في تصريح لمدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، ليون بانيتا، أدلى به الشهر الجاري أمام الكونجرس، قال إن بن لادن في حال اعتقاله سيُرسل إلى جوانتانامو. والحقيقة أن هذا التصريح لم يكن مفاجئاً لمن يتابع أخبار المنشأة المثيرة للجدل، وإن كانت المشكلة الأساسية ليست فيما إذا كانت أبواب المعتقل ستبقى مفتوحة أم لا، بل فيما إذا كان الوضع الحالي سيفيد السياسات الأميركية والدولية في مجال مكافحة الإرهاب، حيث نلاحظ غياب تساؤلات مشروعة حول مستقبل جهود الاعتقال، وكيف سيتم التعامل مع الإرهابيين الذين يعتقلون، إذ رغم كل الاهتمام الإعلامي المنصب على معتقل جوانتانامو وما يضمه من محتجزين، لم يتغير النقاش حول الموضوع لأكثر من خمس سنوات اقتصر فيها الحديث على مشروعية المعتقل دون التطرق إلى جوانب مهمة تتعلق بالمعتقلين الذين قد يسقطون في أيدي الولايات المتحدة. وحتى تعهد أوباما بإغلاق جوانتانامو في غضون سنة على تقلده الرئاسة، ظل مجرد حبر على ورق، إذا ما استثنينا تحسين سمعة أميركا في العالم خلال الفترة التي أطلق فيها تعهده. لذا فإن النقاش الجاري حالياً حول المعتقلين المتواجدين أصلاً في المعتقل غطى على نقاشٍ آخر أكثر أهمية حول المعتقلين الذين سيحتجزون مستقبلاً في مناطق مختلفة من العالم. وربما في هذا السياق نفهم إعلان مدير وكالة الاستخبارات المركزية عندما أكد بأنه في حال اعتقال بن لادن فإنه سيودع في جوانتانامو مثل غيره من الإرهابيين، إذ لا بديل آخر أمام الولايات المتحدة ولا يوجد لحد الآن مكان يستضيف الإرهابيين عدا جوانتانامو. ورغم ما يطرحه البعض من أفكار بشأن إدخال المعتقلين في قضايا الإرهاب إلى الولايات المتحدة وتوفير منشأة خاصة بهم داخل التراب الأميركي، فإنه من الصعب مثول هؤلاء أمام محاكم مدنية، لاسيما بالنسبة لمن اعتُقل في ساحة المعركة. وإذا كانت المحاكم المدنية الأميركية قد سبق لها النظر في قضية "أحمد خلفان جيلاني"، أحد نزلاء جوانتانامو، وحكمت عليه بالسجن المؤبد لضلوعه في تفجير السفارتين الأميركيتين في إفريقيا عام 1998، إلا أنها في الوقت نفسه برأته من 284 جريمة. والقليلون فقط داخل الولايات المتحدة مقتنع حالياً بقدرة المحاكم المدنية على مقاضاة العناصر الإرهابية، وبخاصة أولئك الذين يمثلون خطراً ليس فقط على الأمن الأميركي، بل على السلم العالمي ليبقى السؤال الحقيقي هو: كيف يمكننا التعامل مع الإرهابيين الخطرين من أمثال بن لادن والظواهري والموالين لهما في اليمن والقرن الإفريقي، في حال اعتقالهم؟ وماذا نفعل في حالة اعتقال إرهابي دولي يمثل خطراً استراتيجياً على الولايات المتحدة ويتوفر على معلومات استخباراتية مهمة؟ ربما الإجابة عن هذه التساؤلات تكمن في إعادة النظر في كلمة "نحن"، فمعروف أن أكثر من 90 بلداً فقد مواطنيه في هجمات 11 سبتمبر 2001، كما أن "القاعدة" نفذت عملياتها في أكثر من دولة عبر العالم، وتسببت في قتل وجرح مئات المدنيين في بلدان عديدة، لذا لا يمكن التعامل مع الإرهاب على أنه مشكلة أميركية، ومن ثم لا يجب انتظار حلول أميركية صرفة لآفة الإرهاب، بل يتعين إشراك باقي الدول المعنية بالسلم والأمن الدوليين في جهود مكافحة الإرهاب والتي من ضمنها مسألة اعتقال الإرهابيين. ورغم التعاون الواضح الذي أبداه المجتمع الدولي في مواجهة الإرهاب واقتسام المسؤوليات من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية وتعقب الإرهابيين وتجفيف منابع التمويل، والجهود التي تسهر على عدم انتشار خطاب "القاعدة" الراديكالي وتجنيد المزيد من الأتباع... تظل الولايات المتحدة الأكثر تحملاً للأعباء فيما يتعلق باحتجاز المعتقلين والتعرض للتداعيات السياسية لذلك. وحتى في الأوقات التي كان فيها المسؤولون الدوليون يستنكرون استمرار جوانتانامو، كانوا في الخفاء يقبلون احتجاز الإرهابيين الخطرين الذين لا يمكن إطلاق سراحهم مادامت الولايات المتحدة تقوم بالعملية. وبدلاً من مناقشة ما إذا كان يتعين علينا إغلاق جوانتانامو، أو نقل المعتقلين فيه إلى داخل الولايات المتحدة، علينا التفكير في طريق ثالث نعيد من خلاله كتابة مستقبل جوانتانامو ليصبح مقبولاً على المستوى العالمي، وبمعنى آخر علينا التركيز على أن يصبح جوانتانامو عالمياً، وقبل ذلك يجب الاعتراف بدور الاعتقال في جهود محاربة الإرهاب من خلال التوصل إلى تفاهم دولي حول كيفية اقتسام مسؤولية التعامل مع المشتبه فيهم بعد اعتقالهم، بالإضافة إلى النظر في إمكانية مشاركة قوات دولية في الإشراف على جوانتانامو بعد التوصل إلى اتفاق أمني ينظم هذا الأمر بين الدول المشاركة، وهو ما يتطلب إقرار دول العالم بأن محاربة "القاعدة" على مدى العقود المقبلة تستدعي بالضرورة مكاناً لاحتجاز المعتقلين. وهنا يأتي دور المجتمع الدولي الذي عليه أن يعلب دوراً أكثر فاعلية في التعامل مع المعتقلين وعدم ترك الولايات المتحدة تتحمل الأعباء الأمنية والسياسية، لاسيما وأن الإرهاب بات مشكلة عالمية، ليس فقط في تعقب الإرهابيين والقبض عليهم، بل حتى في احتجازهم ومحاكمتهم. ماريسا بورجيس باحثة في «المركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي» - لندن ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»