هل يصبح شعبولا ضحية تداول السلطة؟
دبي ــ محمد الحلواجي:
في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي ارتفع صوت نقاد الأغنية العربية بقسوة ليتهم جيل الأغنية الشبابية آنذاك بالإسفاف وتسطيح الفن والانحدار بذوق الجمهور، وحينها وجد مطربون كثيرون كعمرو دياب وعلي حميدة وحميد الشاعري وسيمون وآخرين أنفسهم واقفين في قفص الاتهام خلف الأستاذ الكبير 'الأسطى' أحمد عدوية، ولكن في واقعنا العربي كان التيار يسير في وادٍ وكلام المثقفين وحماة الذوق والأخلاق والفن والثقافة الجادة في وادٍ آخر، فقد دارت الدوائر وأصبح جيل الأغنية الشبابية المتهم بالأمس يشكل صفا من نجوم اليوم، وصار من ينتقدهم بالأمس يتأسى على أيامهم في ثورة فضائيات هذه الأيام التي تشكل فيها أغنيات حسن الأسمر وحكيم ومن لف لفهم عنصرا يحفظ شيئا من الفن والذوق والطعم والرائحة بعد أن خرجت علينا أفواج من الأصوات التي لا هم لها سوى إقناعنا بأخذ الدروس والعبر من ' النيولوك' في موهبة النهيق الطافح بنكهة إغراء اللحوم البيضاء والسمراء في ما بات يعرف بالفيديو كليب، وكأن الفيديو كليب شيئا جديدا هبط من السماء، رغم أنه لون فني قديم قدم السينما العربية التي حفلت بالمئات من الأغنيات المصورة لمختلف أعلام الغناء العربي·
في ظل المشهد الفضائي الراهن الذي نشط في كل شيء وبقي عاطلا عن العمل في بديهيات الرسالة الإعلامية،ويبرز اسم شعبان عبد الرحيم الشهير بـ 'شعبولا' كضحية مزدوجة للفقر والجهل وتهافت الإعلام، فهو شخص معدم جاء من طبقة شعبية مسحوقة، وإنسان بسيط جرّته الحياة للعمل 'كمكجوي' يسري عن همومه بما يعتبره نوعا من 'الغناء الشخصي' وهو يرش الماء مباشرة من فمه على ياقات القمصان التي يجب أن تكون نظيفة وأنيقة، وهو في ذلك لا يختلف عن أي إنسان من المحيط إلى الخليج وهو يغني في الحمام مثلا أو يقوم بتحضير طبق من البيض أو إبريق من الشاي المنزلي·· فإلى هذا الحد كان كل شيء يبدو طبيعيا، حتى جاء دور من يضحك على شعبان وأمثاله ليقنعه بالغناء في الأماكن العامة، وبخاصة بعد أن تعرف على (الشاعر) إسلام خليل مدرس اللغة العربية بطريق الصدفة فارتبطا معا بقوة بعد كتابة أغنيته الشهيرة 'بحب عمرو موسى وبكره إسرائيل' لتكرّ سبحة الأغنيات المسطحة: 'ما بحبش الكراسي' و'حاشوفلي كمبيوتر' و'ما بحبش الإرهاب' و'كلمة حق' في المرحلة الجديدة التالية·· بعد أن قرر شعبولا في مرحلة سابقة أنه ابتداءً من (أول يناير سيكون إنسانا جديدا·· بعد أن نجح في 'تبطيل السجاير وشال حديد'·· وبعد أن نزل الوكالة واشترى قميص جديد)!!
ردح الصورة والكتابة
هكذا برز 'مكوجي الطرب' الذي لم يسمع في حياته الأولى عن الغسيل بالبخار ولا يزال يحتار حتى اليوم في معنى 'الغسيل الجاف'·· وعلى الرغم من ذلك صار يعيش منعما من خلال جمهور من الأثرياء الجدد ورواد الكباريهات·· بعد منع بث أغانيه في الإذاعة والتليفزيون المصري الرسميين في الوقت الذي تتلقفها الفضائيات العربية·· والسبب كما كان يزعم مسؤولو الرقابة منذ سنوات هو عدم حصول شعبان على اعتراف باحترافه الغناء من الإذاعة والتليفزيون·· ورغم كل الظروف المعاكسة حقق 'المكوجي' حضورا يصعب فهمه وتفسيره عندما ظهر إلى الساحة الغنائية عبر أغان ذات طابع سياسي·· خاصة أن 'شعبولا' والفريق المتعاون معه حرصوا على تقديم الأحداث السياسية الساخنة وتوظيفها في شكل غنائي على طريقة شعبان المميزة المأخوذة عن أسلوب العزف الموسيقي الذي يدمج ببساطة وسذاجة 'الردح الموسيقي للكباريهات' والأعراس الشعبية معا! فمع بداية انتفاضة الأقصى أطلق أغنية 'أنا بكره إسرائيل وبحب عمرو موسى' وزير الخارجية المصري السابق، وبلغت مبيعاتها 5 ملايين نسخة، ثم واصل مشواره مهاجمته للرئيس الأميركي بوش ورئيس الوزراء الإسرائيلي شارون واعتبرهما وجهين لعملة واحدة في أغنية 'الصورة والكتابة' التي أحدثت رواجا كبيرا فباعت خلال 3 أسابيع من نزولها للأسواق أكثر من 300 ألف نسخة داخل مصر و100 ألف نسخة في باقي العالم العربي·
السكوت العربي
وتكرر الأمر مع أغنية 'يا عم عربي' التي استخدم فيها الرسوم المتحركة في نقد السكوت العربي على ما يجري على الساحتين الفلسطينية والعراقية·· إذ يقول في احدى أغانيه: 'هاننزع السلاح·· ومالو شيء جميل·· هاتفتش العراق·· روح فتش إسرائيل·· كفاية بقى تلاكيك·· خلاص الخلق ضاق·· ما تشوفوا إسرائيل وسِيبْكُمْ من العراق'·· وفي مقطع آخر يقول: ' آدي العراق كمان من بعد الأفغان ما حدش بكرا عارف الدور عَ مين كمان ' وقد تم حذف مقطع من الأغنية في الفيديو كليب·· لم يحذف من شريط الكاسيت الصوتي يقول فيه: 'صدام الله يسامحه دخلهم وسطنا·· والراي العام فضي له يشغلنا كلنا'! لهذا الأسلوب المباشر السطحي·· وهذه الصورة البالغة السذاجة للأغنية السياسية المشوهة·· يتكالب على شعبان جمهور غريب وعجيب من الرعاع وأنصاف الأميين الذين يعبرون عن روحهم الوطنية 'بطريقتهم الخاصة جدا'·· فمن يلقِ نظرة على قائمة أغانيه في السنوات الخمس الأخيرة سيجد أن عناوينها أقرب للمنشورات السياسية·· و'عناوين الأخبار'·· وهذا الجمهور الذي تفاعل معه ليس وليد البارحة·· فقد جاء كأحد إفرازات عصر الانفتاح منذ السبعينيات·· وتبلور أكثر بعد أن أعقبه انفتاح إعلامي وفضائي نسأل الله العلي القدير ألا يقودنا إلى عصر 'الانفشاح' لنشهد ظهور أشكال ونماذج لشخصيات جديدة تجرجر كروشا متدلية تسترخي آخر الليل على لهو المقاعد الوثيرة في ولائم السهرات الحُمر·· بعد توهم شقاء عمل النهار·· وربما سيشهد الناس في شاشات بيوتهم قريبا صنوفا أكثر غرابة من الغوغاء الذين لم يكن ليكتب لهم الظهور العلني بكل هذا الحضور الصارخي في الإعلام العربي لولا ظلمة الليل 'العربي الروائي الطويل' الذي جثم على صدور الشعوب العربية رافضا التزحزح والرحيل· آذان الطبقات الشعبية لسنا من دعاة الثقافات المتعالية·· ولا نفضل استعارة أصوات من يعيشون في أسوار الأبراج العاجية بعيدا عن أرض الواقع·· فأن يغني شعبان عبد الرحيم أو سواه·· لا بأس في الأمر·· أن يقول 'أنا أكره إسرائيل' لا بأس في الأمر أيضا رغم أنه ما هكذا تؤكل الكتف وما هكذا تكون الأغاني السياسية··
كُوزْ المحبة
أذكر في هذا السياق أن أحد الأساتذة طلب من تلامذته في قسم الأدب العربي بجامعة البحرين قبل عدة سنوات تحليل أغنية 'كُوزْ المحبة اتْخَرَمْ عَاوِزْ له بلطة لحام' لأحمد عدوية وسط دهشة تلاميذه! ولكن أستاذ الجامعة الفاضل أوضح لطلبته وبجدية بالغة أن هذا أمر هام جدا·· فليس المطلوب أن يكتفوا بدراسة أدب النخبة فقط·· بل عليهم أن يحاولوا أيضا فهم ما تسمعه آذان الطبقات الشعبية في الوطن العربي الذي يضم أقطارا تصل فيها نسبة الأمية إلى أكثر من ستين بالمئة·· وبالفعل اقتنع الطلاب بالفكرة وراحوا يبحثون في أغنيات 'الصنايعية' وعمال الورش والطبقات المسحوقة في المجتمعات العربية·· فاكتشفوا أن هؤلاء الأميين أو ذوو التعليم البسيط المتدني تجمعهم لغة خاصة ولهم مفردات ومصطلحات يومية فريدة طبعت أثرها في ما يعيشون ويأكلون ويرون ويسمعون لتعكس واقعهم وهمومهم وأحلامهم البسيطة في حياتهم التي لا تحفظ ولا توفر للواحد منهم أدنى درجات متطلبات العيش الآدمي الذي يصون للإنسان كرامته· وإذاً، أيا كان الأمر·· ليست لدينا كجمهور مشكلة مع الفقراء أو غناء أو أدب العمال والأميين؛ ألم يكن السيد درويش عاملا بسيطا بدأ بالغناء للترفيه عن رفاقه في العمل؟ ألم يكن عملاق الطرب في تركيا 'إبراهيم تاتلس' عامل بناء أجير يتمتع بصوت عذب؟ ألم يكن شاعر كردستان العراق' شيركو بيكه سيه' خبازا؟ ألم يكن حنا مينا بحارا معدما؟ وإذن··المشكلة ليست في فن وأدب وأغنيات الفقراء·· بقدر ما تكون في الصورة العامة لإعلامنا العربي الراهن الذي خلط الحابل بالنابل·· في صحفنا ومجلاتنا العربية التي تفرد الصفحات لنماذج وأشباه شعبان عبد الرحيم لتقييم كبار المطربين العرب! أو الاستفسار بفجاجة عن السبب الذي يدعوه لارتداء كمية من ساعات اليد الذهبية دفعة واحدة فيفسر ذلك بسبب حرمانه من ارتداء ساعة يد في مراهقته·· أو الحديث عن مشاجراته الدائمة مع زوجته بسبب ولعها باستمرار لاقتناء أعداد كبيرة من أحدث أجهزة الهواتف المحمولة التي لا تعرف كيف تستخدمها! والمشكلة الأكبر تكمن في فضائيات تدعي أنها محترمة فتجلب (مثقفين من الزمن الجديد) لمناقشة ظاهرة أغنيات شعبان عبد الرحيم بدءاً من 'كراهية إسرائيل ومحبة عمرو موسى' وصولا إلى 'ما بحبش الكراسي' و'ما بحبش الإرهاب' فيختلف هؤلاء (المثقفون الجدد) على تعريف الأغنية الوطنية وماهية الأغنية السياسية بحضور شعبولا المسكين الذي لا يملك إلا أن يصدق نفسه كرائد للأغنية السياسية العربية وهو يفتح فمه على آخره! ثم يستمر في نرجسيته فيفتح فمه بصورة أكبر في كل لقاء يتم استضافته فيه وهو يؤكد على المذيع التلفزيوني (أمام الجمهور على الهوا)! مسألة قبضه لعشرات آلاف الدولارات من المحطة نظير تواجده لساعة واحدة في الأستوديو!! ذلك المكان الذي اكتظ بصورة غير عادية بجموع من الفتيات المراهقات المائعات اللواتي ينتظرن إشارة من عصا طبل أو 'هيييييييييه' واحدة من فم المطرب العملاق للهز على الهواء وعلى 'عينك يا تاجر'··
هوس الرقص
وفي المستقبل القريب قد يقود شعبان عبد الرحيم مهرجانات جماعية لهوس الرقص العربي الجماعي، فقد كان يفكر جديا في تكوين فريق غنائي شعبي يتكون من أبنائه·· وقد حاول تنفيذ هذه الفكرة وتحمس لها أكثر بعد مشاركته فريق 'ميامي' الكويتي والنجاح الكبير الذي حققه في 'الدويتو' الغنائي السطحي المشترك· من غير نعم ولا! لم يدع شعبان فرصة اقتراب انتخابات الرئاسة في مصر تمر دون أن يدلي بدلوه كعادته بتدبيج أغنية كما هو الحال مع قنبلته الفنية السياسية الأخيرة 'كلمة حق' التي يدعو فيها جموع المصريين لانتخاب الرئيس حسني مبارك لفترة رئاسية خامسة·· وهي الأغنية التي تخلى فيها شعبان عن إسلام خليل صديقه وشاعره الخاص وعقله المفكر والمدبر منذ أكثر من ثلاثة عشر عاما·· ليستعين هذه المرة بكلمات ضابط في القوات المسلحة يدعى إيهاب قناوي·· حيث تقول كلماتها معددة سجايا ومزايا الرئيس حسني مبارك: 'طور الإعلام·· وبقينا في الريادة اتنين قمر صناعي·· ولسه في زيادة وكمان مدن جديدة·· ومترو مش معقول الريف فيه نور وميه·· ومشيوا بالمحمول بتدي الكل حقه·· وبتتحمل كتير وقدام القانون·· ما فيش عندك كبير والشعب معاك بيفرح·· عشان مصر أمان والعالم كله يشهد·· بشجاعتك من زمان بقى بعد ده كله نسأل·· مين يترشح قصادك معقول فيه حد يقدر·· يشيل هموم ولادك وأرجع وأقولها تاني·· ودي أحلى كلمة حق الشعب اختار مبارك·· من غير نعم ولأ هيييييييييييييييييييييييييه'!!
وقد جاءت أغنية 'كلمة حق' كفرصة ذهبية لتبييض صفحة شعبان عبد الرحيم أمام الدولة بعد أن التقطت الحركة الشعبية في مصر وبطريقة سريالية أغنية 'ما بحبش الكراسي' ووظفتها لصالحها في المعركة الانتخابية بعد أن وجدتها تخدم قضيتها الراغبة في التغيير وتداول السلطة، فطرحتها على موقعها باعتبارها 'من ضمن إفرازات الشارع المصري المهموم بما يجري من حوله'!؟ لكن 'شعبولا' نفى أن يكون للأغنية بعد سياسي وقال حينها: 'لا سياسة ولا يحزنون، كل الحكاية أني بطبيعتي بحب القعدة العربي على الأرض، وطول عمري قعدة الكراسي تتعب ظهري،ولذلك وجدتها كلمات مناسبة أعبر بها عن موقفي من أي كراسي حتى كراسي القهاوي'، وحول ما جاء في الأغنية عن (أربعة كراسي والخامس صغير) وهل المقصود بها فترات الرئاسة الأربع للرئيس مبارك وجمال الابن الأصغر للرئيس، رد شعبان ببساطة عجيبة قائلا: 'أي أنتريه كنبة وثلاثة كراسي، ووجدت من الصعب أغني كلمة كنبة·· واعتبرت الكنبة كرسي وخلاص، وكل واحد يفهم على مزاجه، الناس أحرار في فهمهم'!
سيادة الرئيس
'شعبولا' وأخيرا لعل أطرف وأصدق ما يمكن أن يصف الحال الحقيقية لمطرب المغاسل هي كلمات الكاتب المصري الساخر محمود الكردوسي حين تناول ظاهرة 'شعبولا' وتورطه في الأغنيات السياسية أولا ولغط انتخابات الرئاسة في مصر ثانيا·· بدلا من لجوئه إلى الغناء بشكل طبيعي ومنطقي في مقام 'المكواة' على إيقاع 'طشت الحبيب' أو موشحات وأدوار 'غسيل العشاق'·· حيث يقول الكردوسي بلغته الساخرة المعهودة: 'نحن أعجز من أن نواجه إسرائيل على طاولة مفاوضات، لذا يبدو شعبان 'واقعيا' جدا·· لكن واقعيته أحادية، سطح بلا عمق، لا تعقيد ولا مواربة ولا إعادة إنتاج ولا هم يحزنون، إنها الواقع كما هو، بغلظته وسوقيته وألوانه الصريحة الفاقعة·
وبسبب هذه الواقعية سيكون الأستاذ شعبان أول ضحية في حال أتت انتخابات الرئاسة المقبلة في مصر برئيس آخر، وسيذهب إن شاء الله في 'ستين داهية' على الأقل، واحدة منها فقط بتهمة 'انتحال صفة مطرب'، بينما التسع والخمسون الداهية الأخرى بتهمة التحريض على كراهية أمريكا وإسرائيل، أي 'معاداة السامية'، لكنني أعتقد أن فرصة الأستاذ شعبان في تفادي هذه التهمة لا تزال سانحة، إذ يستطيع في غمار فوضى تعديل المادة 76 من الدستور المصري أن يرشح نفسه لرئاسة مصر، على غرار أحمد فؤاد نجم ونوال السعداوي وسعد الدين إبراهيم وغيرهم من المغامرين العظام·· فهل يفعلها؟ هل يمكن أن نستيقظ يوما على الأستاذ شعبان عبد الرحيم وقد أصبح 'جمهورية خامسة'؟·
المصدر: 0