يغيب عن الكثيرين أهمية البعد النفسي “السيكولوجي” في عملية إختيار التخصص الدراسي أو الأكاديمي أو المهني، في كافة مراحلها، وخطورة العلاقة المتبادلة والشائكة بين ثقافة الفرد وميوله واتجاهاته ورغباته وهواياته من جانب، وبين قدراته وإمكاناته الذاتية والعقلية والبدنية من جانب آخر، وتأثير كل هذه العوامل في تحديد واختيار نوع الدراسة، أو نوع المهنة أو العمل الذي يشغله في حياته. بل يغيب عن كثيرين أيضاً، أو يجهل البعض منا فهم نفسه جيداً، ومن ثم يعجز عن تحديد توجهه المهني بما يتوافق وقدراته، ومن ثم تصبح عملية التوجيه الأكاديمي والمهني كخدمة نفسية ومهنية في مدارسنا مطلباً ملحاً ومهماً، من أجل إعانة الطلاب ومساعدتهم في تحديد مساقاتهم الدراسية واختياراتهم الأكاديمية والمهنية في المستقبل. هاجر الحوسني، الأخصائية النفسية في منطقة أبوظبي التعليمية تؤكد- في حوارها مع”الاتحاد” أن اختيار التخصص الدراسي الأكاديمي أو التوجه المهني للطلاب، عملية تربوية تهتم بمساعدة الفرد على أن يختار تخصص دراسي معين، أو تعلم مهنة من المهن، وأن يقرر مصيره المهني بنفسه، بناء على عوامل عديدة ترتبط بأهدافه الحياتية والمستقبلية، وترتبط هذه الأهداف باختيار مهنة المستقبل، فمن الطلاب من يرغب أن يكون له مركز مرموق، ومنهم من يريد مهنه توفر له دخلاً معقولاً، ويسعـى كلٌ منهم إلى تحقيق هدفه واختيار مهنته، وما من شك أن معرفة الذات تعمل على زيادة الدقة في اختيارات الفرد، وتعرف بناء على الخصائص الشخصية ومقدار المعلومات التي يدركها الفرد عن نفسه، هذا إلى جانب ما تتطلبه العملية من الحاجة إلى التعرف الدقيق على ميول الفرد وعلى قدراته ومستوى ذكائه، ففي بعض الأحيان يكون لدى الفرد الذكاء والقدرات التي تؤهله للنجاح في مهنته، غير أنه لا يمتلك الميول التي تشده إليه. فهناك ميول علمية وفنية وكتابية وإدارية وإعلامية واجتماعيه ورياضية، دون أن نغفل القدرات العقلية العامة وما تتطلبه كل مهنة من قدرات خاصة فهناك مهنة تحتاج إلى قدرات فنية ذات مستوى عالٍ و أُخرى تحتاج لمهارة ودقة يدوية. لذلك تؤثر القدرات في اختيار الفرد لمهنته وكذلك نجاحه أو فشله في المهنة التي اختارها” . أهمية التوجيه وعن أهمية التوجيه الأكاديمي أو المهني، تقول الحوسني:” إن للتوجيه المهني أهمية كبيرة في حياة الفرد والمجتمع، وهذه الأهمية تنبع من كونه علماً حديثاً وقديماً في آن واحد، إذ أن مفهوم التوجيه المهني يركز على جوانب عديدة من شخصية الفرد ومنها الجوانب التوافقية، ومن أهم خدمات التوجيه، التربية المهنية، ويقصد بذلك التعرض لخبرات واسعة عن عدد كبير من المهن أو التعرف على خبرات مركزة لممارسة أساسيات مهنة واحدة، وبذلك تتضمن التربية المهنية برنامجاً تعليماً مهنياً يدور حول محور رئيسي وهو توفير المعلومات المهنية فيما يتعلق بمتطلبات الشخصية ومتطلبات المهنة بأنواعها حتى يستطيع الفرد أن يتخذ في ضوء ذلك قراراً مهنياً سليماً، إلى جانب خدمة تحليل العمل، وتشتمل تحليل العمل وتحديد متطلباته من مهارات عقلية وجسمية وحركية، ومعرفة طبيعة وظروف وعوامل النجاح والتقدم فيه ومستقبلة الأكاديمي والمهني، ومن ثم يكون الاختيار المهني، ويـقصد به مساعدة الفرد في اتخاذ القرار الخاص بمهنة المستقبل ، وذلك بعد دراسة دقيقة لنفسه من جهة وللمهنة من ناحية ثانية ليستطيع الملائمة بينهما، واكتشاف عالم المهن. فمن الطبيعي أن يبدأ الأفراد باكتشاف عالم المهن في بداية حياتهم ويلعب البيت والمدرسة دوراً أساسياً في تعريف الطفل بعالم المهن المختلفة ومدة التدريب اللازم له ويستطيع الأطفال البدء بتكوين أفكار عن أنفسهم وعن عالم المهن من خلال تجاربهم المبكرة وعبر مراحل نضجهم”. مراحل التوجيه وتشير الحوسني إلى مراحل التوجيه الدراسي أو المهني، وتقول:” إن عملية الإرشاد والتوجيه المدرسي والمهني ليست محددة بزمن معين، بل هي عملية متواصلة تبدأ مع بداية المرحلة الابتدائية وتلازم الطالب حتى نهاية دراسته، ولكنها تختلف من فترة لأخرى، وتزداد أهميتها في نهاية المرحلة الثانوية، وذلك بهدف مساعدة الطالب على التوجيه نحو تخصص دراسي جامعي معين يعينه على العمل في مهنة معينة تناسبه. ولا يقتصر التوجيه المدرسي والمهني عند هذا الحد، بل يستمر مع الطالب في دراسته الجامعية حيث يتولى “الإرشاد الأكاديمي” بالجامعة متابعة حياة الطالب الجامعي من جميع الجوانب العقائدية والفكرية والتحصيلية والبدنية والنفسية والاجتماعية وذلك بهدف مساعدته كي يصبح عضواً ناضجاً وفعالاً نافعاً لوطنه وأمته” . وتوضح الحوسني العلاقة بين النضج المهني والتوجيه المهني، من خلال الأهداف التي يسعى التوجيه المهني لتحقيقها وهي: تعريف الفرد بالقدرات والمهارات والمؤهلات التي تتطلبها المهنة وشرطا السن، والجنس. وتعريف الفرد بظروف مجموعة من المهن وواجباتها ومزاياها وهي المجموعة التي يحتمل أن يختار الفرد مهنته من بينها، ومساعدة الفرد في الكشف عن قدراته واستعداداته وميوله والعمل على تنميتها وتطويرها. ومساعدة الفرد على اتخاذ قرار بشأن اختيار المهنة على أساس من تحقيق الرضا الشخصي من المهنة ومقدار الخدمات التي يمكنه أن يؤديها إلى مجتمعه، وعلى أساس إشباع حاجاته، وتنمية قدراته عن طريق العمل بهذه المهنة. إلى جانب إحاطة الفرد علماً بالمعاهد والمؤسسات المختلفة التي تقوم بتقديم التعليم والتدريب الفني لراغبي الالتحاق بالوظائف المختلفة وكذلك شروط الالتحاق بهذه المعاهد ومدة الدراسة بها. وتشير الحوسني إلى مدى الحاجة إلى برامج الإرشاد الأكاديمي أو المهني قائلة:”تبرز أهمية الحاجة إلى برامج الإرشاد في جانبين أساسين هما: تلبية حاجات الطالب. وتلبية حاجات المجتمع. فإن لكل مجتمع حاجاته التي يمكن تلبيتها بمستوى مناسب من خلال التوجيه المهني المنظم لمواجهة مطالب النمو الاقتصادي والاجتماعي التي يمر بها المجتمع، وهو يتطلب توفير الخدمات الفردية والجماعية وتنظيم هذه الخدمات وتنسيقها وإجراء البحوث المستمرة للوقوف على ملائمة تلك الخدمات لتلبية الحاجات الاجتماعية المتغيرة”. أهداف برنامج الإرشاد تلخص الحوسني أهداف برامج الإرشاد الأكاديمي في مساعدة الطلاب على اكتساب بعض المعلومات عن خصائصهم والوظائف المناسبة لهم ومزايا مجموعة معينة من المهن المناسبة لهم. وتهيئة الفرصة أمام الطلاب لاكتساب خبرات العمل داخل وخارج المدرسة. ومساعدتهم على تنمية اتجاهات إيجابية نحو المهن المختلفة، إلى جانب مساعدتهم على تكوين وجهة نظر خاصة بالأسس المهنية لاختيار إحدى المهن، فضلاً عن تمكين الطالب من معرفة القدرات والمهارات التي تتطلبها المهن، وإعطائه فرصة للحصول على بيانات عن الجامعات والكليات بمؤسسات التعليم العالي الحكومية والخاصة.إلى جانب مساعدة الطالب على تزويد الطالب بمعلومات عن حاجات سوق العمل والفرص الوظيفية المتاحة فيه”. نصائح سيكولوجية ومن أجل تحقيق الأهداف التي تتوافق مع الغايات، تنصح الحوسني كل طالب بأن يجعل غايته متوافقة مع قدراته الطبيعية، لأن الأهداف المبعثرة لن تقوده إلى شيء، وأن يكون مصمماً على قناعته، والاصرار على القيام بما يتطلبه الأمر لتحقيق الغاية، فعندما يكون لديه غاية واضحة وأهداف محددة ستكون مستحوذة على الجزء الأكبر من تفكيره، فكثيرون ضلوا عن طريقهم باختيار وظائف غير مناسبة، أو اختاروا دراسة تخصص له بريق دون قناعة، ففقدوا بعدها الحماس للحياة نفسها، لأنهم ببساطة كانوا أداة في أيدي ورغبات الآخرين. فلا بأس أن يجلس الطالب مع نفسه ويعيد حساباته وفق رغبته وقدراته”.