علي بن خميس المحرزي قلب يسهر على مسافي
موزة خميس:
ما كان يخطط لأن يعشق قريته ولكن سنين الصبا والكد والبناء أصلت عشقها في وجدانه، فحين ولد كانت مسافي (في رأس الخيمة) إحدى القرى النائية التي يسير إليها الراكب على الإبل مسافة ستة أيام ذهابا وإيابا من الشارقة أو دبي، ورغم ذلك كانت قبلة المصطافين من المناطق البعيدة لوفرة العيون والمياه المعدنية، ولشهرتها في إنتاج ألذ أنواع المانجو والذي لم تكن تنافسها فيه إلا مدينة كلباء في الزمان البعيد قبل أن تزداد نسبة الملوحة في مياهها الجوفية· ورغم شح المياه حاليا في مسافي إلا أنها لا تزال تتربع على عرش إنتاج المانجو (بالأخص) وعشرات من أنواع الفواكة والخضروات، حتى أشجار الزيتون والقهوة، وذلك بفضل عشق علي بن خميس المحرزي لها، فهو لا يتواني عن جلب الأشتال الممتازة من أي دولة بشكل فردي وشخصي، لأنه يتخيلها مثمرة في مسافي، ومن تلك الأعواد يصنع مئات الأشتال، وبفضل الحب والرعاية نبت الزيتون وأثمرت أشجار القهوة، ولا يزال علي يذكر المشهد -عندما كان طفلا- الذي يتكرر كل صيف عندما تأتي قوافل المصطافين بعائلاتهم على الإبل لأن (عين مسافي) كانت تتدفق بالمياه الساخنة شتاء والدافئة صيفا، فيقضون الصيف تحت أشجار الليمون والمانجو والنخل، ويستحمون بالمياه المعدنية، ويتزاورون مع أهل مسافي وكأنهم من أسرة واحدة، حيث يتبادلون الوجبات الغذائية، ويتحاورون ويتسامرون مع بعض·
كان جده علي بن حمد أميرا على مسافي رأس الخيمة ومسافي الفجيرة في ذلك الزمان، وكان لديه الخير الكثير في زمن الشح، ولذلك عندما ولد خميس- والد علي، رحمة الله عليه- تعلم ركوب الخيل وكان من أشهر الرماة، كما كان كثير الارتباط بالإبل، ولذا امتهن قيادة الإبل والقوافل، فكان(يطرش عليهن) أي يسافر على الإبل إلى الشارقة ودبي محملا بالمنجة و(الرطب) البلح الطازج قبل أن يتحول إلى تمر، وكان يؤجر تلك الإبل التي تعودت على الأسفار لمن يرغب في السفر للتجارة بإنتاجه المحلي وكان قائدا لتلك القوافل، فكان يقضي ستة أيام في الطريق ذهابا وإيابا إلى مناطق الشارقة ومنها (الحوية) و(عشيو)· يتذكر علي أن شجرة مانجو ذات مذاق يشبه الشهد كانت توجد في مزرعتهم، وقد خص والده بهذه الشجرة الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم (طيب الله ثراه) وكانت تسمى (همباة راشد ) وهمبة تعني مانجة باللهجة المحلية، وفي موسمها كان والده يحمل منها للشيخ راشد المتفق عليه من ثمارها ويسري معه (في أول سيارة دخلت إلى مسافي) فقد كان والد علي أول من أدخل سيارة (لاندروفر)، ولذلك تعلم علي قيادة السيارة بسرعة وهو في الخامسة عشر من عمره، وفي معظم المواسم كانا يصلان قبل الفجر، ويصليان الفجر عند (حياة) الشيخ راشد الذي كان يخص علي بن خميس بروبية كهدية له وكانت تساوي الكثير في تلك السنين الماضية·
الطفل الخطيب
دخل علي إلى المدرسة العام (1964م) ولأنه كان فصيحا ومتفوقا وهو طفل فقد خطب خطبة الجمعة برجال القرية وهو في الصف الثاني الأبتدائي، وأجرى دراسة إحصائية عن عدد المقيمين من غير المواطنين في تلك السنة فكانت النتيجة: (ولا واحد)، إذ كانت مسافي مكتفية بالأيدي المواطنة التي كانت تجيد كل الحرف والمهن التي تحتاج لها البلدة، وكان علي يحب مراقبة أوضاع بلدته وهي تنمو، فكان شديد الاهتمام بأدق التفاصيل مذ كان صغيرا، وكان يحرص على التشاور والتحاور مع رجال مسافي في شؤون الزراعة والاهتمام بالمياه وخصوصا مياه الأمطار والعيون، فهو يعلم أن كونه طالبا لا يعفيه من العمل مع والده ومن أجل أسرته ومن أجل مسافي· كانت الأوقات التي يقضيها كقائد للكشافة أو للعب كرة القدم من الأوقات التي يدفع ثمنها باهضا كي يحصل عليها، فهو ينجز الكثير من الأعمال لوالده ويذهب معه إلى المناطق المجاورة والتي لا تعتبر قريبة في تلك الأيام من أجل البيع والشراء، ومن المواقف التي حدثت له عندما كان في الكشافة أنهم خرجوا من مسافي وتوجهوا إلى إمارة رأس الخيمة للسلام على صاحب السمو الشيخ صقر بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم رأس الخيمة، وعند عودة الفريق نامت إطارات السيارة من قسوة الحجارة الجبلية ولم تكن لديهم إطارات احتياط، فساروا على الأقدام على مسافي لمدة أربع ساعات، وأيضا لأنه يهوى كرة القدم فقد طلب منه والده ذات مره ان يذهب معه إلى دبا لبيع أحد المحاصيل وكان علي يتهرب من تلك المهمة لأنه يرغب في لعب كرة القدم، ولذلك عندما سارا إلى دبا كانت السيارة تتعطل بين حين وآخر في كل مسافة يقطعونها مما حدا بوالده ان يتهمه بان عدم رغبته في الخروج معهم كانت السبب في ذلك·
صلة الرحم
ومن اهتمامات علي أيضا أن يصل جيرانه، ويهتم بشؤون بيته ويتوصى بالنساء كالأم والأخت والزوجة والأبنة، وقال علي خميس يصف تلك الأيام: إن نجاح الرجل في الماضي كان بسبب عون المرأة ووقوفها بجانب الرجل، بغض النظر عن صفته كإبن أو زوج أو شقيق أو والد، فقد كانت المرأة تفعل الكثير حتى إنها تستقبل الضيوف في غياب الزوج وتذبح بنفسها الذبيحة وتحضر ما يكفي قافلة من الطعام، وأيضا كانت تساهم في تربية بنات جاراتها، فلا يصح أن ترى خطأ وتسكت عنه، ويحق لكل أم أن تفعل ذلك مع جميع بنات المنطقة، كما كان الرجل يفعل ذات الشيء مع أبناء المنطقة، فإن وجد شابا أو صبيا في وقت إقامة الصلاة دعاه إلى الصلاة، ومن يتأخر يُنصح، وكذلك من يكونون خارج أسوار المدارس في وقت الدوام الرسمي، وكان الرجل يهذب أبناء جاره في وجوده وفي غيابه، بالعتاب والنصح والإرشاد، ولم يكن يسمح للشاب منذ أن يصبح صبيا بالبقاء بعيدا عن تجمعات الرجال· عندما تخرج علي خميس من الابتدائية يتذكر أن من أنهوا الإبتدائية كانوا خمسة من اصل إحدى عشر تلميذا هم طلاب المدرسة، وكان المنهج من دولة الكويت، وبعدها انتقل الناجحون إلى دبي للانتظام في المدرسة الصناعية (القسم التجاري) وكان من ضمن المعلمين الأستاذ سالم الغماي، وسالم حكيم، وكانت الدراسة باللغة الأنجليزية، ويتذكر علي خميس المحرزي أن من الطلبة الذين كانوا زملاء دراسة في الثانوية الشيخ حشر بن مكتوم آل مكتوم· بعد الثانوية كان لا بد من السفر إلى بريطانيا لإكمال الدراسة في الهندسة، لكن علي لم يكمل فعاد إلى مسافي ثم قدم لوظيفة في أبوظبي، لأن والد خاله كان في الجيش وقد شجعه على أن يعمل ويدرس في ذات الوقت، وقد قام علي بدخول دورة سفراء وعاد لمقاعد الدراسة لأن شهادته الثانوية لم يكن يعترف بها إلا في بريطانيا، ثم قام بالانتساب لجامعة بيروت العربية، وفي ذات الوقت كان يعمل في القوات المسلحة، وسجل كطالب في كلية زايد العسكرية، وتخرج برتبة مقدم، وتم تعيينه مديرا للإسكان في القوات المسلحة·
مسافي دائما
خلال تلك الفترة الزمينة مابين طلب العلم والعمل، لم يغفل علي خميس عن مسافي، فكان خلالها قد اسس نادي مسافي الرياضي، كما ساهم في تأسيس جمعية مسافي النسائية لأنه يؤمن بأن تأسيس المرأة هو تأسيسٌ ورقيٌّ للوطن، وقامت زوجته بمخاطبة سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك رئيسة الأتحاد النسائي العام عن فكرة إنشاء تلك الجميعة، وقد كان تجاوب سموها سريعا، كعادتها، وكان للجمعية النسائية الأثر الكبير في تغيير جوانب كثيرة في شخصية المرأة نحو الأفضل، ولا زال علي يجد في نفسه حسرة على كل امرأة لم تتعلم، وعلى كل فتاة أنهت دراستها ولم تجد وظيفة منذ عدة سنوات، وقام علي بتقديم طلب للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لدعمهم وإنشاء بريد ومستشفى ومحطة كهرباء، فاستجاب 'رحمه الله' سريعا لإنشاء كل ذلك· بعد أن ترك علي الجيش عمل مديرا للرخص التجارية في رأس الخيمة، ثم مديرا للأشغال، وذلل الكثير من العقبات لأهل مسافي، وقام بالتعاون مع أعيان المنطقة بترتيب الكثير من أوجه الحياة فيها كالمزارع والأسواق، وإزالة كل ما يشوه هذه المنطقة الجميلة، حتى تصبح قبلة للسياح، ولا يزال علي خميس يفكر إلى اليوم في الطرق والوسائل التي من شأنها أن تعيد(عين مسافي) إلى حالتها الأولى كي يكون الإقبال عليها كمصيف كما كانت سابقا·
المصدر: 0