خولة علي (دبي)

هوس جمع الكتب أو كما يطلق عليه «الببلومانيا»، وصف كداء يجعل الفرد يهم بشراء الكتب والمجلات، ويشعر وقتها بسعادة غامرة وفرحة لا توصف، فهو عندما يشتري الكتب ليس لرغبة في قراءتها والنهل من علومها، ولكن بهدف اقتنائها والاحتفاظ بها في خزانة الكتب الخاصة به دون الاطلاع حتى على محتوياتها، وهنا قد نجد أن الأمر فيه مشكلة نفسية ومعضلة حقيقية يعشيها هذا الفرد، فالأمر ليس طبيعياً، وقد يحتاج الأمر للتوقف ملياً لدراسة هذا الوضع الخارج عن المألوف، فلمَ تكون الكتب يوماً ما مجرد قطعة من ديكور المنزل، أو واجهة لإيهام الزوار بما يتمتع به أصحاب المنزل من ثقافة واهية؟

داء العباقرة والمبدعين
تقول أمل النعيمي: منذ الصغر وأنا أعيش مع الكتب بكل مشاربها وأبي وقتها يمتلك دار طباعة «دار الكنوز» ببيروت كنّا نحظى بكل الإصدارات من الكُتاب، وبعد أن كبرنا كنا نقوم بمراجعة نصوص الكتب مع أبي. في هذا الجو المشحون بالكُتب والكُتاب وعلاقتنا الوطيدة بكلاهما تشكلت نواة حب مختلفة. كنّا ننام والكتاب على وجوهنا أو تحت وسائدنا وفي أدراج خزائننا.
وتضيف النعيمي: تعرفنا على الحياة من خلال معاناة الكثير من الناس، زرنا مناطق الوباء ومناطق الحروب، وكان الشعراء يجولون بِنَا بين مقاصدهم، كل هذا جعلنا ننأى عن الامتلاك، لأننا نعيش وفرة الورق والحروف والنَّاس.
وتتابع: لكنّ كتباً بعينها ما زالت تحفر عباراتها قلوبنا، وأنا من المقتنعين بالبيئة والحفاظ عليها، لذا نشأ لدي نوع من القناعة الذاتية بعدم الاحتفاظ بالوريقات إلا لبعض الكتب المحببة.
وتقول النعيمي: لدي هوس كبير لمتابعة الجديد من الإصدارات، كما أنتمي لنادي القراءة وكلهن نساء يمتلكن حساً مرهفاً في اختيارات الكتب والفضول لمعرفة الجديد، وهوس امتلاك الكتب لا يعتبر مرضاً نفسياً أو عقلياً، حيث إن معظم المصابين به يتمتعون بالكفاءة العقلية، وتندرج هذه الحالة في الوسواس القهري، وهناك عدد من المشاهير أصيب بهذا المرض، الذي اعتبره البعض داء العباقرة والمبدعين، ونجد أن أول من أصيب بهوس الكتاب الشاعر اليوناني يوربيديس في القرن الخامس قبل الميلاد، وممن عانوا منه السير توماس فيليبس، الذي وصل عدد الكتب والمخطوطات لديه ما يقارب 160 ألف كتاب ومخطوط، وبيعت في مزاد بعد وفاته استمر حوالي 100 سنة، ومن أشهر الحوادث في هذا المجال، المواطن الأميركي ستيفن بلومبرج، الذي نجح في سرقة 24 ألف كتاب وكانت قيمتها تقدر بحوالي 5.3 مليون دولار. وبعد الحكم عليه بعقوبة السجن 42 عاماً، قدم محاميه ما يثبت أنه يعاني سلوكاً قهرياً دفعه إلى ذلك، وهو ما يعزز ولعه بالكتب، فتم تخفيف الحكم لعامين مع إلزامه برد الكتب، التي استولى عليها.

جنون الكتب
الاختصاصية النفسية هالة الأبلم تقول: كثيراً ما نجد بعض الأفراد يحرصون على زيارة معارض الكتب، والمكتبات، رغبة في التعرف على الإصدارات الجديدة أو اقتناء بعض الكتب، التي يميلون لها، وهذه من الأمور الجيدة والمحببة، ولكن هناك من يحرص على التواجد في منافذ بيع الكتب ليس لغاية البحث عن الثراء الثقافي والفكري، وإنما من أجل حب تملك الكتب، فلربما يستهوي منظر الكتاب وشكل غلافه الخارجي، وألوانه الزاهية، فلا يلتفت إلى محتوى الكتاب بقدر ما يجذبه مظهره، مما يحول بيته إلى مخزن تملأه الكتب، التي لم تقرأ ولم يعرف محتوياتها، وعندما يسأل عن كتب ما فسرعان ما يخلق الأعذار بضيق الوقت والانشغال التام عن قراءة الكتب التي لديه، وفي أحيان كثيرة تجد الفرد لا يستطيع ولا يعجبه أن يستعير أحد من مكتبته، وهذا ما يطلق عليه جنون الكتب أو هوس الكتب «الببلومانيا»، وهو نوع من أنواع الوسواس القهري، فالمرء هنا يشعر بالبهجة والسعادة عندما يمتلك شيئاً جديداً.
وحول كيفية اقتلاع جذور هذه الآفة التي حولت المنازل مخازن بينما ظلت العقول فارغة، تشير الأبلم بقولها: قبل كل شيء يجب معرفة لماذا يقوم المريض باكتناز الكتب، ويجب أن يتعلم كيف ينظم ما يمتلكه لكي يعلم ما يريده وما يجب عليه التخلص منه، ويمكن طرح عدة أسئلة عليه منها «هل كنت حقاً بحاجة إلى هذا الكتاب؟» و«ما كنت تنوي القيام به مع هذا الكتاب؟»، و«لماذا اشتريته؟».
وربما أكثر ما يلاحظ على الأفراد الشغوفين بجمع الكتب هو تراكم الكتب وعدم تنظيمها، ومحاولة إعادة صف الكتب وتوزيعها وفقاً لتصنيفاتها ومواضيعها، وهنا تكون بداية مرحلة علاج هذا الهوس، فهو سيدرك حينها أنه ليس بحاجة لكم هذه الكتب، وعندها يمكن إقناعه بالتخلص شيئاً فشيئاً من بعضها، ومحاولة طرح بعض الأسئلة عليه، التي يمكن أن تواجهه في تحديد نوعية الكتب، التي يمكن أن تثري فكره والابتعاد عن المكرر منها، والتي لا تحتوي على مادة جيدة مفيدة له، ومنها بعض الكتب التي لا يستطيع أن يدركها عقله كالكتب العلمية المتخصصة، فوجودها سيشكل عبئاً على المكان، وفقاً لحديث الأبلم.
وتؤكد الأبلم على ضرورة اهتمام الأسرة ببداية علاجه من خلال العمل على مشاركته مكتبته والتواجد فيها، فلا بد من الحد من عزلته الاجتماعية، كما يجب أن يجرب العلاج النفسي إذا كانت الحالة متطورة. ويتم علاجه في المستشفيات على شكل وسواس قهري ويكون بالأشكال التالية، العلاج النفسي، والعلاج السلوكي المعرفي، والتأمل والاسترخاء، والعلاج بالتنويم المغناطيسي؛ لمحاولة إعادته لصوابه والتقليل من حدة هذا الهوس.