ملاك الموت
إعداد- ميسون جحا:
تمضي ديبورا وينزر حكما بالسجن مدى الحياة لقتلها زوجها، لقد ارتكبت جريمتها بواسطة حقنة قاتلة، وكانت هي الشخص الوحيد القادر على إعطاء تلك الحقنة· لكن البعض يتساءل عما إذا كان ما ارتكبته وينزر هو جريمة قتل فعلي·
وقعت الكارثة الأولى عند الساعة الثالثة والربع من مساء 26 أكتوبر في عام ،1984 عندما سقط دومونيك ماكارثي من فوق دراجته البخارية، وترك لساعات محبوسا تحت حافلة، أمضى الستة الأشهر التالية في مستشفى، وقد شل الجزء السفلي من جسده، وقدر له أن يمضي باقي حياته على كرسي متحرك·
وعندما كان في المستشفى في ستانمور، في شمال غرب لندن، تزوج دومونيك من صديقته ديبورا وينزار، والتي التقى بها خلال دورة تدريبية للعمل في حقل التمريض· كان ماكارثي في الثانية والعشرين، ووينزار في العشرين· تعامل العريسان مع حالة ماكارثي بإيجابية، فقد نظرا ليوم 26 أكتوبر بأنه اليوم الذي نجا فيه من الموت·
تأثرت الأسرة والأصدقاء من مرونته، وقد وصفه صديقه ديفيد روبيرتس بأنه 'دائم المرح وصبور'· حصل ماكارثي على درجة علمية في العمل الاجتماعي من معهد هاتفيلد بولي تكنيك، وقد أظهر اهتماما كبيرا بحقوق المعاقين، وأصبح عاملا مرموقا في المجال الاجتماعي في مركز كينج فيشر في بيتروبوره، والذي يقدم خدماته لأصحاب إعاقات تعليمية وجسدية·
قال صديق له: 'في ذلك الوقت كان ماكارثي يشتعل حماسا وذكاء'، وقال صديق آخر: 'كان من نوعية الأشخاص الذين ينسجمون مع جميع أنواع البشر'· وقد وصفته نادين جي، وهي زميلة سابقة بقولها: 'يتمتع بحضور كبير، كان مستقل التفكير وقوي الإرادة، كنت تراه على كرسيه المتحرك حاملا أكياس المشتريات بأسنانه'·
تعويض سخي
وفي مارس ،1991 وعند الكشف عن تفاصيل بوليصة التعويض عن الحادث، تبين أن التسوية التي تمت مع إدارة المواصلات في لندن كانت أكبر مما توقعه· حصل ماكارثي على 620 ألف جنيه استرليني، تمكن وزوجته وينزر ليس فقط من الانتقال لمنزل أكبر، بل لتطويع المكان لاحتياجاته (على سبيل المثال، تم تركيب مصعد داخلي)· وقد أقيمت في حديقة المنزل عدة حفلات شواء للأصدقاء، لكن ماكارثي ووينزار واصلا العيش بالاعتماد على دخلهما، وأعطى المال والقروض لأفراد الأسرة·
في عام ،1993 ولد لهما طفل جميل، وقد أفاد المشرفون التربيون الذين كانوا يزورون ماكارثي ووينزار أنهما كانا أبوين حنونين أوليا اهتماما كبيرا لرعاية طفلهما· وأشار أحد مشجعي فريق ويست هام، أن ماكارثي كان يحضر بانتظام مباريات كرة القدم والرجبي· حضر عدة حفلات موسيقية، بصحبة وينزر أحيانا، وفي معظم الأوقات بمفرده، لأن اختياراتها لم تتفق دوما مع اختياراته·
وكما قال الأصدقاء، في بداية عام ،1997 كان ماكارثي وزوجته يعيشان حياة نشطة كعادتهما· ورغم أن وزنه بلغ 120 كيلوجرام، كان يجري تمارين حمل أوزان لتقوية الجزء العلوي من جسده·
في 31 يناير ،1997 حلت مأساة ثانية بالأسرة، وجد ماكارثي في سريره وهو في غيبوبة· وقد توفي بعد عشرة أيام· وفي 19 يوليو عام ،2000 أدينت وينزار بقتل زوجها، وحكم عليها بالسجن مدى الحياة، وبهذا لم يفقد الابن الوحيد لماكارثي ووينزار أحد أبويه، بل كلاهما·
في الوقت الحالي، تبلغ وينزار الأربعين من العمر، وقد عملت منذ عام 1990 لمدة سبع سنوات كممرضة في مستشفى العام في كيتيرينج، إنها أصغر خمسة أخوة وقد عمل والدها ملاحا في القوات الجوية الملكية، وكان يتنقل بين قواعد بريطانية متمركزة في مناطق عديدة من العالم·
كانت أسرتها واثقة من براءة وينزار، ولكن ثقة أفراد الأسرة في العدالة البريطانية كانت راسخة بقدر شكوكهم في وسائل الإعلام البريطانية· لم تتأثر ثقتهم بالعدالة عقب صدور الحكم، فقد افترضوا أن القضية ستسوى في محكمة الاستئناف؛ لكن عند ثبوت الحكم الأولي، قررت أسرة وينزار اللجوء للصحافة·
ارتاب المحققون والقضاة في احتمال إقدام وينزار على قتل زوجها طمعا في أمواله، لكنها حاولت الدفاع عن نفسها وإثبات براءتها دوى جدوى· في قاعة المحكمة قالت أنها أحبت ماكارثي وأنها تزوجت منه بعد إصابته، وعندما لم يكن هناك أمل كبير في حصوله على تعويض مالي ضخم· وقد اضطرت لاستخدام دراجة هوائية للوصول لعملها، وكان عليها مساعدة زوجها في دراسته التي استمرت أربع سنوات·
في الثلاثين من يناير ،1997 خرجت وينزار بصحبة زميلتها في القسم ماري نويل لحضور حفلة وداع للأطباء المتدربين في المستشفى· ولأن فترة عملها تبدأ عند السابعة من صباح اليوم التالي، ولأنها ستسهر حتى ساعة متأخرة في الحفل، فإنها قررت عدم قيادة سيارتها لمسافة 30 دقيقة للعودة لبيتها ورتبت لتمضية الليلة في شقة ماري نويل·
في ذلك اليوم، شعر ماكارثي، وكان قبل أيام مصابا بالأنفلونزا، بالبرد والتعب، ونصحه زميل له بالعودة للبيت، رغم أنه عمل كالمعتاد حتى الخامسة مساء· في مكالمات هاتفية أجراها مساء ذلك اليوم، قال لأخويه ووالدته أنه متعب وسينام مبكرا· وبسبب اهتمامها وقلقها على صحة زوجها، لم تغادر وينزار البيت إلا في وقت متأخر من مساء ذلك اليوم، ولم تصل لبيت صديقتها ماري إلا بعد التاسعة· عند التاسعة والنصف، أوصلهم زوج صديقتها لمكان الحفل، غادرا مكان الحفل قرابة الواحدة صباحا، ورجعا لمنزل نويل حيث جلستا تتحدثان لمدة 90 دقيقة، كما قالت نويل·
في صباح اليوم التالي، غادرت وينزر المكان دون إيقاظ مضيفيها· عند تمام السابعة صباحا عادت لعملها في المستشفى بنشاط وبمعنويات مرتفعة، كما قال زملاؤها الذين كانوا يضحكون ويتندرون على ما جرى في الحفلة التي انتهت قبل ساعات قليلة·
جولة استطلاعية
وقبل التاسعة صباحا بدأت في الاتصال هاتفيا بماكارثي للاستفسار عن حالته· عندما لم يرد أحد، ساورها قلق خاصة لدى علمها أن ولدها لم يصل لدار الحضانة· وقد عرضت جين لانكاستر آدلام، مديرة الحضانة، أن تقوم بجولة استطلاع حول المنزل، وعندما قرعت الجرس ولم تتلق أي رد استطاعت التكلم مع الطفل من خلال النافذة وأقنعته بتمرير المفاتيح لها· وجدت ماكارثي في الطابق العلوي، فاتصلت بطبيب الأسرة الذي وصل بعد العاشرة صباحا وطلب سيارة إسعاف·
عانى ماكارثي من تدني مستوى السكر في الدم، وهو من الأسباب التي كانت تستدعى إعطاءه حقنة أنسولين· خضع لعلاج مكثف في المستشفى ولكنه توفي بعد عشرة أيام لاحقة·
أثناء المحاكمة، ظهرت شكوك وتوقعات· في مناسبتين، في يومي 2 و4 فبراير، لوحظ محاولة شخص ما للعبث بجهاز يضخ دواء مهدئا في جسد ماكارثي خلال أقامته في المستشفى·
ثارت شكوك حول احتمال أن تكون وينزار قد حقنت زوجها ماكارثي بمادة الأنسولين بهدف التخلص منه· لم يثبت ذلك، ولم يستطع محامو الدفاع نفي التهمة عن وينزر، وما تزال تقضي حكما بالسجن مدى الحياة· ربما تكشف الأيام القادمة عن حقيقة هذه الجريمة، ولحين ثبوت التهمة على وينزار أو تبرئتها، سيبقى طفلها الوحيد في رعاية جدته لأمه وأخواله بعد أن حرم من أبويه معا·
المصدر: 0