الجيل البدوي
لم يشأ الشاعر العراقي الثمانيني محمد مظلوم أن يكتب شهادة جماعية عن جيل الثمانينيات لها بطل أو فرد أو زعيم كما يقول، لكننا كلما تقدمنا في قراءة فصول كتابه «حطب ابراهيم ـ أو الجيل البدوي في العراق ـ شعر الثمانينيات وأجيال الدولة العراقية» أدركنا أنه يخفي رغبة بذلك لكنها تطفو واضحة لتربك السرد المشهدي الذي أراد تقديمه. تلك هي بالمناسبة عقدة الكتب والشهادات المكتوبة من داخل الجيل نفسه، فعلها شعراء الستينيات كما ضخمها شعراء السبعينيات وجاء من يكمل دورتها ثمانينيا، فالكتب تلك وشهادات الشعراء على أجيالهم تعاني من المركزية الشخصية العالية وتدير الحدث بكونها الراوي الأساسي والبطل معا، فيتهمش الآخرون وتكون نصوصهم تكملة لفعل البطولة المتمثلة في الكاتب ووجهة نظره حدّ اعتبار محمد مظلوم خروجه من العراق قبل يوم من ملتقى شعري ثمانيني انشطارا للجيل وحرمانا للملتقى من مساهمة (عدد من أبرز الأصوات الشعرية)! كما تعاني من التصفيات والمراجعات المنحازة والإقصاء الشخصي لا سيما حين يكون السرد أحاديا وتُذكر وقائع لا سبيل للتثبت منها أو دوافعها. ومن الطريف أن الكاتب يعترف في المقدمة بأنه لن يكون موضوعيا بمعنى الحياد في طرح آرائه معللا ذلك بمهمة (المراجعة النقدية لمرحلة ذات أطوار امتد عمرها لثلاثة عقود) ومسندا للنقد الثقافي؟ عدم وجود موضوعية تامة. وهنا يبرز سؤالان: هل كانت الشهادة التي قدمها رغم أهميتها وخطورة تفاصيلها عملا نقديا ثقافيا؟ وكيف تنتفي موضوعية الخطاب في النقد الثقافي وبأي معنى؟. الملفات التي كُشفت محتوياتها لمجايلي محمد مظلوم أو المهيمنين على المشهد الثقافي والمحسوبين على الشعر تشبه المحاكمة في بعض مفرداتها وتستخدم النصوص أحيانا لمقاضاة النيات المفترضة في فضاء من التحليل يحتمل الاجتهاد ونفي التأويل المقترح، كما ان الاجتزاء والاعتماد على الأخبار غالبا يخرج بالكتاب عن صفته النقدية بدءا من العنوان الجانبي الواعد (أجيال الدولة العراقية) الغامضة في الكتاب المتموضع في اللحظة الثمانينية من حياة الشعر العراقي والتباساتها الموضوعية والذاتية ولا وجود إلا بالأسماء لما يسميه العنوان (أجيال الدولة العراقية) وكذا صفة البداوة الملحقة بالثمانينيين. إن مثل هذه الكتب التذكرية والسردية من وجهة نظر خاصة لا تتعامل مع التاريخ بوثائقه المتاحة ولا تفسر وقائعه إلا بما يتراءى لها ولا يحضر النقد في هذا الجو الإخباري إلا عرضا، وإلا كيف أقتنع شخصيا بأن مقالاتي عن شعراء الظل في وقت مبكر توقفت امتثالا لرغبة رئيس تحرير الصحيفة كما يذكر الكاتب مع أنني كتبت بعدها عدة مقدمات لدواوين ثمانينية ونشرت خلال وجودي في «الأقلام» نصوص الثمانينيين بحماسة وبلا تحفظ؟ اختلاط الجزئيات العابرة بالوقائع الشعرية والفني بالشخصي هي كعب أخيل في محاولات كالتي تصدى لها محمد مظلوم رغم صبره وإخلاصه لتجربة جيله وحضوره الشعري داخله بتميز مسجل له نقديا.