أمين صالح

فيلمه «شباب» Youth، ثاني أفلام سورنتينو الناطقة باللغة الإنجليزية، حاز ثلاث جوائز من الأكاديمية الأوروبية للسينما كأفضل فيلم أوروبي وأفضل مخرج وأفضل ممثل (مايكل كين). تدور أحداثه داخل وخارج منتجع صحي في منطقة الألب بسويسرا، حيث يلتقي نزلاء أثرياء ومشهورون.
من بين هؤلاء، نجد فرِد «مايكل كين»، وهو مؤلف موسيقي وقائد أوركسترا متقاعد، في الثمانين من عمره، وصديقه ميك (هارفي كايتل)، وهو مخرج سينمائي شهير في السبعين من عمره، يرافقه فريق من الكتّاب الشبان يعملون معه على إنهاء كتابة سيناريو ينوي أن يخرجه مع ممثلة هوليوود المخضرمة (جين فوندا)، التي عملت معه مراراً، وهو يريد من فيلمه هذا أن يكون الأخير، وبمثابة الوصية الفنية.

اختلاف
على الرغم من صداقتهما القديمة وبعض الاهتمامات المتشابهة، فإنهما يختلفان جوهرياً في نظرتهما إلى الحياة، وكيف ينبغي أن يعيشا الفصل الإبداعي الأخير في مسيرتهما الفنية بطريقة ذات معنى ومرضية على المستوى الشخصي.
عبر سلسلة من التفاعلات الوجيزة، لكن المضيئة، يتأملان ما آلت إليه مسيرتهما وحياتهما الشخصية. ثمة ذكريات مشتركة تجمعهما.. يتذكران أشياء من الماضي، ما فاتهما من فرص، المنافسة التي احتدمت بينهما ذات مرّة لكسب ودّ امرأة أحبها الاثنان. العلاقة بين الصديقين تتسم بالحميمية، والبهجة، من دون تعقيدات. الاثنان يرصدان ما يدور حولهما بأعين الدهشة والافتتان والحيرة والحسرة، وربما الغيرة.
المخرج ميك يدرك أن هناك امتدادات هائلة في حياته لم يعد يستطيع تذكّرها. فترة شبابه أضحت فارغة تماماً. كم هي مخيفة هذه الفكرة. يقول ميك: «الشباب يجعل كل شيء يبدو قريباً، بينما الشيخوخة تجعل كل الأشياء تبدو بعيدة». الزمن يتمثّل في المسافة، لهذا هو يسابق الزمن لإنهاء السيناريو. فرِد، الموسيقار، اعتاد زيارة المنتجع الصحي لإجراء الفحوص الطبية. ترافقه ابنته ومساعدته لينا (راشيل فايس) التي تمر بأزمة مع زوجها (ابن المخرج) المتعجرف، حيث ينفصل عنها ليرتبط بمغنية بوب لمجرد أنها أكثر إثارة من الناحية الجنسية.
فرِد يرفض «لأسباب خاصة» أن يلبّي دعوة ملكة بريطانيا لإقامة حفل موسيقي. في الزيارة الثانية لموفد الملكة يشرح فرِد سبب رفضه: هو لم يعمل إلا مع زوجته المتوفاة في تأدية تلك الأغاني.. «الأغاني البسيطة» (التي هي من أشهر أعماله) واتخذ قراراً بألا يعمل مع مغنية أخرى.
بعد هذا المشهد مباشرة، تقوم لينا بتوبيخ أبيها، في مونولوج حزين متدفق بينما دموعها تنذرف، وتهاجمه لأنانيته وإخفاقاته العديدة كأب، وافتقارها إلى الدفء الأبوي، إضافة إلى سوء معاملته لأمها، وعلاقاته النسائية، وتكريسه نفسه وكل وقته للموسيقى.. هي لحظات مؤثرة بعمق.

شخصيات
إن فرِد، رغم اعتزاله، لا يستطيع أن يتخلى عن هوسه بالموسيقى. إنه يحلم أو يتخيّل نفسه في الحقل وأمامه قطيع من الأبقار، فيما يرتجل مقطوعة تتألف من أصوات خوار البقر والأجراس المعلقة في أعناقها وأصوات الطيور.
الفيلم يضم عدداً من الشخصيات الثانوية، إلى جانب شخصيات أخرى تتسم تصرفاتها بالغرابة:
هناك الممثل الشاب (بول دانو) الذي لا يبدو سعيداً لشهرته في تأدية دور الإنسان الآلي (الروبوت) في الأفلام. وهو يحضّر لتأدية دور في عمل تاريخي. إنه شخص جذاب، يراقب ما حوله في دهشة وهدوء.
وهناك الممثلة المخضرمة التي تزور المخرج لتعلن له رفضها الظهور في فيلمه لأنه لم يعد المخرج المؤثر والناجح (بعد سلسلة من الإخفاقات التجارية لأفلامه) ولأن أعماله، حسب رأيها، فيها الكثير من الادعاء. برفضها لعب الدور ينهار حلم المخرج وأمله وطموحه.
هناك أيضاً:
ـ لاعب الكرة السمين والشهير، الذي يحمل على ظهره وشماً لوجه كارل ماركس.
ـ ملكة جمال العالم، المتوّجة حديثاً التي تقيم في الفندق كجزء من جائزتها، والتي تبهر العجوزين بجمالها، ثم يتضح أنها أذكى مما يتصوّر الآخرون.
ـ متسلق جبال تنجذب إليه لينا، ابنة الموسيقار، والذي يعمل على تخليصها من عقدة الخوف من الأماكن المرتفعة.
ـ زوجان كهلان لا يتبادلان الحديث على الإطلاق أثناء وجودهما في المطعم. فجأة المرأة تصفع زوجها أمام دهشة الرواد، ويعبّران عن سلوك عدائي عنيف وحاقد تجاه بعضهما.

أحداث
الفيلم يكاد يخلو من الأحداث الدراماتيكية، المثيرة والمشوّقة. إنه يقوم على الأجزاء، الشظايا، اللحظات الكاشفة، الصور الحلمية والهذيانية، اللمسات السوريالية، الإضاءات والومضات الخفيفة. بالأحرى، الفيلم يتعامل على نحو حصري تقريباً مع التعارضات المبسطة: الشيخوخة والشباب، الجمال والقبح، الجاذبية والنفور، السمو والتفاهة، الفطنة والحماقة.
العديد من الأعمال التي تكون محورها شخصيات متقدمة في السن لا تخلو في موضوعاتها من الأطروحات الفلسفية بشأن الحكمة والفقْد والندم وقبول الأمر الواقع، وغيرها من التي تمس الشيخوخة. فيلم «شباب» أيضاً يتعرّض إلى تلك الثيمات، مقدّماً تأملات في الشيخوخة والإبداع مغلّفة بالدعابة. تأملات غير معقدة أو مربكة في الحياة والموت والفن. عن مرحلة الشيخوخة وما يرافقها من فقْد وتوق إلى أخذ المزيد، قدر الإمكان، من الحياة. عن الفرص الضائعة وانحسار المتع. عن المحاولات اليائسة والفاشلة لاستعادة تلك الطاقات والرغبات التي اختبرت في مرحلة سابقة.
من بين الثيمات التي يطرحها الفيلم، الإحساس المرير بمرور الزمن. التحسّر على الوقت الضائع. المشاريع المجهضة. افتقاد الحب. الحرمان من المتع الحسيّة، من الجمال. افتقاد لذّة الخلق والإبداع. المشاكل والآلام الجسمانية التي ترافق الشيخوخة. الذاكرة التي تضمحل تدريجياً. وجع التذكر والحنين.
إنه تأمل ثري عاطفياً في الحكمة المكتسبة من الحياة، في الفقْد، في النسيان والتذكّر.

جماليات
عمل غنيّ، متعدّد الطبقات، ذو جمالية بصرية أخاذة. من جديد يستعين سورنتينو بمدير التصوير المبدع لوكا بيجازي الذي صوّر كل أفلامه، ما عدا باكورته. هنا يدير ببراعة الكاميرا لتبهرنا بالصور الحيوية والحركات السلسة الرائعة والتكوينات الجميلة.
أداء رائع من الممثلين. منذ سنوات لم يحصل كين وكايتل مثل هذه الفرصة، مثل هذه المادة الغنية، لتأكيد قدراتهما الأدائية المدهشة.
وجمالية الفيلم لا نجدها فقط في التصوير البديع والأداء الحساس المؤثر، لكن أيضاً في المونتاج، في التدفق الموسيقيّ للصور، في الإيقاع. الفيلم انقسم من حوله النقاد، البعض اعتبره عملاً إبداعياً راقياً، ووصفه بأنه يقدّم متعة بصرية وسمعية وفكرية، وبأنه يغذّي العين والأذن والعقل. بينما وجد البعض الآخر فيه نقاط ضعف ورأى بأنه لا يستحق ما حصل عليه من حفاوة وتكريم. نقاد سورنتينو غالباً ما يشيرون إلى التعارضات بين قوة العناصر البصرية المتوفرة في أفلامه وضعف القصة التي يتناولها أو افتقارها إلى التماسك والمتانة.
يقول الناقد ويسلي موريس: «سورنتينو مخرج عظيم. ليس فقط لأنه يعرف كيف يؤلّف لقطاته المدهشة، لكنه أيضاً يمتلك الفطنة والدهاء والمخيلة الخصبة التي من خلالها ينجح في إغوائك وجعلك تصدّق بأنك لم تشاهد أبداً مثيلاً لما يعرضه. فيلماً بعد فيلم، هو يلتزم بذلك الإغواء، وفي كل مرّة يأتي بطريقة أفضل لتقديم موسيقى بصرية. مع أغلب المخرجين، الإشارة إلى فلليني كمرجع قد يسبّب حرجاً وارتباكاً.. لكن مع سورنتينو، فلليني يمثّل خريطة طريق وبطارية قابلة للشحن».

سورنتينو عن فيلمه: لست مفتوناً بالأثرياء بل بالفنانين
أدلى المخرج باولو سورنتينو بالعديد من الآراء عن فيلمه، هنا نقتطف بعضاً منها:

* شخصيات الفيلم هادئة، جليلة، ومحبوبة.
* الأثرياء الذين تراهم في الفيلم كلهم ينتسبون إلى الفن. لست مفتوناً بالأثرياء بل بالفنانين.
* أيضاً أنا مفتون بالمسنّين. عندما أشيخ، آمل أن أفتتن بالشباب.
* كنت أحتفظ بقصة هذا الفيلم، في ذهني، منذ وقت طويل. في الأصل، أردت أن أحكي قصة قائد الأوركسترا. أنا مأخوذ بهؤلاء الموسيقيين، الذين يقودون الأوركسترا. ذات مرّة قرأت قصة عن موسيقيّ إيطالي شهير رفض أن يذهب ويعزف أمام الملكة. لقد أذهلني هذا الفعل. أنا نشأت في بلدة صغيرة، وبالنسبة لي، فكرة أن شخصاً يضع نفسه في مستوى الملكة، تبدو لي غير قابلة للتصديق. في الواقع، تلك كانت نقطة الانطلاق للفيلم.
* بالنسبة لي، الزمن هو الموضوع الممكن الوحيد: كيف يمرّ الزمن، كم من الوقت مرّ علينا، كم من الوقت بقي لدينا. كل شيء يتمحور حول الزمن.
* ربما حققنا الفيلم لتبديد خوف معين أعتقد أننا جميعاً نشعر به. مرور الزمن يثيرني لأن المستقبل فرصة عظيمة للحرية، والحرية شعور ينتمي إلى الشباب.
* الشخصية التي يمثلها مايكل كين تحتفظ بمسافة بينها وبين الأشياء، وهذا أمر مؤثر، لكنه بالطبع لا يضمن السعادة، بل بالأحرى يضمن سكينة معيّنة. أما الشخصية التي يؤديها كايتل فيهيمن عليها الشغف من غير منازع.. إنه المخرج الذي يجعل من صنع الفيلم مسألة حياة أو موت، وهي ظاهرة عامة ومألوفة في السينما: تحقيق الفيلم يمكن أن يصبح حالة استحواذية، هاجساً حقيقياً.
* لديّ فضول شديد بشأن الآخرين، بشأن حالاتهم النفسية، مشاعرهم، حماقاتهم، جنونهم، أو سلوكهم الروتيني. تثير اهتمامي الشخصيات أكثر من أي شيء آخر، سواء في الحياة الواقعية أو في الأفلام. أولئك الذين أشعر تجاههم بالانجذاب أو الافتتان أو النفور قد يكونون إيطاليين، وبالتالي ممثلين، ولو جزئياً، للمجتمع الإيطالي، وأحياناً يكونون رموزاً، كما في حالة أندريوتي.
* عندما تسرد قصةً فإنك تواجه سلسلة من الحالات، الأوضاع، الأفعال، العادات، المناظر. لا يهم ما إذا كانت جميلة أو قبيحة في الحياة الواقعية لأن للفيلم، بالضرورة، خاصية جمالية والتي، بالنسبة لي على الأقل، ينبغي أن تكون مرْضية ومشبعة.
* طريقتي في خلق المشاهد: أقوم بالتخطيط لها، في البيت، قبل تصوير الفيلم. عملية التحضير تحدث مرتين: الأولى، بعد قراءة السيناريو، فقط في ما يتصل بالقصة. الثانية، بعد انتهائي من استكشاف المواقع، ومن هذا أحصل على عناصر بصرية مفصلة ودقيقة لخلق المشهد.
في الموقع نادراً ما أرتجل، فقط عندما تخطر لي فكرة رائعة. لكن الأفكار الرائعة نادرة جداً، وغالباً ما تكون خاطئة. إنني أتخيّل الفيلم وأنا جالس على الكرسي، بعد ذلك أرسم المشاهد. ذلك ما يُفترض في صانع الفيلم أن يفعله: يتخيّل الفيلم قبل أن يوجد. إنني أعرض الفيلم في ذهني سلفاُ، ودوماً يكون المتخيّل باهراً ودقيقاً أكثر من الفيلم المنجز.
إذن، أجلس وأتخيّل اللقطات، فيما أبقي على المشهد والحوار ومعنى المشهد ثابتاً في ذهني. أتخيّل العدسات المطلوبة، زوايا الكاميرا، ارتفاع الكاميرا، حركاتها. أتخيّل الشخصيات، وأين ستكون البؤرة. كل هذه الأشياء المتغيّرة موجّهة نحو هدف وحيد: جعل المشهد يعمل وفقاً للمستلزمات والمقتضيات القائمة في السيناريو.
* في السابق، كنت ألجأ إلى رسم المشاهد واللقطات قبل التصوير. الآن، بعد أن اكتسبت الخبرة من التجربة، صرت أتصوّر التكوينات ذهنياً وفي الموقع أقرر ما ينبغي فعله وتصويره.

أحاديث سورنتينو عن الفيلم مترجمة من المصادر التالية:
Indiewire 21, 2015
Cineuropa, 20.5.2015
Emanuel Levy, December 4, 2008