جلست ''كريستين سكا'' تحيك معطفاً بين يديها، بينما هي غارقة في بحر من الذكريات التي أعادتها إلى بداية عهدها بهذه الحرفة، ومخالطتها لجموع من الفتيات اللاتي يعملن بها من بنات جلدتها، ويتسابقن في إظهار مهاراتهن وسرعتهن في حياكة الملابس· فمنذ طفولتها وهي تسعى إلى تنمية مهاراتها لعلها تجد طريقاً يعينها على مصاعب الحياة· تراجعت أحياناً وتقدمت أخرى لكنها في النهاية تمكنت من التغلب على مصاعب التعلم ووصلت إلى الإتقان، ثم شرعت بثقة في ابتكار أفكار تتعلق بعملها وتجارتها التي تسافر بها من مكان إلى مكان بجلد وصبر، ورغبة في تحقيق المزيد من الطموح والنجاح· لم تكن كريستين تحلم يوما أن تتخطى حدود القارة السمراء، لكن شغفها في مزاولة حرفة ما كان هو سلاحها الذي مكنها من التغلب على الحاجة، وأضاء لها الطريق الى العمل المنتج· فن وعمل تقول كريستين سكا: ''فن الكروشيه ليس عملاً فقط، بل هو فن خلاق يظهر ملكات المرأة ويشعرها بقيمة ما تنجزه من عمل، وهو في الوقت نفسه يقضي على التوتر ويريح الأعصاب، وتنجلي معه الهموم التي كثيرا ما تقلق المرأة وتدخلها في دوامة من الأفكار السلبية التي تطبق الخناق عليها· أما عني، فقد وجدت نفسي شغوفة بتعلم تفاصيل هذه الحرفة التي تتقنها الكثير من نساء زيمبابوي اللاتي يعتمدن عليها بشكل أساسي في تدبير أمور الحياة والعيش، ففي ظل الأوضاع الصعبة وانتشار البطالة كانت هذه الحرفة وسيلة تمكنهن أن يساهمن في سد احتياجاتهن أو خلق بيئة عمل تناسبهن''· وتضيف: ''المرأة تعد مكسباً اقتصادياً مهماً في أي مجتمع، واندماجها في أي نشاط اقتصادي وزيادة نسبة مشاركتها في سوق العمل، يؤديان إلى تحقيق العديد من المكاسب التنموية، والمكاسب الشخصية المتعلقة بالمرأة، وأول هذه المكاسب تمكينها من الحصول على فرص العمل التي تؤمن لها مصدراً دائماً للدخل، ومن ثم ينخفض احتمال تعرضها للمشاكل الاقتصادية، أما بالنسبة للمكاسب التي تحققها المشاركة المتزايدة للمرأة في سوق العمل للاقتصاد ككل فتتمثل في الاستثمار الأمثل للموارد البشرية المتاحة على المستوى القومي، مما يؤدي للوصول إلى معدلات النمو الاقتصادي المطلوب''· وعن طبيعة العمل في هذه الحرفة وأدواتها تقول: ''مع توفر الأقطان الجيدة التي تشتهر بها زيمبابوي، تمكنت من خلال مزاولتي لحرفة ''الكروشيه'' وأن اعتمد وبشكل أساسي على نسج خيوط الأقطان الممتازة، وتحويلها إلى منتج ذي جودة عالية خاصة حياكة ملبوسات الأطفال· تقدير ضئيل وتجد سكا أن من صعوبات عملها أن الكثيرين لا يقدرون ولا يعرفون الجهد والوقت الذي يبذله الحرفي في حياكة المنتج، وبالتالي لا يمنحون المشغولات اليدوية ما تستحقه من قيمة، بالإضافة إلى صعوبات الانتقال والسفر بين البلدان، والمشاركة في المحافل التجارية لتنشيط سوق العمل''· لكن هذه العقبات لم تمنعها من النجاح، تقول: ''لم يكن الأمر بسيطاً، لكن دافع العمل والسعي خلف النجاح كانا هما المنوال الذي أنسج عليه مفردات الإبداع، فالحرفة بغض النظر عن طبيعتها إلا أنها في نهاية الأمر تصب في مجرى واحد، وتكون خير عون وسند للفرد ومصدراً للرزق''· وتختتم قائلة: ''النساء في أي مكان وفي كل البلاد يملكن طاقة خفية هائلة قد لا يملكها الرجل بقوته وجبروته، فصبر المرأة وقوة تحملها يجعلانها تصمد أمام أي هزة قد تعصف بها· وهذا ما ألمسه في نساء زيمبابوي اللاتي وقفن يصارعن مشقة الحياة المضنية، وأثبتن جدارتهن في بناء مجتمع قادر على العطاء