محمد الضنحاني: ورثت المال والجاه ولم أتنازل عن العيش بعرق الجبـين
دبي- موزة خميس:
كان لعبق التاريخ الإسلامي سطورا هامة دونتها يد التاريخ على تراب أرض دبا، حيث تجسدت أبلغ شواهد تلك المرحلة في مقابر شهداء الإسلام الأوائل إبان حروب الردة على عهد أبي بكر الصديق، والمسجد الأثري الذي يعود للعصر العثماني أيام حكم العثمانيين للمنطقة قبل أكثر من أربعمائة سنة· كما شكلت دبا مركزاً تجارياً هاماً في عصر الفينيقيين، وكانت جزءاً من دولة اليعاربة·· وهي فوق ذلك كله، كانت نقطة وصل هامة بين بلاد فارس وجنوب شبه الجزيرة العربية، حيث أكدت المراجع التاريخية الرفيعة على الدور البارز الذي لعبته دبا قديماً على امتداد العصور المختلفة· غير أن أزهى فترات دبا برزت بصورة أكبر في العصر الفينيقي الذي اشتهر بتطور الحركة التجارية بصفة عامة، عندما اتخذ الفينيقيون من منطقة دبا مركزاً تجارياً فاصلاً بين غرب وشرق آسيا وأوروبا بما يشبه محطة ترانزيت بلغة أيامنا هذه·
لقد شهدت دبا في تلك الأزمان ازدهاراً حضارياً في كافة مناحي الحياة انتهت بنهاية العصر الفينيقي، لتدخل فيما بعد كمكون أساسي من دولة اليعاربة التي قامت في هذه المنطقة من الجزيرة العربية فاحتلت أهم أدوارها التاريخية التي ما تزال مسجلة حتى اليوم· خاصة وأن 'دبا' والمناطق الجبلية المحيطة بها شهدت معارك أبي بكر الصديق 'رضي الله عنه' ضد الردة عن الإسلام، حيث خرج من دبا جيش سمي (بالأصخر) ليشارك في معركة القادسية التاريخية، وهي من أشهر المعارك التي قادها ابن المنطقة 'المهلب بن أبي صفرة' ضد المرتدين عن الدين الإسلامي حيث هزمهم وأعادهم لظل الإسلام مرة أخرى، فاختاره أبي بكر الصديق بعد هزيمته للمرتدين ونصّبه والياً على البصرة وخراسان· ويجهل الكثيرون أن شخصية المهلب التاريخية تنحدر من منطقة لا تزال تعرف حتى اليوم باسمه وهي منطقة 'المهلب'·
تأتي قبيلة 'الضناحنه' وقلعة 'الغرفة' في السياق الغني لهذا المشهد، حيث برزت شخصية الشيخ محمد بن عبدالله بن علّي الضنحاني الذي ورث عن والده مشيخة قبيلة 'الضناحنه'، منذ عهد جده علي الضنحاني المولود في منطقة (ضنحى) المستقرة بين جبال إمارة الفجيرة، بجوار كل من قرى 'الغوب' و'ووم' و'الحلاه' و'العيينه' التابعة لمدينة 'دبا الغرفة'· حيث توجد في الفجيرة منطقتان باسم 'الغرفة' الأولى 'غرفة الضناحنه' في دبا بينما تقع الأخرى قريبا من 'كلباء'·
وقد ورث والد الشيخ محمد عن أبيه الكثير من المزارع وقوارب صيد السمك والخيرات، وكان يعمل تحت إمرته العشرات من الرجال العاملين على القوارب والمزارع، ولم تشغله كل تلك الثروة عن القيام بواجباته تجاه قبيلته أو التعاون والتواصل مع القبائل الأخرى·· وقد سكن 'دبا الغرفة' التي اختارها جدهم مقرا له، فبنى فيها حصنا اعتبر أحد أهم القلاع في الفجيرة، حيث يعد اليوم من الأماكن الأثرية الهامة إذ يبلغ عمره ما يزيد على مئة وأربعين عاما، وقد سكن في 'حصن الغرفة' الجد والد الشيخ محمد وعمه وجده·
يتذكر الشيخ محمد أنه فتح عينه هناك وهو ما يزال طفلا نشأ في ذلك الحصن الذي يتكون من ثلاثة طوابق يضم عدة أبراج ويحيط به سور، ويشمل من الداخل عدة غرف كانت تستخدم سكنا للشيخ وأسرته وخدمه، كما كان يستخدم كسجن ومقر لتوقيف الأفراد الذين ينظرون في أمر قضاياهم ممن ارتكبوا جرائم بحق الغير، ولذلك يشدد الشيخ محمد على الجهات المختصة اليوم أن تنظر في أمر ترميم الحصن، ليبقى شاهدا على تاريخ 'الغرفة' فيشكل قوة جذب سياحي للمنطقة·
ويسترجع الشيخ محمد ذكريات صباه فيؤكد أنه لم يكن أبدا يفارق أباه الذي كان يعدّه لتولي أمر قبيلته ورعاية شؤونها من بعده، ولذلك عندما كان يبدأ والده الشيخ عبدالله يومه بمقابلة رجال القبيلة والعشائر المنتشرة في المنطقة كان يحرص على تواجده، كما كان يصطحبه يوميا لمرافقته إلى بقية المناطق لتفقد أحوالها ومتابعة احتياجاتها، وبخاصة في مناسبات فض نزاع أو خلاف· فقد كانت الخلافات تنشب أحيانا في مواسم الزراعة، أو لموت نعجة أو بعير! ولكن ما إن تمر ليلة واحدة حتى يأتي المخطىء أو المذنب طوعا لشيخ القبيلة ويطلب الصلح مع خصمه، وبذلك لا يبقى متخاصمون في القبيلة فيختل نظام المودة والتراحم والتكافل·
قبيلة مملكة النحل
كانت القبيلة تتمتع بنظام يشبه نظام مملكة النحل، فكل أمر من أمور حياة القبيلة يخضع لنظام خاص· كانت القبائل تسير وفق نظام داخلي لكل قبيلة وفق مقتضياتها، والتنظيم الداخلي للقبائل يجري على أساس تكوين القبيلة التي تتكون من عدة بطون أو أفخاذ أو عشائر أو طوائف تتمثل مجتمعة في القبيلة، حيث يكون لكل عشيرة رئيس منتخب من أفراد عشيرته أو يتم تقديمه لعدة أسباب منها (السمعة والعلم والدين والمال أو الكمال الجسماني) ويترتب هذا التنظيم حسب العادات والتقاليد، حيث يراعيه أفراد القبيلة ما دام لا يمس مصالحهم المباشرة، ويوضح هذا الشكل صورة التكامل بين العشيرة والقبيلة· أحيانا يكون ترتيب العشائر داخل القبيلة غير متساو لأسباب عديدة، من بينها نسبة عدد أفراد أهل العشيرة والمال الذي يملكونه أو مناطق نفوذهم داخل القبيلة نفسها، فبناء على هذه المعايير يتم تحديد من يدير زمام الأمور في القبيلة·
كانت معايير القوة التي على أساسها يتسيد فيها البعض على البعض الآخر، من العناصر التقليدية التي تتحدد على أساسها 'الكلمة' التي يمكن أن تعارض أو تحتج على إرادة الشيخ إذا ما أقدم على أمر يخالف ما يرونه مناسب، أو الحديث باسمهم دون أن يرجع الأمر إليهم ليحصل على الموافقة المبدئية· ومن أهم المعايير أيضا عدد أفراد العشيرة ومناطق نفوذها وامتدادها الجغرافي من حيث المراعي والسكن والتحالفات والعلاقات الخارجية، بالإضافة إلى معيار المال الذي يكون في صورة إبل ومزارع أو (خدم) أو ماشية أو سلاح؛ أما معيار الثأر، فهو هام جدا بالنسبة لأفراد العشيرة الذين لم يؤخذ ثأرهم أو العشيرة التي استوفت ثأرها؛ ثم يأتي بعد ذلك معيار سمعة العشيرة الطيبة، من حيث إكرام الضيف أو منع اللاجئين إليها· فقد كانت القبائل لا تحبذ أن تختلط بها أسماء لا تمت لها بصلة فتنسب لها، خاصة فيما يتعلق بـ 'الدون' أو غير الملتزمين أخلاقيا، فمن المهم الالتزام بأحلافها وتأدية ما عليها من مال أو قصاص· أما رئيس العشيرة فيجب أن يتمتع بالأصل والذكاء والتدين والغنى والحزم وإتباع مبدأ الشورى مع أفراد عشيرته، فمن توفر فيه كل ذلك أو أكثر تكون له السيادة داخل إطار القبيلة وخارجها·
ذاكرة المسير إلى دبي
كان أهل منطقة دبا يعيشون على الزراعة حيث كانوا يزرعون القمح والبطاطا البيضاء المعروفة بـ'الفندال' والبصل إلى جانب زراعة النخل، أما أسلحتهم التي كانت تعتبر من القطع الشخصية المرتبطة بالشجاعة، فهي البنادق والسيوف والخناجر والتي لم يكن الرجال يفارقونها· ويؤكد الشيخ محمد الضنحاني أن الضناحنه كانوا ينتجون في منازلهم الكثير من المواد الغذائية التي لا تتلف أو تعطب سريعا، ويحملونها إلى المناطق الأخرى كإمارة الشارقة أو دبي· ويتذكر أنه خرج في رحلة إلى دبي على ظهور الإبل لمدة 6 أيام ومشيا على الأقدام حيث كانت الإبل محملة· وغالبا ما تكون رحلة العودة راجلا أيضا، عندما تكون الإبل محملة بالبضائع التي يشترونها من السوق· ويتم اختصار الرحلة إذا كانت الإبل غير محملة، فيمتطونها ليصلون إلى دبا في أربعة أيام فقط·
كانت القوافل تحمل معها الأرز والسمك المملح 'المالح' والتمر، حيث يتوقفون في أوقات معينة يطبخون فيها وجبة الأرز والمالح والتمر ثم يكملون المسير· كانت تلك الطريق تمر بهم على وادي 'الفاي' و'عرق بن حمد' و'أم النغول' و'بياته' و'طوي راشد' ثم 'مهذب'، وقد يذهبون إلى عجمان فلا يقل عدد رجال القافلة عن 20 رجلا خوفا من النهب أو السلب أو القتل· ومن الأسفار الهامة التي قام بها الشيخ محمد، عندما رافق والده في سفره مع المرحوم الشيخ محمد بن حمد الشرقي والد صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي حاكم إمارة الفجيرة، إلى 'البريمي'، وقد كان القصد من تلك الزيارة الصلح بين قبيلتين وكان عمره عشر سنوات آنذاك·
يعتبر الشيخ محمد محظوظا حين أدخله والده إلى مدرسة أحد المشايخ الذي قدم من اليمن واستقر في دبا، وهو الشيخ صالح بن محمد اليماني، وكان يدرس معه حوالي ثلاثين طفلا فختم القرآن كاملا· وفي عمر الرابعة عشرة تزوج الشيخ محمد الذي كان بدأ في الكد والعمل وهو طفل في العاشرة شأنه شأن كل أطفال القبائل العربية، حيث درجت عادات القبائل قديما على اشتراط تعلم الطفل للمهن والحرف منذ طفولته الأولى، فيخرج مع الرجال ويراقبهم في ما يفعلون ليكتسب خبراته للمستقبل· ويتذكر الشيخ محمد أن والده عندما رغب في الاقتران بوالدته سافر مع المرحوم سلطان السلامي إلى مسقط لشراء كافة مستلزمات العرس، وكان الجهاز كاملا بعشر 'روبيات هندية'·
عاش الشيخ محمد الضنحاني مكتفيا ماديا ولم يضطر للبحث عن وظيفة، حيث ورث الثراء عن أسرته التي كانت مقربة من الأسرة الحاكمة منذ عهد أجداده الذين كانوا يتولون الكثير من المهام وينوبون عن حاكم الإمارة في متابعة الكثير من القضايا ليتابعوها وتنفيذها على ضوء تعليماته ثم يطلعونه على النتائج· وعندما كان والد صاحب السمو الشيخ حمد حاكما على الفجيرة يقوم بزيارة قصره برفقة والده في 'ديرة' في إمارة دبي ويقضي فيه فترة ليست بالقصيرة ليبلغه بكل ما يحدث في 'دبا الغرفة'·· وقبل خمس سنوات توفي والد الشيخ محمد الضنحاني وكان قبلها بثلاث سنوات قد سلم مهام القبيلة الأمنية والقضائية إلى الشرطة والمحاكم لعدم قدرته على متابعتها·
المصدر: 0