الآن أصبحت تركيا نموذجا للعرب
ترجمة- يوسف صوالحة:
'الآن أصبحت تركيا نموذجا للعرب'·· هذا ما قاله الرئيس الأميركي جورج بوش عن تركيا بعدما سعت ومنذ أربعة قرون لنيل رضا أوروبا كي تنضم إليها، فقد قامت في عام 1963 بتوقيع اتفاقية للشراكة الحرة مع المجموعة الأوروبية·
غير أن تركيا لم تلق من أوروبا إلا الحرص التام على تحديد الحدود الأوروبية وعدم السماح بتوسعها إلا بشروط صارمة وأمور شبه مستحيلة، لعل أهمها الديانة، والخلفية التاريخية العربية وغير ذلك من الشروط التي من شأنها أن تقصي الحالمة وبشدة تركيا·
ولعل أول تلك الاعتراضات التي كانت في الماضي القديم ولازالت حين أعلن القادة الأوروبيون أنهم لا يريدون انضمام أي من الدول غير الأوروبية إليهم، إلا من كان ذو علاقة متميزة معهم فإنهم يقدمون له التسهيلات وشيئا من التعاون الاقتصادي الذي يعود بالنفع عليهم بالدرجة الأولى مثل مبدأ الشريك المميز الذي تنادي به فرنسا لتركيا في الوقت الراهن، وتعتبر أوروبا هذه الصفة مهمة جدا ومشرفة لمن ينالها لكنها تحت ميزة الانضمام للاتحاد الأوروبي درجة·
علمت تركيا أنها لن تنال مرادها من الاتحاد الأوروبي إلا إذا تخلت عن العديد من الأمور التي من شأنها أن تجعلها بعيدة عن أوروبا، وأهم تلك الأمور الديانة؛ لذلك قامت الحكومة التركية بإلغاء الحدود الشرعية الإسلامية من المحاكم بذريعة حقوق الإنسان التي تنادي بها الدول الأوروبية، ولم تعلن الإسلام دينا رسميا للبلاد، وثاني تلك الأمور الدكتاتورية؛ فقد قامت الحكومة التركية كذلك بالإفراج عن العديد من المعتقلين السياسيين وتخفيف سلطة الجيش على الشعب، وغيرت العديد من الأمور التي تتناسب مع أوروبا وتجعل تركيا دولة أوروبية في قارة آسيوية، وتحملت تركيا كل الضغوط الأوروبية لثنيها عن مرادها بشتى الوسائل غير أنها أصرت على الانضمام إليهم·
أخيرا··وإشادة الرئيس
كل تلك المحاولات كانت على مدار السنوات الماضية، لكن أوروبا لم تقتنع بصدق تركيا المرة بعد المرة، لكن هذه الأخيرة حاولت إثارة الموضوع في كل المحافل والمؤتمرات الدولية ولم تترك من جهدها جهدا حتى حصلت في نهاية الأمر وقبل أيام بإشادة الرئيس الأميركي جورج بوش بالنموذج التركي الذي اعتبره مثالا لدول المنطقة يحتذى به·
ومع تلك الإشادة من الرئيس الأميركي إلا أن الأمر لا يخلو من الاعتراضات التي جعلت تركيا لا تقوم من حفرة حتى تقع في أخرى؛ فقد أصبحت الآن الاعتراضات تصدر من فرنسا وألمانيا، والتي تعد مبررة لدى العديد من الدبلوماسيين الأوروبيين؛ حيث توجهت الاعتراضات لاقتراح الاتحاد الأوروبي بمناقشة مشروع انضمام تركيا إليه في الثالث من أكتوبر القادم·· ولعل أكبر تلك الاعتراضات هي خوف الاتحاد الأوروبي على سلامته من وجود تركيا في عضويته كدولة غير أوروبية تاريخيا، ولا تربطها أي روابط مشتركة بأوروبا·
ماذا جنت تركيا؟
يظهر السياسيون الأوروبيون أن المستفيد الأول من التحولات الجوهرية وعمليات التغيير التي أجرتها تركيا هي نفسها، وخصوصا تلك المتعلقة بالديمقراطية؛ حيث بدأ الساسة الأتراك يشعرون بنوع من الثقة بالنفس وخصوصا عند الاجتماع مع دول العالم المتقدم؛ مما أثر على علاقات تركيا الخارجية·
وكنتيجة لذلك فإن الساسة الأتراك يطمحون في لعب دور مميز في صقل العلاقات مع دول الشرق الأوسط، وسيحاولون تسوية الخلافات مع دول الجوار مثل سوريا، العراق وإسرائيل·
ويرى الأوروبيون كذلك أن فوائد الحالة الصحية التي أصبحت تعايشها تركيا لم تقتصر عليها فحسب، بل إنها تعدت إلى دول المنطقة؛ ومن الخطأ أن يرى العرب والمسلمون تلك التأثيرات الغربية على الحياة التركية سيطرة، وإنما عليهم أن يعتبروها نموذجا للحياة السعيدة والمتقدمة ويحذون حذوها كي يصلوا إلى ما وصلت إليه في علاقاتها مع أوروبا، لأن الاتحاد الأوروبي مقرون بالديمقراطية والتقدم والسلام، ومعظم العالم العربي والإسلامي يفتقر إلى الجميع حتى الآن ، ويمكن العرب اعتبار الرسالة الأوروبية لتركيا موجهة إليهم جميعا·
ومن المفاجئ أن رحبت سوريا وإيران بمشروع انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، لأنهما اعتبرتا تركيا الأوروبية نافذتهما على أوروبا مما يتيح لهما تحسين علاقاتهما معها·· ويبدو أن جميع البلدان الإسلامية قد استفادت من التوفيق التركي بين الديمقراطية والدكتاتورية، وبمعنى أكثر دقة بين الديمقراطية والإسلام؛ ومما يدل على أن تلك الاستفادة قد بلغت مبلغا عظيما، نظر الدول الإسلامية إلى تركيا نظرة احترام وتوقير، ما يحدث اليوم في رابطة العالم الإسلامي في مقرها مكة المكرمة حيث قام الأعضاء بالتصويت بالإجماع على أن يكون المقر الدائم للرابطة في تركيا·
رضا أوروبا مقدم !
ومن الأمور التي جعلت تركيا تحظى بمكانة مرموقة لدى معظم الدول الأوروبية مواقفها 'الإيجابية' حيال عدد من الأزمات في الشرق الأوسط ساعية إلى إقرار السلام··وأقرب الأمثلة على ذلك ما كان من مواقف الساسة الأتراك مثل'رجب طيب آردوغان 'رئيس الوزراء التركي في الملف الفلسطيني-الإسرائيلي وخصوصا مسألة المستوطنات الإسرائيلية، والعلاقات مع إسرائيل·
ولم يقتصر جهد التسامح مع إسرائيل على حد آردوغان بل تعدى إلى أن قام عبدالله غول وزير الخارجية التركي بزيارة في أول العام الجاري إلى إسرائيل حيث دارت حوارات جادة مع إسرائيل بأن تلعب تركيا في الوقت الراهن دور الوسيط في الحوار الفلسطيني-الإسرائيلي، وفي المستقبل في الحوار السوري- الإسرائيلي·
ولعل تركيا لم تشارك في الحرب على العراق مع الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها غير أنها قامت بحشد جهود دول المنطقة للمساعدة في مشاريع إعمارها·· غير أن تركيا قامت بأكبر الأدوار في الشأن العراقي حيث عقدت عدة مؤتمرات شرق أوسطية لبحث أزمة العراق والمساعدة في حلها، وكانت الأمم المتحدة قد أخذت تلك المؤتمرات بعين الاعتبار وقيمتها وطالبت العديد من الدول بممارسة هذه الأساليب لرأب الصدع العراقي·
وبما أن تركيا لديها جهود إقليمية وتقدم كل ما تطلب أوروبا وتشتهي من غير أن تسألها أوروبا ذلك صراحة، فيمكننا القول الآن بأن تركيا نالت رضا قادة الدول الأوروبية، إن لم يكن شعوبها كذلك ··ويعد ما تفعله تركيا اليوم نجاحا، وهي أنها تفصل بين علاقاتها بالدول الأوروبية عامة وعلاقتها بالولايات المتحدة الأميركية· الملاحظ أن تركيا تمسك العصا من المنتصف في علاقاتها مع جميع الدول الأوروبية؛ كي تكسب جميع الأصوات إلى صفها، حيث تعد تركيا أقرب إلى سياسات الدول الأوروبية من سياسات أميركا حيال الملف الفلسطيني والعراقي، غير أنها تميل إلى سياسات أميركا في ملف البلقان وقبرص· إذا كان إصلاح الدول العربية والإسلامية على وفق الوجهة الغربية يكون أنجع إذا كان من الداخل، فإن تركيا تكون قد حلت الأزمة، لأنها الآن وكما يقول المحللون الأوروبيون قد أصبحت مواكبة لوجهة نظر أوروبا إلى حد بعيد بل وأصبحت عاملا مؤثرا في الدول العربية في دعوتها لهم بالاستفادة من تجربتها والسير على خطاها·
المصدر: 0