي أبا الاسود، فجيء به، فقال له زياد: ضع للناس الذين كنت نهيتك أن تضع لهم، واعتذر له زياد· وبدأ أبو الأسود يضع اسس العربية نحوا وصرفا·
وروي أن أبا الأسود كتب الى علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- يقول ''أما بعد فإن الله جعلك مؤتمنا وراعيا وقد بلوتك فوجدتك عظيم الامانة ناصحا للرعية تنزه نفسك عن دنياهم· وأن ابن عمك عبدالله قد أكل ما تحت يديه بغير علمك· فلا يسعني كتمانك في ذلك· فانظر رحمك الله - فيما هناك· وتقدم فيما احببته اتبعه ان شاء الله''، فكتب اليه علي: ''أما بعد، فانك ناصح للإمام والأمة وأنت ممن والى أهل الحق وبارز أهل الباطل والجور وقد كتبت الى صاحبك فيما كتبت فيه ولم اعلمه كتابك الى''· ويبدو لنا من هذه المواقف شجاعة الرأي والحرص على الحق والعدالة وعدم الاستسلام للضعف· والى جانب حرص أبي الاسود الدؤلي على العربية كان شاعرا جيدا كذلك·
وقد كان أبو الاسود صديقا لابن عباس الذي كان عاملا لعلي بن أبي طالب على البصرة· وكان ابن عباس يكرمه ويقضي حوائجه، فلما ولي ابن عامر جفاه وأبعده ومنعه حوائجه· فقال فيه أبو الاسود شعرا·