اختلفت أهداف الفلاسفة على الدوام. اختلفت أهدافهم باختلاف عصورهم، وثقافاتهم، وخبراتهم اليومية والحياتية، وهذا مما لا يخفى عن أحد. إلاّ أن غاية الغايات التي عمل معظم الفلاسفة على تحقيقها ظلت هي نفسها في كل أحوالهم وفي كل الحالات، تحقيق السعادة. أو بتعبير أكثر تواضعا نقول: إن الحد من الشقاء لهو الرهان الأساسي للفلاسفة منذ سقراط إلى غاية اليوم.

ظلت السعادة ـ باعتبارها حالة انعدام الشقاء ـ غاية الغايات في تاريخ الفلسفة. والأمثلة كثيرة، من بينها على سبيل المثال:
- غاية العدالة عند أبي الفلسفة السياسية، أفلاطون، هي تحقيق السعادة، طالما يجب على الإنسان أن يكون عادلا لكي يكون سعيدا.
- غاية الأخلاق هي السعادة بالنسبة لأبي المنطق، أرسطو، والتي سماها بالخير الأسمى طالما هي الخير الوحيد الذي يُطلب لذاته.
- الوظيفة الأساسية للفلسفة حسب فيلسوف اللذة، أبيقور، هي السعادة، والتي تتطلب التحرر من المخاوف، والتحكم في الرغبات.
- غاية التعاليم الرواقية منذ زينون، وإبكتيتوس، وأوريلوس، وبوثيئوس، هي التقليص من دائرة الشقاء، من خلال تنمية القدرة على التحكم في الانفعالات، وضمان قدر من التناغم مع قوانين الطبيعة.
- غاية الحرية والعقل والتقدم حسب فلاسفة التنوير، لوك، هيوم، روسو، فولتير، إلخ، هي سعادة الإنسان، والتي لا يمكن تحقيقها إلا في سياق مشروع مجتمعي تاريخي يقوم على أساس مبادئ العلم، وقيم الديمقراطية، وثقافة حقوق الإنسان.
- غاية المجتمع الشيوعي بالنسبة لماركس هي سعادة الإنسان، والتي لا يمكن تحقيقها إلا في مجتمع حيث تختفي الطبقات، وتنتفي الملكية الخاصة، ويزول صراع الإنسان ضد أخيه الإنسان.
بل حتى شوبنهور الموصوف في تاريخ الفلسفة بفيلسوف التشاؤم سيعود في شيخوخته إلى «جادة الصواب» لكي يكتب كتابا بعنوان معبر، «فن أن نكون سعداء».
لربما يمثل كانط نوعا من الاستثناء، طالما يرى أن غاية الأخلاق ليست السعادة وإنما غايتها في ذاتها، فيما يسميه بالأمر المطلق، بمعنى «يجب أن أفعل الواجب لأنه واجب». غير أن الاستثناء الكانطي لا يلغي القاعدة: السعادة هي غاية الغايات في تاريخ الفلسفة منذ سقراط إلى غاية اليوم. ومن يدري؟ لربما يتطلب كانط اليوم تأويلا جديدا، وهذا كل ما في الأمر. أو لعله رهان آخر.
هناك دليل إضافي، يتعلق الأمر بصدور العديد من الكتب الأساسية في تاريخ الفلسفة بعناوين تتضمن مصطلح السعادة: «تحصيل السعادة» (الفارابي)، «فن أن نكون سعداء» (شوبنهاور)، «الفوز بالسعادة» (برتراند راسل)، «خواطر حول السعادة» (ألان)، «السعادة يأسا» سبونفيل، (في السعادة) فريديريك لونوار، إلخ..

شرطان فلسفيان
لكن الأمر لا يخص الفلاسفة حصرا، إذ تبقى السعادة وعد الكثيرين: خبراء التنمية الذاتية، الكهنة، المشعوذين، المهرجين، مروجي المخدرات، إلخ.. فما الذي يميز الفلاسفة بنحو يجعل وجودهم ضروريا؟
هناك شرطان أساسيان يخصان الفلاسفة حصرا.
الشرط الأول، شرط الحقيقة:
تقوم السعادة عند الفلاسفة على احترام مبدأ الحقيقة. إذ أن الفيلسوف هو الشخص الذي لا يقبل أي قدر من خداع الذات، أو خداع الآخرين، حتى ولو كان ثمن الخداع هو الشعور بنوع من السعادة. نعلم أن الطبيب مثلا قد يقبل بعض أشكال الخداع لدواع علاجية (المسكنات، المهدئات، المخدرات، بعض أشكال التمويه النفسي، إلخ..)، غير أن الفيلسوف يرفضها غريزيا. الرهان الأساسي لديكارت هو أن يتحكم الإنسان في ذاته بدون أوهام. الرهان الأساسي لسبينوزا هو أن يبتهج الإنسان استنادا إلى الحقائق بدل الأوهام. رهان ماركس هو أن يدرك الناس واقعهم الاجتماعي بدون أوهام. ذلك أن ما يسعى إليه الفيلسوف ـ من حيث هو فيلسوف ـ هو أن تقوم السعادة على الحقيقة والصدق والنزاهة بدل الوهم والتضليل والخداع. لعل الأمر هنا متعلق بمعادلة صعبة، غير أنها ليست مستحيلة في كل الأحوال. هنا بالذات تكمن خصوصية وأصالة الرهان الفلسفي على إمكانية الحد من الشقاء الإنساني بدون حاجة إلى أي شكل من المسكنات أو المخدرات.
الشرط الثاني، شرط السلام:
تقوم السعادة عند عموم الفلاسفة أيضا على مبدأ السلام، سواء تعلق الأمر من جهة أولى بالسلام الداخلي، في علاقة الشخص بذاته، وفيما كان يسمى عند الأبيقوريين والرواقيين القدماء بالأتراكسيا (السلام الروحي ـ الطمأنينة)، وهو ما يعني القدرة على تدبير الذات؛ أو تعلق الأمر من جهة ثانية بالسلام الأهلي بين الأشخاص، ما يعني القدرة على تدبير المجتمع، فيما يسمى بالسلم الأهلي أو المدني. ذلك أن الفيلسوف هو الإنسان الذي لا يقبل أن ترتبط السعادة بأي شكل من أشكال العنف، سواء تعلق الأمر بالعنف الذاتي، أو العنف بين الذوات.
بتعبير بسيط نقول: غاية الفلاسفة الحد من الشقاء من دون اللجوء إلى الخداع، ومن دون اللجوء إلى العنف. ما يعني أن السعادة الفلسفية تستند إلى كل من مبدأ الحقيقة، ومبدأ السلام.

مفارقتان عمليتان
حين ننتقل من الفلسفة إلى الحياة اليومية فإننا نلاحظ بأن أكثر شيء يبحث عنه الناس هو الإحساس بالسعادة. بل السعادة هي الوعد الوحيد الذي قد يضحي الناس من أجله بكل شيء: المال، المنصب، الزواج، الأسرة، الأهل، البلد، الأصدقاء، إلخ.. كما أن الإنسان لا يتحمل العناء إلا حين يحمل وعدا بالسعادة، أو يحمل على الأقل وعدا بالتقليص من الشقاء.
لكن ثمة مفارقتان ملفتتان:
المفارقة الأولى مفادها أن السعادة هي أكثر شيء يبحث عنه الناس كافة، لكنها أقل شيء حضورا في مجالات البحث العلمي، والاهتمام الثقافي، والتأليف التربوي. أكثر ما ينتظره الناس من الفاعل السياسي، والفاعل الاقتصادي، والفاعل الإداري، هو تدابير تلبي رغبتهم في تحقيق نوع من السعادة، إلا أننا في المقابل نادرا ما نجد مسؤولا سياسيا أو اقتصاديا أو إداريا يأخذ السعادة على محمل الجد.
لقد وردت عبارة الحق في السعادة في وثيقة إعلان استقلال الولايات المتحدة الأميركية لعام 1776، ثم عاودت الظهور في تعديل دستوري شهدته البرازيل في عام 2010، لكن تظل هذه المبادرات مجرّد استثناءات لا تلغي كون السعادة هي الهدف الأقل حضورا في البرامج السياسية.
المفارقة الثانية، رغم أن السعادة هي أكثر شيء نبحث عنه إلا أننا لا نعثر عليها، أو لعلها تنفلت منا كلما اعتقدنا الإمساك بها. هذا ما يجعل البعض يستنتج بأن السعادة مجرد وهم لا وجود له ضمن الوضع البشري، وأن الشقاء من تم يبقى قدر الإنسان، الذي لا راد له. غير أن الأمر هنا يتعلق باستنتاج خاطئ وسيئ أيضا. خاطئ لأنه غير صحيح، وسيئ لأنه يهدد الصحة الروحية للإنسان.
إذا كانت السعادة هي الشيء الذي لا نجده حين نبحث عنه فليس لأنها غير موجودة أو غير ممكنة التحقق؛ طالما هناك أشياء لا يجب البحث عنها، بل يجب بناؤها. إن السعادة لتُبنى لبنة لبنة.
تكمن المعضلة الأساسية إذن في تصورنا للسعادة، والتي عادة ما ننظر إليها كما لو أنها وعد مستقبلي، تحمله إلينا عناصر خارجية. أمثلة:
- نتزوج بالشخص الذي نظنّ أننا سنكون معه سعداء، بل نظنّ أننا لن نعيش السعادة الزوجية إلا معه. وما أن يخفق الوعد حتى نلقي باللائمة على شريكنا في الورطة والحياة.
- نسعى إلى تقلّد المنصب الذي نظنه سيمنحنا السعادة المرجوة. وما أن يخفق الوعد حتى نلقي باللائمة على مدرائنا، وشركائنا، وزملائنا في العمل.
- نسعى للهجرة إلى البلد الذي نظن أننا سنعيش فيه حياة سعيدة كما ينبغي. وما أن يخفق الوعد حتى نصب جام غضبنا على بلد الأصل، وبلد المهجر، وعلى البشرية جمعاء.
ما يعني أن تصورنا للسعادة سرعان ما يتحول إلى عامل من عوامل الخيبة ومن ثم ترسيخ الشقاء.
يكمن الخلل في تصورنا للسعادة باعتبارها وعدا. لأننا بذلك النحو نجعلها من جهة أولى خارج نطاق الحاضر، طالما أنها وعد مستقبلي؛ ونجعلها من جهة ثانية خارج نطاق الذات طالما أنها ترتبط بعناصر خارجية وخاضعة لإرادات الآخرين، أو مصادفات الحياة.

قدرة ذاتية
المطلوب ليس شيئا آخر سوى أن نغير من تصورنا للسعادة.
ما السعادة إذاً؟
لسنا مطالبين بنسيان مطلب السعادة أو تركه للشعراء كما تزعم الذهنيات التكنوقراطية. ليس محكوما علينا بالشقاء في هذه الحياة الدنيا كما تدعي الإيديولوجيات الثيوقراطية. كما ليست السعادة وعدا مؤجلا إلى ما بعد إقامة نظام اجتماعي بمواصفات معينة كما تدعي الإيديولوجيات الخلاصية. وكذلك ليست السعادة مجرد مصادفات أو حتميات لا دخل لنا فيها، من قبيل أين ولدت؟ وأين تعيش؟ وبمن تلتقي أو لا تلتقي؟ وذلك فق وجهة النظر الشائعة بين الناس.
السعادة قدرة وليست قدرا. أي نعم، السعادة قدرة من بين سائر القدرات الذاتية للإنسان، والتي يمكن تنميتها، كما يمكن إضعافها. وأما العامل الأساسي في ذلك كله فهو نمط التفكير، والذي سرعان ما يؤثر على نمط الحياة. كيف نفكر؟ هي التي تحدد كيف نعيش؟ القدرة على السعادة هي بالدرجة الأولى قدرة على بناء الذات بنحو أصيل، من خلال بناء العقل والمشاعر والغرائز، والتي تمثل مقومات التفكير. أما المطلوب من العناصر الخارجية (الحكومة، السلطة، الدولة، المجتمع، إلخ..)، فهو توفير الحد المعقول من الظروف التي تسمح للإنسان بأن يبني ذاته بذاته، وعلى إيقاع سعادته الداخلية. لذلك جاء التعبير الوارد في وثيقة إعلان استقلال الولايات المتحدة الأميركية ـ وهو التعبير الذي سيتكرر في تعديل 2010 للدستور البرازيلي ـ على النحو التالي: «الحق في البحث عن السعادة». وإنه لتعبير في منتهى الدقة طالما السعادة بحث تقوم به الذات وفق ما يناسب نموها الخاص بها. لذلك رأى سبينوزا في الفرح تعبيرا عن النمو الذي تحققه الذات. وهو الرأي الذي تبناه برغسون. على أساس ذلك كله، ليس مطلوبا من السياسات سوى توفير الحد المعقول من شروط البحث الوجودي عن السعادة الذاتية.
السعادة تحديدا هي ثمرة تنمية القدرة على التفكير النقدي وفق سقراط وأفلاطون وديكارت؛ وثمرة تنمية ما يسميه سبينوزا بالانفعالات المبهجة على حساب الانفعالات الحزينة؛ وثمرة تنمية ما يسميه نيتشه بغرائز السمو والارتقاء على حساب غرائز الانحطاط. وبالجملة فالسعادة هي ثمرة بناء الإنسان، وأساس بناء الحضارة في الحساب الأخير.
لا تشير السعادة إلى مضمون محدد، بل تحيل بكل بساطة إلى حالة انعدام الشعور بالشقاء. السعادة هي حالة الكينونة حين تنجح في التخلص من أسباب الشقاء الوجودي: الخوف من الموت (أبيقور)، تمرد الرغبات غير الطبيعية (أبيقور)، اضطراب الانفعالات (الرواقية)، انفلات انفعالات النفس (ديكارت)، سطوة الانفعالات الحزينة (سبينوزا)، سطوة غرائز الانحطاط (نيتشه)، سطوة غرائز الموت، الثاناتوس (فرويد)، إلخ..
عبر تاريخ الفلسفة برمته، كانت السعادة ولا تزال اشتغالا على بناء الذات بنحو يمنحها القدرة على الحياة، والقدرة على النمو.
غير أن هناك مفاهيم وقيم ثقافية تنمي القدرة على الحياة والنمو، ومن تم تصنع السعادة، كما أن هناك مفاهيم وقيم ثقافية تضعف القدرة على الحياة والنمو، ومن تم تكرس الشقاء.
هناك برامج اجتماعية وسياسية تنمي تلك القدرة، وهناك في المقابل برامج اجتماعية وسياسية تضعف تلك القدرة.
هناك مناهج تربوية وتعليمية تنمي تلك القدرة، كما أن هناك مناهج تربوية وتعليمية تضعف تلك القدرة.
هذه المجالات هي ميادين ما يسمى بالإصلاح الثقافي، والذي يعتبر الإصلاح الديني أحد فروعه الأساسية، لا سيما داخل المجتمعات التي يغلب عليها الطابع الديني.
بالمناسبة، وطالما نحن مجتمعات يغلب عليها الطابع الديني بالفعل، يبقى هناك سؤال حول علاقة الدين بمطلب السعادة: ألا يعيدنا الخطاب الديني إلى «السعادة الوهمية» التي يحتاط منها الفلاسفة؟
ولنطرح السؤال الحاسم: هل يجعلنا الدين أكثر سعادة أم أكثر شقاء؟ هناك درس سبينوزي بالأساس:
يكفي أن نقلب المعادلة حتى نجد أنفسنا أمام الإجابة المناسبة:
حين نكون سعداء سيكون تديننا سعيدا. حين نكون أشقياء سيكون تديننا شقيا. ما يعني أن هناك دائما جهدا ما يجب أن يسبق الدين في كل الأحوال، سواء في مجال التربية، أو داخل مؤسسات التنشئة الاجتماعية، أو بالنسبة للسياسات الثقافية على وجه العموم. يجب أن ننمي القدرة على السعادة أوّلاً، باعتبارها المظهر الأبرز للقدرة على الحياة والنمو، والباقي مجرد تفاصيل لن يكون الخلاف حولها مخيفاً طالما يتعلق الأمر بمجتمع السعداء.