أكد محمد خلف المزروعي مدير عام هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، سعي الهيئة الدائم بدعم من القيادة الرشيدة نحو الاهتمام بالتراث العالمي المشترك إلى جانب اهتمامنا بتراثنا الوطني. وأضاف المزروعي :” إن بحثنا الدائم عن وسائل فاعلة نحمي بها تراثنا من كل أشكال العبث والنسيان، يجعل التعليم في مقدمة اهتماماتنا، للدور المتميز الذي يمكن أن يقوم به في المحافظة على التراث ونقله من جيل لآخر، ومن هنا باتت العلاقة بين التراث والتعليم علاقة مبنية على التكامل والأهداف المشتركة“. جاء ذلك في كلمة افتتح بها مدير عام هيئة أبوظبي للثقافة والتراث أمس، فعاليات الملتقى الدولي الرابع للتراث تحت عنوان: “التراث والتعليم: رؤية مستقبلية”، وذلك بمشاركة 60 خبيراً وباحثاً من 30 دولة عربية وأجنبية. التراث والعولمة وتتواصل جلسات عمل الملتقى الذي تنظمه الهيئة في أبوظبي حتى أول أبريل المقبل، حيث ناقش أمس عدداً من أوراق العمل والقضايا المرتبطة بالتعليم والتراث ومحددات التراث المحلي والعربي والعالمي، والآليات الكفيلة بدمج النصوص التراثية في المناهج الدراسية، وبناء الشخصية الطلابية “المعتزة” بتراثها وقيمها اللغوية والعقائدية والحضارية، إضافة إلى كيفية تحقيق المواءمة بين التراث كرصيد حضاري للمجتمع، والعولمة وخاصة الثقافية التي “تذوب فيها القيم المجتمعية وتتلون بلون واحد. وأكد محمد خلف المزروعي أن تنظيم هذا الملتقى يسعى لتوثيق الصلة بين التراث والتعليم، وهوم ما يُمثّل أحد أهم محاور استراتيجية هيئة أبوظبي للثقافة والتراث لتعزيز مكانة التراث ودوره في النهضة الشاملة التي تشهدها دولة الإمارات، وفي إطار تفعيل دور المؤسسات الحكومية والمجتمعية لمساندة الهيئة على تحقيق أهدافها وخططها، وأعرب عن سعادته بأن تحظى هيئة أبوظبي للثقافة والتراث “بهذه الكوكبة والنخبة من المفكرين والخبراء والتربويين “، من دول ومؤسسات عديدة تشاطرنا الاهتمام ذاته بالتراث، وتتحرى معنا الوسائل كافة ليبقى حياً في نفوس الأجيال، بكل ما يحمله من شعاع ينير الطريق، وقيم تغذي مسيرة الحياة، وثمّن المزروعي عالياً المشاركة في هذا الملتقى، الأمر الذي يشكل دليلاً آخر على الأهمية التي يحظى بها التراث في نفوسنا جميعاً، ودوره المأمول في مد جسور التواصل بين الحضارات وإغنائها بألوانه الثقافية الزاهية. “ ومن مصلحة المهتمين بالتراث والساعين لصونه، أن تبقى هذه العلاقة في أكمل صورها، وهذا ما نرمي إليه جميعاً من هذا الملتقى، واختتم المزروعي بقوله للمشاركين “إن ما لديكم من خبرات وتجارب ورؤى مستقبلية كفيل بتوجيه مسارات العمل في مؤسساتنا التربوية والتعليمية نحو آفاق الجودة والإبداع، في مجال صون التراث وتفعيل حضوره الإيجابي في مجتمعاتنا ومؤسساتنا الثقافية “. حضور الافتتاح حضر الافتتاح كل من الدكتور ناصر علي الحميري مدير إدارة التراث المعنوي بالهيئة ، وعبدالله مصبح النعيمي المندوب الدائم لدولة الإمارات العربية المتحدة لدى اليونسكو، والدكتورة فاطمة العامري الملحق الثقافي لدولة الإمارات العربية المتحدة بجمهورية مصر العربية، وإبراهيم الزبيدي أخصائى البرامج باليونسكو، والدكتور نصر عارف رئيس قسم الدراسات العربية والإسلامية بجامعة زايد، وعوض صالح مستشار التعاون الدولي بالهيئة، وسالم الصيعري المدير التنفيذي للخدمات المساندة بمجلس أبوظبي للتعليم، وجمع كبير من الخبراء والمتخصصين في محاور التراث والتعليم من داخل الدولة وخارجها. وأكد الدكتور ناصر الحميري أن التعليم في كل زمان ومكان، طوق النجاة، وسلم الرفعة والتقدم، هكذا نفهم التاريخ، وهكذا نستقي منه العبر، والتعليم الذي نروم هو تعليم متكامل الأركان، متوازن الرؤى والآفاق، تعليم يسمو بالقيم، ويصون التراث. لذا نحن في هذا الملتقى أمام رسالة من أسمى رسالات التعليم، رسالته نحو التراث، الذي يشكل بؤرة الاهتمام، والرعاية من قيادتنا الرشيدة في دولة الإمارات العربية المتحدة، والذي من أجله يلتئم جمعنا في هذا المكان. التواصل بين الأجيال واعتبر الحميري أن التراث والتعليم جناحان لطائر واحد، بهما يغرد في الفضاء، وبهما يحط في أعلى القمم .. إذ كيف يسمو التعليم دون جذور تثبت قامته في مهب الريح؟ ودون ظلال يتفيأ تحتها كلما اشتد لظى الشمس؟! وبالمقابل هل كل تعليم قادر على توظيف التاريخ بكفاءة وإتقان؟ وهل كل تعليم قادر على احتضان التراث، ومد جسور التواصل بين الأجيال، وجسر الهوة بين الثقافات؟ أي تعليم هذا الذي نروم حامياً للتراث الوطني وتراثنا الإنساني المشترك؟. وأعرب سالم الصيعري المدير التنفيذي للخدمات المُساندة في مجلس أبوظبي للتعليم عن حُسن اختيار التراث والتعليم شعاراً لهذا الملتقى، فهذا الشعار يعبر بوضوح عن التكامل بين المؤسسات التعليمية والمؤسسات التراثية في بلدنا، إذ لا يمكن للتعليم أن يحقق أهدافه في تأصيل القيم والاتجاهات لدى الأجيال القادمة من أبنائنا دون أن يستقيها من منابعنا الأصيلة في التراث، ودون أن يبقى تاريخنا الحافل بالصفحات المشرقة في جميع المجالات ماثلاً في حياتنا الحاضرة، وحافزاً لنا على إعادة ضيائه وتدعيم مكانته في مستقبلنا، من جانب آخر تبقى مدارسنا ومؤسساتنا التعليمية هي الحاضن الأوفى والمهد المناسب لتراثنا، منها تستقي الأجيال كل قيمها وأصالتها ومعانيها الإنسانية الكثيرة. وقال الصيعرى : لقد ركزت حكومة أبوظبي في خطتها الاقتصادية 2030 على تطوير العنصر البشري باعتباره الركيزة الأساسية في خطط التنمية، ومن أجل تحقيق تلك الرؤية لحكومة أبوظبي وضع مجلس أبوظبي للتعليم خطة استراتيجية طموحة لتطوير التعليم في الإمارة، وكانت إحدى أهم أولويات تلك الخطة هي التركيز على تعزيز الهوية الوطنية لدولة الإمارات والمحافظة على تراثها الأصيل وذلك من خلال برامج واضحة ومتخصصة في هذا المجال. التنوع الثقافي وألقى إبراهيم الزبيدي أخصائي البرامج في اليونسكو، كلمة المنظمة الدولية للتربية والثقافة والعلوم، قال فيها: يُشرفني أن أنقل لكم تحيات الدكتور حمد الهمامي ممثل اليونسكو لدى الدول العربية بالخليج ومدير مكتب اليونسكو بالدوحة وتمنياته لأعمال هذا الملتقى بالتوفيق والسداد، وأرى أن الثورة العلمية والتكنولوجيا والأحداث المتسارعة، الإيجابية منها والسلبية التي يواجهها العالم، حتمت على الدول إعادة النظر في مختلف مجالات الحياة والقيام بتطوير شامل على جميع الأصعدة لمواكبة الأحداث الجارية، ولكن ذلك التطور في جميع المجالات قد يكون له آثار سلبية حيث إنه قد يعرض تراث أي أمة وعاداتها وتقاليدها بشكل غير مباشر ولكن بشكل حتمي. وأوضح أن التراث الثقافي غير المادي يُعتبر “بوتقة للتنوع الثقافي وعاملاً يضمن التنمية المستدامة” كما نصت (اتفاقية اليونسكو لسنة 2003 المتعلقة بصون التراث الثقافي غير المادي)، والتي تعتبر اللغة أداة لنقل التراث الثقافي غير المادي، وقال إن الدول الخليجية تتميز بتراث ثقافي غير مادي غني في مجالات الأدب الشفهي، والعادات الفلكلورية، والتقاليد والمعتقدات الشعبية، والحرف والأعمال اليدوية التقليدية، والأغاني والرقصات فضلاً عن الألعاب والرياضات الشعبية والفنون. ولفت إلى أن اليونسكو تعمل بالتعاون مع الدول على حماية التراث غير المادي من خلال عمليات البحث، والجرد، والتوثيق للتاريخ الشفهي والتقاليد والقيم المحلية. وتسهم بشكل كبير في توثيق وحفظ الثقافة التقليدية وتشجع على تطوير مبادرات محلية جديدة في مجال الآداب والفنون والحرف اليدوية . واعتبر أن المتاحف هي المؤسسات التي ترعى ملكية العالم الثقافية وتشرحها للناس، ولها أهمية كبيرة في تعليم التراث بطريقة غير أكاديمية، فيمكن إدخال وسائل الإعلام وأجهزة الحاسوب وشبكة الإنترنت كوسيلة تعليمية شيقة للتراث في المتاحف، وخارجها. كما يمكن إنشاء متحف افتراضي تعليمي، يواجه التحديات المعاصرة. فتحسين حالة المتاحف في المنطقة العربية وتفعيل نشاطاتها التربوية والاجتماعية والثقافية، مطلب عاجل ومهم. سيرة بني هلال ذكر د. برهانة عدداً من النماذج التراثية من الأدب منها: 1- ألف ليلة وليلة . 2- سيرة عنترة . 3- سيرة الأميرة ذات الهمة. 4- سيرة بنى هلال ،وغيرها كثير، إضافة إلى الخراريف) الخرافات الشعبية (الحكايات الشعبية) ذات الأصل التاريخي ( وتلك التي تمنح من الحياة اليومية وغيرها، ومن خلال متابعتي لما نشر من هذه المادة على مستوى الوطن العربي مثلاً وجدت أن هذه السرديات تجمع بين الوحدة والتـنوع. فلقد أطلعت على نماذج متعددة من أقصى المشرق ومن أقصى المغرب ، ومن الوسط ومن الأطراف ، ووجدت هذه المادة تنطلق في العادة من أصول واحدة ولكنها في الوقت نفسه يحتوي على اختلافات تشير على مصادر تنتمي إلى الحقبات الزمنية والظروف المحلية التي مرت بها كل منطقة إلى مصادر تنتمي إلى جوار أفريقي أو آسيوي أو بحر متوسطي أو عالمي مما يسجل لصالحها ويجعل منها ثقافة منفتحة على الفضاء الإنساني إلى جانب همها المحلي والقومي . تحويل الأسطورة إلى حقيقة شارك كل من د. فاروق زكريا ، ود.عزيز شعيب ، ونسرين عبدالله من كليّة التكنولوجيا الإبداعية والتراث بجامعة ماليزيا كيلانتان، ماليزيا بدراسة حول “تعليم التراث: تحويل الأسطورة إلى حقيقة- تجربة جامعة ماليزيا كيلانتان “ يُعتبر التراث عنصراً مهماً في تطوّر الأمم. غير أنّ التراث مهدد بالاختفاء ويجب إحياؤه. وتُبذَل جهود حثيثة لتثقيف الجيل الصاعد عن التراث المحتضر من خلال زيادة الوعي والإدراك بالتراث عبر التعليم. في كافة أنحاء العالم، هناك اهتمام متزايد بالحاجة إلى إعادة التراث إلى أنظمتنا التعليمية، بكل بساطة لأنّ التراث يصوّر هوية الإنسان العرقية والثقافية. وعلى ضوء المعضلة المطروحة أعلاه، تنظر جامعة ماليزيا كيلانتان (UMK) إلى التراث كفرصة يجب انتهازها واستغلالها على نحو مناسب. فالتراث بالنسبة لجامعة ماليزيا كيلانتان هو جوهرة ثمينة تحتاج إلى لمسة جديدة. لذلك في يوليو 2007، عرّفت الجامعة متخرجي الثانويات الماليزيين على برنامج أكاديمي فريد من نوعه يُعرف بـ”إجازة في دراسات التراث بدرجة امتياز” . حالة خلاء ثقافي ناقش المشاركون في الملتقى عدداً من الأوراق العلمية حيث أدار الدكتور نصر عارف رئيس قسم الدراسات العربية والإسلامية بجامعة زايد الجلسة الأولى وضمت كلا من الدكتور عبدالله علي إبراهيم من جامعة ميسوري بالولايات المتحدة الأميركية ، والدكتور محمد بن فاطمة بجامعة تونس ، والدكتور نهاد الموسى عميد كلية التربية بالجامعة الأردنية، وقدم د. عبد الله علي إبراهيم دراسة بعنوان أصوات أخرى في الحديقة: التعليم والتراث في السودان ، وقال إن الاستعمار مشروع ثقافي بعيد المدى. ويشترك التبشير، أياً كان، والاستعمار في سوء ظنهما بثقافة الآخر ، فمهمتهما تنحصر في تفريغ الآخر من ثقافته أو بدائيته أو وثنيته أو همجيته وحشوه حشواً بما حملا من دين جديد صحيح أو ثقافة متحضرة حديثة. فالآخر، موضوع الاستعمار أو التبشيـــر، في نظرهما في حالة خلاء ثقافي “ سيستنبت “ المبشر أو المستعمر الرياحين الفكرية في ذهنه القفر القاحل. التراث في المنظور الإسلامي قال د. محمد بن فاطمة : ليس كل مافي التراث يعبر بصدق عن أصالة الثقافة العربية الإسلامية، وعن العطاء الذي أسهم به العلماء المسلمون في تطوير الحـــضارة الإنسانية عبر عصور ازدهار الفكر الإسلامي، أنّ التراث ليس فقط الشعائر والعادات والصناعات التقـــليدية والعـمارة والأغاني واللّباس؛ فهو أيضاً وخصوصاً، الكون النفسي الذي يمكّن من فهم تلك العادات والقيم والأغاني واستيعابها؛ وهو في آخر الأمر نظام ذهني يتّسم بالاتساق الداخلي وأرضية لتطوير الحاضر وتمثل المستقبل القريب والبعيد ، وعندما جاء الإسلام، وجد مجتمعات قائمة بخصوصياتها الثقافية، والفكرية. فأبقى على ما هو صالح من هذه التراث، ما لم يكن في ذلك إفساد للعقيدة الإسلامية، أو إشراك بالله وأبقى على كلّ إرث حضاري للشعوب الأخرى غير المسلمة، أياً كانت ديانتها كالكنائس، والبيع، وكل ما هو خاص بتلك الشعوب؛ “ طالما لم يكن فيه أذى للمسلمين “ وما لم يكن عامل فتنة أو ذبذبة لهم. كائنات تراثية شارك د على محمد برهانة مدير عام المركز الوطني للمأثورات الشعبية - ليبيا بدراسة حول السرديات التراثية وتعليم التراث أشار فيها إلى أن الإنسان هو “ الكائن الذي يعيش التاريخ دون بقية الكائنات “ لأنه يحمل تجاربه التاريخية منذ أن وجد إلى يومه ، وهذه التجارب هي التي تحدد استجاباته للمواقف المختلفة التي يتعرض لها ، كما أن هذه التجارب تجعل منه كائناً اجتماعياً ، بمعنى أنه يعيش في وسط ثقافي تتجاذبه جدلية الثابت والمتحول فهو دائماً يراكم خبرات جديدة ، على أنه في جميع الأحوال يبدو التراث من الأهمية بدرجة لا يمكن للإنسان أن يخرج من أسره ، ولابد له من أن يكون سلوكه متعلقاً به بكيفية من الكيفيات . فالإنسان بالضرورة كائنا تراثياً يحمل على كاهله تجارب القرون ولا يستطيع منها فكاكاً . ومن هنا خطورة التراث ، ومن ثم فإن الأمر يقتضى التعامل معه بوعي ، فلا ينبغي إهماله والتنكر له لأنه مكون أساس من مكونات الهوية ، ولا يجب الانصياع له حتى تصبح الكائنات الإنسانية كائنات تراثية.