نبض الأسرة - الأمان (1)
قال تعالى: (وليُمَكِّنَنَّ لهم دينَهُم الذي ارتضى لَهُم وليُبَدِلَنَّهُم مِن بَعدِ خوفِهِم أمناً)
تهدف كل أسرة إلى توفير الأجواء المفعمة بالأمان والتطمين والرعاية لأفرادها، ويشتمل النبض الأسري على إشاعة حماية أسوار العلاقة الزوجية والأسرية، وحفظ أجوائها من وجود مخاوف حول هذه العلاقة أو داخلها أو في نفوس أفرادها، والتعاون والمشاركة والتراحم على أساليب التعامل الزوجي والأسري كافة·
- لنسأل أنفسنا أولا هل نحن نشعر بالأمان؟ إذا كان نعم! هل جربنا المحافظة عليه؟
- هل نعلم ما هي مقومات هذا الشعور ومدلولاته؟
- متى نشعر بالخوف؟ وهل نعلم سببه؟
- هل نعتقد فعلا أن العلاقة الزوجية هي من المصادر المهمة التي تحقق لنا الأمان والسعادة؟
تساؤلات
تردني العديد من التساؤلات المتضمنة الخوف المبطن، أو الشعور بضعف الاطمئنان في الزوج أو في العلاقة، ومنهم من يساوره الشك والخوف نتيجة لعدة أحداث في حياتهم الزوجية، منها على سبيل المثال لا الحصر، رفض أحد الأزواج من تفعيل فكرة الإنجاب، أو كثرة تأجيله، أو الخوف من خيانة الزوج أو الزوجة، أو كشف أسراره للآخرين، أو تبديد ماله، أو ضياع تنشئة عياله، ولدى كل منا مخاوف مبطنة، وهو كيف نحافظ على أسرنا فنحن نخاف من تغير الزوج الآخر، أو أية مخاوف تساور نفس الزوج أو الزوجة·
إذ قال تعالى: (وإما تخافنَّ من قومٍ خيانةً فانبِذ إليهم على سوآءٍ، إنَّ الله لا يُحبُّ الخائنين)·
وقد نجد تساؤلات من أزواج وزوجات في الجانب الآخر يشعرن بالأمان في حياتهن الزوجية، وينطلقن للنجاح في حياتهن، ويهنئن بما يحصلن عليه من اهتمام ومن محبة من قبل أزواجهن وأفراد أسرتهن، ولكنهن قد يشعرن بالخوف أو عدم الأمان الوهمي، إن كان الزوج الآخر من النوع الذي يعاني من الحساسية الزائدة أو الوساوس القهرية أو الاضطرابات النفسية، مما ينعكس على علاقته بذاته وبالآخر، فضلا عن أثر هذه المعاناة على سلوكياته في التعامل مع الآخرين·
نظرة واقعية
باديء ذي بدء ينطلق شعور الزوجات بالأمن والأمان من ذواتهن ومن نظرتهن إلى أنفسهن وما لديهن من سمات ومما يقدمن في علاقاتهن مع أزواجهن، وأخريات وما أكثرهن فهن يشعرن بالخوف من الغد ومما فيه من مفاجآت، وبالأخص عندما تجد إحداهن أن زوجها لا يأبه لأفكارها أو لمشاعرها ولا يبادلها ما تبادله من مشاعر، أو قد تشعر على الأقل بهذه المشاعر انعكاسا لبعض سلوكيات الزوج ولتفسيراتها التي تكون في معظم الأحيان عقلانية، وفي بعضها غيرعقلانية أو واقعية، أو ربما تخضع لتفسيرات أو للربط بالأحداث الموجودة أو المخزنة في صورها الذهنية أو في خبراتها السلبية·
وبما أننا نعيش في بيئة مليئة بما نعرفه وأشياء أخرى لا نعرفها وأحيانا لا نريد أن نتعرف عليها، لا بد من شعور الفرد بقليل من الخوف والقلق ليس في علاقاته الزوجية فحسب بل وفي حياته المهنية والمجتمعية، ليزداد النجاح والتميز، وبالتأكيد إذا زادت أية مخاوف عن نسبتها المقبولة تصبح مشكلة لا بد من معالجتها أو تذليل العوامل المحيطة بها·
الأمان والتطمين
لنعود إلى العلاقة بين الأزواج، إذ نتفق معا على أن من واجبات الزوج أن يحسن معاملة زوجته ويعلمها تعاليم دينها ويشاورها في شؤونهم وقد يرجح رأيه أحيانا، ويرجح رأيها أحيانا أخرى، ويمتدح رأيها أو وجهة نظرها، ويدير الحوار بينهم بديمقراطية ومحبة ودفء دون تسلط أو ضغط أو إجحاف لحقها في شيء·
بل وأكثر من ذلك، في أن يصارحها ببعض السمات التي يحبها فيها، وأن يعاملها بإحسان وإطمئنان لتُعطي ما لديها من حنان دون خوف أو تردد أو حتى ندم بعد فترة من السنوات·
عن حكيم بن معاوية عن أبيه قال: (يارسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال صلى الله عليه وسلم (تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت)، وعلى الزوج أن يغض طرفه عن بعض نقائص زوجته، ولا سيما إن كان لها محاسن ومكارم تغطي هذا النقص· ومن منا لا توجد لديه أية محاسن وإن قلَّت أو كثرت، بل وان الأمر يتعدى ذلك إلى أن يكون لكل منا حسن النية والتفكير بإيجابية بذاته وبالطرف الآخر، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يفرك -أي لا يبغض- مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر)·
وقد اتفق بعد ذلك علماء النفس على أن حاجة الأمن إحدى الحاجات الأساسية عند الإنسان لينمو سويا، ولا بد من تقديم العطاء والتفهم من كلا الزوجين في بداية حياتهما الزوجية، والأفضل والأجمل·· هو كيف يقدر كل منهم عطاء الآخر والاعتزاز بما قدم، ويقابل كل منهم فعل الآخر برد فعل أقوى وأكبر، إذ ينعكس كل ذلك إيجابيا على الأسرة والمجتمع بأكمله·
ومن المفروض أن نرسي الايجابيات وكل ما يسهم في تعزيز مقومات السعادة الزوجية، ولا بأس إن بدأت المبادرة من الزوجة أولا من باب فطرة المرأة التي فطرها الله بها، ومن قدرتها على العطاء والحب والرعاية والصبر والتحمل· ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل لا بد من أن يكون الزوج بالمقابل ممن يتصف بالشجاعة والكرم، ويقدَّر هذا العطاء بعطائه المحاط بالرعاية والحب والتسامح والرضا· وعلى الرغم من تشابه المرأة والأرض الخصبة بسمات متعددة، إذ تشعر المرأة بالسعادة لعطائها للآخرين، ولكنها بالوقت ذاته تحب الاهتمام والحنو عليها وتدليلها والشعور بالأمان كي تتدفق عاطفتها باتجاه الخير غالبا·
- فإذا سألنا السؤال الخاص بفكرتنا اليوم، وهو ما هي أسباب ضعف شعور الزوجة أو الزوج بالأمان أحيانا؟
- هل يشعر كل منهم بمخاوفه التي قد لا يستطيع البوح بها لأحد؟
- لماذا لا نكسب الزوج الآخر ويصبح مصدر سرنا ونصبح مستودع سره؟
خطوات تحقق الأمان
ولكل فكرة لا بد من وسائل لتدعيمها وإظهارها إلى الواقع والتعرف على نتائجها وآثارها، وسنركز في فكرتنا اليوم على طرق تدعيم هذه الفكرة في حياتنا الزوجية والأسرية·
ولنبدأ فلكل الأزواج والأسر الذين يرغبون في مواكبة النمو والتقدم في ذاتهم وفي علاقتهم مع الآخرين لابد من إتباع هذه الخطوات ليحققوا الأمان في أنفسهم وفي علاقاتهن مع زوجاتهم وأولادهم من خلال ما يلي:
؟ أن يعدل كل زوج في معاملته مع زوجته وأن يعطيها ما يحب أن تعطيه من سكينة وأمان وأن يطمئنها ويعرفها أهميتها لديه وأن لا يهددها (حتى ولو بالمزاح)، بالطلاق أو بالزواج من إمرأة أخرى، أو حتى مقارنتها بها·
؟ تجنب تفضيل أي إنسان على الزوجة أو الزوج الآخر أو مقارنته به ·
؟ مناداة الزوجة أو الزوج أو الأبناء لبعضهم البعض بأحب الأسماء إلى أنفسهم وبعبارات التدليل والتحبب·
؟ قضاء أوقات أطول ليس مع الزوجة فقط بل مع الأبناء والآباء والأجداد وممارسة الهوايات ومشاركتهم أدوارهم الأسرية·
؟ مراعاة اختلاف المستوى الثقافي والاجتماعي أو طبيعة المهنة والابتعاد عن التعالي أو النعت بعدم التفهم أو الاستيعاب أو حتى مدح الآخرين الزملاء والزميلات لما يخلق من زعزعة الأمن والأمان للأسرة وللعلاقة الزوجية·
؟ تعميم الأمان على الأبناء وإشعارهم باستمرار بالدفء والحنان وتربيتهم وفقا لقانون ثابت نسبيا دون تفرقة أو تحيز، كذلك محاولة الثبات النسبي في العلاقة معهم بالثواب والعقاب وتجنب تأثير الحالة النفسية للأب أو الأم على علاقتهم مع الأبناء لتجنب انعكاس نتائج العلاقة الزوجية على من حولهم أو إسقاطها على أولادهم في المستقبل·
؟ اختيار العبارات والهدايا والمواقف المناسبة لإشعار الآخر بأنه لا زال في مكانته وربما أغلى·
؟ اعتماد الأسلوب الواضح والمباشر في تفسير الأحداث والسلوكيات، والابتعاد عن الغموض·
؟ وأولا وأخيرا نستطيع اكتساب الشجاعة التي فيها الأمن والطمأنينة بذكر الله والمضي بطاعته (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) سنشعر بالأمان والهدوء·
ومن فكرة الأمان (1) إلى الأمان (2)
استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه
المصدر: 0