أحمد عاطف - شعبان بلال - عبدالله أبوضيف (القاهرة)

الأمواج المتلاطمة طالما تحمل معها تغييرات جديدة وحقباً أكثر تطوراً لا سيما مع نشاط حركة التجارة التي في المعتاد يلاحقها ظاهرة القرصنة، وكذلك الجماعات الإرهابية الساعية للربح من أي شيء وكل شيء، وهو ما حدث بالفعل على مدار الفترة الماضية في البحر الأحمر، إذ يُعد البحر الأحمر وخليج عدن، من أهم الممرات المائية الدولية، التي تنقل نحو 15% من التجارة العالمية.
وفي ظل احتدام وتيرة استهداف أمن البحر الأحمر وخليج عدن من قبل الميليشيات الحوثية في اليمن عبر استهداف بعض السفن التجارية على مقربة من مضيق باب المندب، وكذلك محاولات بعض الدول فرض سيطرتها على الموانئ والشواطئ لإعادة إحياء أمجاد قديمة ولت منذ عهود مضت ولن تعود، كان على الدول الـ8 المشاطئة والمطلة على البحر الأحمر (السعودية ومصر والأردن واليمن والسودان وجيبوتي والصومال وإريتريا)، إنشاء «كيان» يجمع الدول المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن لمنع أي قوة خارجية من أن تلعب دوراً سلبياً في هذه المنطقة التي تتمتع بحساسية استراتيجية خاصة.
«الاتحاد» في هذا الملف عبر التحدث إلى خبراء في كافة المجالات الأمنية والاستراتيجية والبحرية والاقتصادية في أكثر من 4 دول عربية، تبرز التحديات الاستراتيجية التي يجب أن توضع أمام الدول المشاطئة، وكذلك لبحث أهمية وجود الكيان التنظيمي التي دعت له المملكة العربية السعودية في الأسابيع الماضية والذي كان قد سبقه نقاشات بين مسؤولي الدول الثمانية منذ نحو عامين بالقاهرة في إطار مواجهة التدخلات الأجنبية في ذلك الممر المائي الاستراتيجي، وتأمين حركة الملاحة البحرية لممر دولي مهم.

مواجهة التهديدات
يقول الدكتور أحمد الشهري، المحلل السياسي السعودي، إن اجتماع وزراء خارجية الدول العربية والإفريقية نجاح كبير يسجل للمملكة العربية السعودية وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز لأهمية هذا التكتل العربي الإفريقي حول هذا البحر الهام والحساس الذي يقع بين مضيقين هامين، هما باب المندب وقناة السويس، موضحاً أن هذا التكتل يضم 5 دول من أفريقيا و3 دول من آسيا مشاطئة للبحر الأحمر، وسيعمل ضد كل من يحاول تهديد أمن وسلامة البحر الأحمر، الذي يشكل أكثر من 15% من التجارة العالمية.
وشدد الشهري، وهو رئيس منتدى الخبرة السعودي، لـ«الاتحاد» على أن منطقة البحر الأحمر حساسة جداً على المستوى الإقليمي والجيوسياسي والجيواستراتيجي للعالم، وكل هذه الدول تحالفت لتأمينها ضد أي تدخلات، خاصة أن هناك محاولات للتسلل لزعزعة الأمن، وبوجود هذا التحالف سيكون حائط صد ضد هذه التدخلات.
وعلى المستوى الاقتصادي، أشار المحلل السياسي السعودي إلى أن هناك الكثير من المكاسب الاقتصادية التي ستكون دائماً لهذه الدول، لافتاً إلى أن البحر الأحمر لم يستثمر حتى الآن، مشدداً على أن وجود البحر الأحمر خالٍ من النزاعات ومن التدخلات وزعزعة الأمن يعزز من هذه القوة الموجودة في البحر الأحمر.

ضرورة استراتيجية
واتفق الدكتور وحيد حمزة، المحلل السياسي السعودي حول أن الأمن في البحر الأحمر أصبح ضرورة استراتيجية لجميع الدول العربية والأفريقية المطلقة على البحر، لافتاً إلى أن هناك محاولات من العديد من الدول للتدخل فيه وبسط هيمنتها على البحر.
وشدد حمزة لـ «الاتحاد» على أن المصلحة القومية السعودية والمصرية تتطلب هذا التعاون لكون شواطئهما الأطول على البحر الأحمر، لافتاً إلى أن هناك محاولات للهيمنة على البحر من خلال الحوثيين على مضيق باب المندب وأيضاً على مضيق هرمز الأمر الذي سيخنق مصر والسعودية ويهدد مصالحهما القومية، معتبراً هذه الخطوة استراتيجية تتطلب تعاوناً وثيقاً وفعالاً.
ويفصل البحر الأحمر كممر مائي ضيق وطويل بين قارتي آسيا وأفريقيا، ويقسم العالم العربي إلى قسمين آسيوي وأفريقي، حيث يمتد طولياً لمسافة 2350 كم، ويربط كلاً من بحر العرب عن طريق باب المندب، والبحر المتوسط عن طريق قناة السويس. وبذلك يُعد البحر الأحمر عاملاً مهماً له ثقله في التطورات السياسية والعسكرية، والاقتصادية أيضاً، في المنطقة العربية بأكملها.

مشروع تأخر تقديمه
اللواء بحري إيهاب البنان، مستشار هيئة قناة السويس السابق، أشار إلى أنه كان من ضمن الفريق الذي تقدم بمشروع الدرع البحري المشترك بين الدول المطلة على البحر الأحمر قبل عامين، وذلك أثناء عمله كمستشار للهيئة، وحينها كان الأمر يقتصر على مواجهة عمليات القرصنة التي تسببت في ارتفاع التأمين على الناقلات الكبرى المارة بقناة السويس، وهو الأمر الذي جعل قوى اقتصادية بحرية تتجه لاستخدام طريق رأس الرجاء الصالح بعيداً عن قناة السويس، بسبب هذه العمليات، إلا أن المشروع لم يتم تنفيذه لأسباب عدة، ومن ثم تمت إعادة بلورة المشروع من المملكة العربية السعودية، وهو أمر في منتهى الأهمية في هذا التوقيت.
وأضاف البنان لـ«الاتحاد» أن تشكيل هذا التكتل العربي الأفريقي من شأنه أن يقلل من حجم المخاطر وهو ما سيؤدي بالتالي لتقليل حجم التأمين للناقلات البحرية، ومن ثم زيادة أعدادها بشكل كبير في البحر الأحمر، وهو الأمر الذي تستهدفه مصر والمملكة العربية السعودية، لدفع كافة هذه الناقلات على المرور من خلالهما بدلاً من المرور من طريق رأس الرجاء الصالح.
يذكر أن إجمالي الناتج المحلي للدول الثماني المشاطئة للبحر الأحمر، أكثر من تريليون ومائة مليار دولار، في حين يتوقع البنك الدولي أن يتجاوز هذا الناتج 6 تريليونات دولار بحلول عام 2050، كما أن قربه من أعلى مخزون نفطي في العالم، حيث يوجد نحو 70% من احتياطي النفط العالمي في منطقة الخليج العربي، القريب من البحر الأحمر، زاد من أهمية هذه البحيرة العربية، كون البحر الأحمر الطريق المختصر للوصول إلى هذا المخزون.

قاعدة رأس بناس
حسب اللواء عبد الرافع درويش، الخبير الاستراتيجي والوكيل السابق لجهاز المخابرات المصرية، فإن مصر والسعودية صاحبتا الضرر الأكبر من حالة الفوضى التي تغمر مياه البحر الأحمر، الأمر الذي سيدفع مصر في المشروع العسكري البحري الجديد إلى تطوير قاعدتها البحرية المعروفة بالقرب من باب المندب «رأس بناس»، والمتولية الدفاع عن هذه المنطقة من القرصنة المعروف بها البحر الأحمر، ومن ثم تعد هذه القاعدة رأس الحربة للمشروع الجديد، وبالنظر إلى القوة العسكرية فإن الخليج بقيادة المملكة العربية السعودية، ومصر باعتبارها تمتلك أهم ممر بحري في العالم «قناة السويس»، والذي يعتبر مضيق باب المندب المدخل الرئيسي لها، قوتان رئيسيتان للمجموعة الجديدة.
وأضاف درويش أن هناك تهديداً بحرياً لثروات البحر الأحمر، أكثر منها في البحر المتوسط، خاصة مع محاولات تركيا للتمركز في جزيرة سواكن السودانية، ووجود قاعدة عسكرية كبرى في الصومال، إلى جانب التهديدات الحوثية المستمرة في اليمن كإحدى دول البحر الأحمر، إلى جانب عمليات القرصنة الموجودة بالفعل في البحر الأحمر، كلها أمور ستجعل الجميع في النهاية يتحد لتشكيل درع عسكري مشترك لمواجهة كل هذه التهديدات.
وكان وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، قد أعلن الأسبوع الماضي أن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز سيدعو إلى قمة لقادة الدول المطلة على البحر الأحمر، موضحاً أن «هذا الاجتماع يأتي لتسريع وتيرة تعاون دولنا وتعزيز قدراتنا بما يمكننا من مواجهة أي مخاطر أو تحديات»، مشيراً إلى أن المملكة حريصة على التنسيق والتعاون مع شقيقاتها الدول الأعضاء لمواجهة التحديات والمخاطر، مؤكداً خلال الاجتماع على إقرار ميثاق تأسيس مجلس الدول العربية والإفريقية وخليج عدن، على أن يرفع إلى القادة في اجتماع القمة الذي سيدعو له خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز.

شريان التجارة الرئيسي
يعد البحر الأحمر وخليج عدن أحد الشرايين الرئيسة للتجارة الدولية، ليس لأن 86% من صادرات النفط العربي في الخليج تمر عبره فحسب، وإنما لكون حركة التجارة بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، وكذلك أميركا، تمر من خلاله أيضاً، بما له من سواحل طويلة، وموانئ تجارية وصناعية مهمة تسهم في حركة التجارة على المستويين الإقليمي والدولي، مثل ميناء جدة وينبع والعقبة والسويس وبورسودان والحديدة وغيرها، إضافة إلى العائد الاقتصادي الذي توفره هذه الموانئ لتلك الدول، عبر ما تقدمه من خدمات وتسهيلات تجارية للناقلات التي تمر في البحر الأحمر، وتتجلى الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر، كذلك عبر ما يمر به من بضائع وسلع تصل قيمتها إلى نحو 2.5 تريليون دولار سنوياً، تُمثل نحو 15% من التجارة العالمية.

استفزازات وتحديات
يعتبر العقيد يحي أبو حاتم، الخبير العسكري اليمني، أن اليمن كدولة مطلة على البحر الأحمر فاعل رئيسي في هذا الحلف، خاصة مع إشرافها على مضيق باب المندب، إلى جانب كونها مطلة على بحر العرب، ومن جهة أخرى باعتبارها أصبحت مصدراً للتهديدات لنفس المنطقة خاصة مع التوترات المتصاعدة داخلها، من كون سيطرة جماعة الحوثي الإرهابية على بعض المناطق وتحويل ميناء الحديدة الاستراتيجي على البحر الأحمر إلى مركز لاستيراد وجمع السلاح، بالإضافة إلى استفزازاتهم المستمرة لحركة الملاحة البحرية في بحر العرب.
وأضاف أبو حاتم لـ«الاتحاد» أن المنطقة تشهد توترات عسكرية متصاعدة، وعدم وجود تنسيق قوي لحماية مقدرات ثروات البحر الأحمر، سيجعله مستباحاً من الجميع، خاصة وأنه من البحار المفتوحة المعروف عنها زيادة عمليات القرصنة، وتنفيذ عمليات تعطيل الملاحة البحرية وخطف سفن وغيرها من الأمور التي كان بطلها جماعات وميليشيات غير نظامية مدعومة من دول كبرى في المنطقة، وبالتالي سيشكل هذا الكيان خلاصها من كل هذه الأمور، وسيجعل المنطقة أهدأ باعتبار مواجهة تكتل قوي مكون من عدة دول أصعب من مواجهة دولة بعينها أو قاعدة عسكرية لدولة واحدة في المنطقة ومن ثم يسهل إجراء مناوشات معها من قبل هذه الجماعات الإرهابية المسلحة.
العميد عبده مجلي، المتحدث باسم الجيش اليمني، أكد أن دعوة المملكة العربية السعودية لتشكيل درع مشتركة لحماية البحر الأحمر، أمر محمود، خاصة مع الاعتداءات المستمرة من الميليشيات الحوثية الإرهابية، والتي حاولت في وقت سابق استفزاز السعودية وتعطيل حركة الملاحة في مضيق باب المندب أو بحر العرب بشكل عام، وهو الأمر الذي يتم مواجهته فوراً، إلا أن الدعوى الأخيرة تمثل مربطاً لمنع كافة هذه التهديدات العسكرية للاقتصاد الوطني للدول المطلة على البحر الأحمر، وتمنع أي تهديدات مستقبلية لغلق مضيق باب المندب من بعض القوى في منطقة الشرق الأوسط.
وأضاف مجلي أن دول التحالف العربي كانت سباقة لحماية أمن البحر الأحمر، وتشكيل قوة درع مشترك من كافة الدول سيدعم موقفهما لحماية ثرواته، والتي تعمل بعض القوى من خلال ميليشيات إرهابية مسلحة كجماعة الحوثي الإرهابية من محاولة السطو عليها بالتحايل على القانون الدولي، وهو الأمر الواجب مجابهته بشكل حاسم من قبل المجتمع الدولي وليس من دولة أو اثنين فقط، مشيراً إلى أن الوضع الإقليمي ساخن وخاصة في منطقة الشرق الأوسط ومن ثم ضرب هذه الميليشيات هو البداية للتهدئة، وقطع أذناب بعض القوى الإقليمية التي تحاول إثارة الأوضاع بين فترة وأخرى عبر المضايق البحرية في البحر الأحمر.
وأكد أن اليمن وجيشها شريكاً استراتيجياً في هذه الأمور، حيث يتم التأكيد بشكل دائم على رفض هذه الاعتداءات ويتم مجابهتها بالشكل الأمثل بالشراكة مع قوات التحالف العربي.

ممرات مهمة للعالم
من السودان، قالت أسمهان إسماعيل إبراهيم، محلل سياسي وباحثة متخصصة علاقات دولية، إن البحر الأحمر يعتبر من أهم روابط وطرق التجارة العالمية وهو ممر مهم يساهم في توفير الأمن لتدفق النفط والغاز لمختلف دول العالم، لهذا احتدم التنافس حوله وحول جزره، موضحة أن وجود باب المندب وقناة السويس باعتبارهما ممرات مائية تمر عبرها التجارة العالمية أكسبت البحر الأحمر أهمية قصوى وجعلته منطقة تتسابق عليها العديد من القوى الإقليمية والدولية لإيجاد موطئ قدم لها.
وشددت أسمهان لـ«الاتحاد» على وجود العديد من القواعد العسكرية لقوى دولية وإقليمية على عدد من الدول على شاطئ البحر الأحمر تحت مختلف الذرائع، منها حماية تجارتها العالمية ومكافحة الإرهاب والقرصنة، وكلها تشير لأهمية البحر الأحمر كمعبر مائي يربط بين قارتي أفريقيا وآسيا.
وأكدت المحللة السياسية السودانية، أن أهمية البحر الأحمر كموقع استراتيجي يتطلب شراكة إقليمية من الدولة المشاطئة له لحفظ أمنه واستقراره، طالما هو يخدم مصالحها، وكذلك يخدم دول العالم عبر التجارة العالمية، ولإسرائيل اهتمام خاص بالبحر الأحمر باعتباره يمكن أن يشكل قاعدة انطلاق لمحاربة أعداء إسرائيل لذا نجد أن إسرائيل في حركة دؤوبة لمنع سيطرة الدول العربية عليه ومنع كافة المشروعات العربية عليه واعتباره ممراً مائياً دولياً ليس حكراً على العرب.
وقالت أسمهان إنه بسبب خطورة التحديات التي تواجه أمن البحر الأحمر، والذي هو جزء أساسي من الأمن العربي القومي، كانت هناك حاجة ملحة لتضافر كل الجهود لإنشاء كيان عربي له كامل السيادة على مياه البحر الأحمر، لذا تأتي خطوة المملكة العربية السعودية بتأسيس تحالف وتوقيع ميثاق لتكوين مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن في هذا التوقيت يعتبر في غاية الأهمية مع ازدياد السباق والأطماع في منطقة البحر الأحمر.
ولفتت إلى أن توقيع الاتفاق الشامل يشمل 8 دول، وهي السعودية، ومصر والأردن والسودان، واليمن وجيبوتي، والصومال وإريتريا، موضحة أنه على الرغم من أنه لم يطرح رؤية تكوين قوة عسكرية ولكنه يعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح للتنسيق والتعاون بين الدول المشاطئة للبحر الأحمر عبر مشاريع اقتصادية واجتماعية مختلفة للتمكن من السيطرة الاستراتيجية على المنطقة وقطع الطريق أمام تدخلات الدول والجهات المعادية.
وأشارت إلى أن فكرة المجلس ستواجهها تحديات كبيرة جداً خاصة من الدول أو التكتلات التي تسعى لتدويل مياه البحر الأحمر وإبعاد السيطرة العربية عنه، مؤكدة أن مواجهة هذه التحديات يتطلب الالتزام الصارم من الدول المشاطئة للبحر بمقررات ما طرح في وثيقة مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر والاستمرارية في تنفيذها.