إبراهيم الملا

يخلد الشعر عندما يكون لوقعه أثر وحضور وصدى، وعندما يكون وهجه عابراً للزمن، وتكون بصمته مطبوعة في ذاكرة الأجيال المتعاقبة، ليغدو منتمياً لثيمات المكان ولأنساقه الثابتة والمتحوّلة، هذا الشعر الحيّ والحيوي والمتدفق عذوبة وحكمة وجمالاً الذي نتحدث عنه، استطاع الشاعر سعيد بن عتيج الهاملي رغم ما يزيد على مائة عام منذ رحيله «ولد عام 1875 وتوفي عام 1919» أن يمهّد لشعره طريقاً سالكاً، وممراً رحباً يصل القلوب، ويخطب ودّ الأذهان والأسماع والأفواه التي رددت قصائده المستندة على سبك قوي وملمح رهيف، قصائد تلقتها المدارك العطشى لدقة الوصف، ورهافة التعبير، وجموح الخيال، فصار رصيد نتاجه الشعري ميراثاً ذهبياً مشعاً ولامعاً وثقيلاً في ميزان الأدب الشعبي المحلي، خصوصاً وأنه ميراث ساهم في نشره وتعميمه أحد أهم شعراء النبط في الإمارات على امتداد خارطتها الجغرافية، وتحولاتها الإنسانية، وانعطافاتها الاجتماعية.

ارتقى الهاملي بالقصيدة النبطية إلى مستويات عالية من التوليف القائم على الاستعارات والمجازات والرموز والتي طوّر من خلالها ما يعرف بالتغرودة والونّة والطارج، وهي من فنون الشعر الشعبي المتحركة في أفق مرن ومستساغ لدى متلقي الشعر المحلي والشغوفين به.
لقّب الهاملي بالشاعر الفارس وكان معروفاً بتنقله الدائم بين بيئة البحر وبيئة الصحراء، حيث خبرهما جيداً من خلال مهنته التي كانت تسمى «اليمّال»، أي الذي يحمل المسافرين على ظهور المطايا ضمن قوافل تقطع الدروب الواصلة بين ليوا وشواطئ وجزر أبوظبي، قاطعاً المسالك الواضحة والأخرى المجهولة بين الرمل والماء، وبين البادية والساحل في المسافة الممتدة بين محاضر ليوا وبين معالم الظفرة، جامعاً بين حياة البداوة وحياة الغوص، وبين تلال البرّ ودعاثيره، وبين أمواج البحر وتقلّباته.
فكانت المشاهد التي وثقها في شعره هي مشاهد تتناوب فيها الإقامة مع الترحال، وتتداخل فيها سيولة الماء مع صلابة الأرض، مشكلاً بذلك لوحة ذهنية غاية في التمايز والتضاد والإدهاش أيضاً، حيث تبدو التراكيب اللفظية في شعره متعارضة إذا كان الأمر متعلقاً بشطر أو شطرين متصلين في القصيدة، ولكن النظرة الكلية والشاملة لذات القصيدة تتيح التعرف على نموذج فريد من التناغم الحسي والبصري الذي يجمع الطبائع المختلفة، والشواهد المتباعدة، ذلك أنها قصيدة يحكمها في النهاية مزاج يحتمي ببصيرة شاعر اخترق الحدود الخارجية للأشياء، ونفذ إلى أعماقها، وصار هو جزءاً لصيقاً بما يعتمل في نفسه وينعكس على الطبيعة المرئية حوله، وبما تجلبه هذه الطبيعة من مشاعر مبهجة، وأخرى حزينة، انطلاقا من وعيه وحسه المرهف عند نسج العلاقة العاطفية بين الذات والآخر، وبين الذات والأشياء.
ولعلَّ في قصيدته التي يقول مطلعها: «يا مجلّي الثنايا / عنّي كف النظر» المثال الحيّ والحاضر على هذا التضاد المكتنز بالانسجام والذي يوسم معظم قصائد سعيد بن عتيج الهاملي، ويجعله متفردا في هذا السياق السردي الذي يحمل تميزه في مفارقاته الحسية والبصرية المشوقة والماتعة، والتي يتناوب فيها الخذلان مع النشوة، والرجاء مع الانكسار، حيث يقول في هذه القصيدة المفعمة بالصور والأوصاف البديعة:
يا مجلّي الثنايا / عنّي كف النظر
ما تبغي لي بغايا / إلّا أمرض واعثر
عينك ترمي رمايا / تلحق حالي ضرر
لو با تسخي بدوايا / في حالات الخطر
بمشي لك بالوفايا / لين تقول العذر
لك ودّ في حشايا / يعجز عنه الصخر
عطني منك عزايا / وإلّا كفّ النظر
إن المتأمل في الأسلوب الشعري للهاملي يجد أنه أسلوب ينتصر للإيقاع الغنائي الذي يمكن من خلال حفظ القصيدة وترديدها، وفي نفس الوقت لا يخلو شعره من النزعة التأملية للطبائع البشرية، خصوصاً ما يتعلق بالعاطفة الداخلية الحارّة والمتأججة التي يصدّرها الشاعر تجاه المحبوب، حتى وإن كانت هذه العاطفة أحادية ومبتورة وغير مكتملة بالوصل والانجذاب من الطرف الآخر، وكما حدث مع الشاعر الإماراتي الكبير راشد الخضر، فإن شاعرنا بن عتيج اكتوى من نفس المعاناة الوجدانية التي ساهمت الأسفار والظروف الحياتية المريرة وكثرة الترحال والانشغال بالأحداث الصعبة، في عدم الارتباط الدائم والزواج والاستقرار وتكوين عائلة تجعل لحياته قيمة مختلفة ومغايرة لحياة الشاعر الهائم في بحثه المستحيل عن عشقٍ لا يتحقق، ووصلٍ لا يدوم.
ولعلَّ في قصيدته الأكثر شهرة، وهي: «صاح بزقر للمنادي» المثال الصارخ على هذا التيه العاطفي والشتات الحسّي الذي يمكن أن يصل لمصاف تعذيب الذات وقهرها، ولكنه العذاب العذب أيضاً، والقهر الإيجابي الذي أنتج لنا قصيدة غاية في التألق والتوهج على مستوى الشكل والمضمون، وعلى مستوى الإيقاع السمعي المعتمد على الونّة المثلوثة - ولاحظ أن كلمة الونة مرتبطة بالأنين ولواعج النفس المحرومة من لفت نظر المحبوب الذي عاينه الشاعر وخالطه طوال الطريق الواصل بين الصحراء والبحر، ولكنه لم يظفر في النهاية سوى بعاطفة أحادية منزوية في داخله، فها هو المحبوب الآن يغادر نحو عمق الغياب الأكيد، حيث تحمله السفينة إلى مجهول مشبع بالأسى والفراق والنهايات المؤلمة، يقول الهاملي في قصيدته الرائعة هذه:
صاح ابزقر لمنادي / بخطوفه، يوم السفن بتشلّ
غمّس على لفوادي / بالكوفه، ولا وداعه بالحل
وين اقمري لمجادي / ماشوفه، لي نوره معتزل
لي مسقنّي ودادي / بكفوفه، علّه عقب النهل
اللي قبل متبادي / لا حوفه، إن ميّحن القذل
لو لي وقف لمعادي / بسيوفه، عن الوصل بوصل
بو خمّص جلادي / مسفوفه، عينه هدبها مظل
تلحق حالك نفادي / موصوفه، العين من تشهل

بادية الظفرة
عاش سعيد بن عتيج الهاملي فترة حكم زايد الأول وعاش فترة في دبي امتدت لعشر سنوات زمن بطي بن سهيل، وهي فترة شهدت أحداثاً كثيرة، كما يذكر الباحث الدكتور راشد المزروعي، والذي يضيف أن أهمية الهاملي جاءت من أهمية الفترة التي عاش فيها. ويذكر الرواة والمتتبعون لسيرته أنه ولد في محضر (حوايا) الذي يقع في بطانة ليوا، وشبّ وترعرع في بادية الظفرة، فكان يتنقل مع أهله في صحرائها الواسعة وواحاتها المتناثرة، حتّى كبر، وكان أبوه يعمل في صناعة (البدود)، والبد هو حشية من ليف النخل تصنع لتوضع على ظهر الناقة فيما يلي الشّداد، لأن الليف بارد، فهو مناسب للناقة في وقت الحر بخلاف (السدو) المنسوج من الصوف الذي يؤذي الناقة ويزيدها حرارة.

غوص وترحال
عمل سعيد بن عتيج الهاملي في الغوص، ولكنه لم يستمر في هذه المهنة التي لم توافق نزعته للحرية والترحال وعدم الخضوع للشروط القاسية، وعمل كذلك في رعي الإبل وزراعة النخيل والاعتناء بها، ويُروى أنّ والده لم يكن محباً للشعر ولا يرغب في أن يكون ابنه شاعراً، ولكن موهبة الولد كانت تزاحمه.

قصائد وأغنيات
استعان بقصائد الهاملي مجموعة من المطربين والمؤدين أمثال: محمد بن سهيل، وعلي بن روغة، وجابر جاسم، وغيرهم ممن وثقوا قصائده في أسطوانتهم وفي أشرطة الكاسيت منذ الستينيات وحتى أواخر الثمانينيات من القرن الماضي.
ولم تكن هُناك مخطوطات معروفة ومدونة للهاملي، كما هو الحال مع شعراء مثل ابن ظاهر وبن محين والشاعر جويهر
ولكن الرواة حفظوا قصائده وتداولتها الأجيال المتعاقبة نظراً لقيمتها الفنية والتعبيرية العالية في آن واحد، وكان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيب الله ثراه - من أشد المعجبين بشعر الهاملي، وساهم بقوة في نشر قصائده وتوثيقها وإصدار دواوين تجمع إرثه الإبداعي الفارق والمتفرد مقارنة بالشعراء الذين ظهروا في عصره.

شقرايه
ينحت الهاملي مفرداته الشعرية نحتاً ويصيغها في قالب يتميز بالمرونة واستثمار التفاصيل الخارجية وتطويعها لصالح نظرته الشخصية للظروف والأحداث والمواقف التي مرّ وأثرت فيه تأثيراً بالغاً، ولقد خبت واختفت المفردات التي لجأ لها الهاملي في شعره للاستعانة بها في لزوميات الوزن والقافية، وهي مفردات انقرضت الآن في اللهجة المحكية لأنها كانت مرتبطة بمهن وحرف وتقاليد اختفت بدورها، فضاعت النعوت الواصفة لها ولم تعد متداولة بين الناس في زمننا الحاضر.
ومن قصائده الغزلية المشهورة التي يخاطب فيها ناقته الشقراء التي أصبحت ضعيفة مثله بسبب معاناته ممن يحب، حيث يقول الهاملي في مطالع القصيدة:
أصبحت يا شقرايه
عيل على المسراح
ويلاك هب ع الغايه
ما من عظام صحاح
صابك وزا شروايه
من بو هدب نشّاح
لو أنا بعطي هوايه
ما با مقامه راح
ورايه لو ما ورايه
لو ما كسر ليناح
طلبت من مولايه
لا يرويني قماح
فيك وفي منتوايه
كان البخت ما طاح