الخلع يزعزع استقرار المجتمع المصري ويطعن الرجل في كرامته
عشر سنوات مرت على إعطاء المرأة المصرية حق الخُلع، وكان للتجربة حصاد مر في جوانب كثيرة، بينما احتلت إيجابياتها هامشا محدودا للغاية، فهناك تلال من قضايا الخُلع في محاكم الأسرة وصل عددها إلى نحو 55 ألف قضية حتى نهاية ديسمبر 2009، وفق إحصائيات وزارة العدل، من بينها 15 ألف قضية متداولة، في حين قضت المحكمة بشطب الدعوى في 27 ألف قضية بعد الصلح أو وقوع الطلاق العادي. ورغم ذلك، فهناك حوالي 13 ألف رجل “مخلوع” بموجب حكم قضائي نهائي، أي أن المجتمع المصري يشهد حالة خلع كل 7 ساعات تقريبا.
أكدت دراسة مصرية بعنوان “الآثار الاجتماعية للخُلع.. دراسة مقارنة بين الخُلع والتطليق” أنه كان من المتوقع أن يلقى الخُلع صدى إيجابيا بعد مرور كل تلك السنوات، إلا أن ردود الفعل لم تكن على النحو الإيجابي، بل إن المجتمع يرفض المرأة التي تطلب خلع الزوج باعتبارها “إنسانا لا يعتد به كمخلوق كامل الأهلية”، ويأوّل موقفها على أساس أنها سيئة السلوك وربما على علاقة برجل آخر وتحتاج إلى التخلص من الأول ليخلو لها الطريق مع هذا الآخر، أو أنها لا تبحث إلا عن إشباعات جنسية غير سوية.
جانية أم ضحية؟
أثبتت الدراسة التي أشرفت عليها الدكتورة نادية حليم، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي المصري للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن السيدات الراغبات في خلع أزواجهن يواجهن معارضة شديدة، خصوصا من الأهل الذين يرون أن هناك فارقاً كبيرا بين الخُلع والطلاق، وأن المرأة المطلقة قد تنال بعضا من التعاطف لكونها مجنيا عليها وضحية زوج لم يقدر سنوات العشرة بينهما.
وأكدت الدراسة أن قرار إنهاء العلاقة الزوجية لا يزال غير مقبول إذا كانت الزوجة هي صاحبته رغم صور المعاناة الشديدة التي أثبتتها الحالات التي اشتملت عليها الدراسة، مشيرة إلى أن الرجل يرفض هذا القانون باعتبار أن قرار الطلاق ليس من حق الزوجة. كما كشفت الدراسة عن أن أكثر المشكلات التي تتعرض لها المرأة بعد الخُلع هي المشكلات الاقتصادية والمعاناة لإيجاد مصادر للدخل تكفي احتياجاتها ومطالب أبنائها وأظهرت الدراسة أن غالبية النساء إما يعتمدن على عائد عملهن أو على الأهل وهناك نسبة قليلة تعتمد على أزواج جدد.
وأكدت الدراسة أن حجم المعارضة التي واجهتها الزوجة عند رفع الدعوى كبير في حالة الخُلع 43.5 في المائة، بينما في فئة الطلاق للضرر تصل النسبة إلى 33.1 في المائة، ورغم أن الزوجة في الحالتين تطلب إنهاء العلاقة الزوجية، فإن رفع دعوى طلاق مازال يمكن قبوله أكثر من رفع دعوى خلع وقد جاءت المعارضة بصورة أساسية من الأهل، بينما كانت نسبة المعارضة من جانب الأبناء ضعيفة.
ومن الأمور اللافتة في الدراسة التي اعتمدت على بيانات عينة من الأزواج والزوجات أعدها مركز قضايا المرأة المصرية في محافظات القاهرة والبحيرة وسوهاج، أن أزواج رافعات دعوى الخُلع والتطليق للضرر يلجأون إلى الاستعانة بشهود زور بنسبة 34.1 في المائة للخلع و44.9 في المائة للطلاق، فيطعن الزوج في قيمة المهر ويحاول إثبات ذلك بشهادة شهود زور أو الادعاء بإخفائها كثيرا من الهدايا التي يجب أن تردها إليه.
ذكر الأسباب
كشفت تجربة عشر سنوات خلع في مصر من واقع أوراق القضايا عن لجوء المرأة للحديث عن تفاصيل حياتها وتقديم أسباب كثيرة لطلبها للخلع، رغم أن القانون أعفاها من ذلك الأمر الذي بدا مستغربا. وإلى ذلك، قالت الدكتورة فوزيه عبدالستار، أستاذة القانون بجامعة القاهرة والرئيس الأسبق للجنة التشريعية في البرلمان المصري “إننا في مجتمع شرقي يرفض أبناؤه فكرة الطلاق وتدمير الأسرة ويلقون باللوم أولا على الزوجة فتسعى إلى كسب بعض التعاطف بذكرها الأسباب التي دفعتها لطلب الخُلع، رغم أن القانون أعفاها من ذكر الأسباب، فيكفى أن تقول “أنها لم تعد تطيق العشرة معه وتخاف إلا تقيم حدود الله”، ولكن ما يحدث أن الزوجة تكون متلهفة على قطع كافة الطرق أمام محاولات الصلح التي تجرى من قبل المحكمة وتسعى للخلاص من زوجها في أسرع وقت فتحرص على ذكر الأسباب وتستفيض في سردها.
وأضافت “عندما أصدر المشرع القانون رقم 1 لسنة 2000 متضمنا المادة 20 الخاصة بالخُلع كان يأمل حل مشكلة إطالة أمد التقاضي فيما يتعلق بالطلاق إذ لا يخفى أن قضايا الطلاق كانت تظل أمام المحاكم مدة طويلة قد تصل لعشر سنوات ما بين أول درجة واستئنافها والفصل في النقض، وقد تطول عن ذلك إذا نقض الحكم وأعيدت الدعوى للنظر أمام القضاء مرة أخرى. وقالت إن اللافت في حصاد السنوات العشر أن هناك دعاوى كثيرة تظل منظورة أمام القضاء لفترة تطول لعام وعامين ما بين تأجيل للإعلان أو للصلح أو لعرض المؤخر والمقدم عرضا قانونيا، الأمر الذي أدى إلى كثرة الشكاوى من إطالة أمد الدعوى في هذا المجال، معبرة أن الحل يكمن في أن يتم تطبيق نص المادة 20 من القانون وما قصده المشرع في سرعة الفصل، فإذا رأت المحكمة وجوب التأجيل، فليكن التأجيل لمدة أسبوع أو أسبوعين على الأكثر ويمكن في هذه الحالة الحكم خلال شهر تقريبا.
مكتسبات حقيقية
كشفت السنوات العشر من عمر الخلع في مصر عن وجود بعض القصور في قانونه، وهو ما تتفق عليه الناشطة في مجال حقوق الإنسان نهاد أبوالقمصان، رئيس المركز المصري لحقوق المرأة، التي ترى أن النظرة الشاملة لقانون الخُلع مقارنة بغيره من الأساليب العادية للحصول على الطلاق بالنسبة للمرأة تعد إيجابية، فهو أفضل بكثير ولا يستمر طويلا أمام المحاكم مثل طلب الطلاق للضرر مثلا، والذي يستمر عدة سنوات أمام المحاكم، مؤكدة أن الخلع ساهم في حل مشاكل العديد من السيدات. قالت إن قانون الخُلع لم يثر مشاكل كثيرة مثلما توقع البعض ولم يخرب بيوت المصريين، ولكنه أعطى حرية للمرأة في استمرار حياتها الزوجية بلا ضغط أو إكراه.
وتابعت “هناك سيدات بالفعل يستحققن الطلاق للضرر ولديهن أسباب كثيرة تدعم موقفهن، ولكنهن يلجأن إلى الخُلع والتنازل عن المستحقات بسبب طول إجراءات الطلاق العادي وأرى بعد عشر سنوات من قانون الخُلع أنه قد أسهم في أحداث التوازن في العلاقة بين الرجل والمرأة وعدم انفراد الرجل وحده بتطليق الزوجة وإنما أعطاء الزوجة في المقابل الحق في أن تتحرر من العلاقة الزوجية إذا ارتأت أن هذه العلاقة تمثل ضررا لها”.
وتؤكد الدكتورة هدى زكريا، أستاذ علم الاجتماع بجامعه الزقازيق، أن فترة عشر سنوات عايشتها المرأة المصرية في ظل قانون الخُلع تعد كافية للحكم على القانون الذي تراه إضافة حقيقية لسلسلة مكتسبات المرأة وتراه بمثابة طوق نجاة للكثير من السيدات اللاتي يعانين من بطش أزواجهن. وتتوقف أمام شريحة من الزوجات يرين في اللجوء إلى استخدام الخُلع عيبا كبيرا لها ولأسرتها، مما دفعهن لتجاهل الخُلع واللجوء إلى الطرق التقليدية في الحصول على الطلاق للضرر خوفا على سمعتهن، فعلى حد قول إحداهن “أخاف أن يوصف أبنائي بأنهم أولاد المرأة التي خلعت زوجها وأنهم من الممكن لاسيما البنات أن يكررن ذلك مع أزواجهن في المستقبل”. واعتبرت زكريا أن التأثير السلبي لقانون الخُلع كان من نصيب الزوج المخلوع الذي بات يواجه مشكلة نفسية كبيرة في مواجهة الناس والمجتمع وبات وصف مخلوع بمثابة سبة يشعر الرجل معها بالإهانة.
خلل أسري
حول كيفية انعكاس الخُلع نفسيا على المجتمع والأسرة المصرية، قال الدكتور هاشم بحري، أستاذ الطب النفسي بجامعه الأزهر: ”لهذا القانون ما له وما عليه، فقد مثل حالة من الراحة النفسية بالنسبة للمرأة واستمرار علاقتها بزوجها وأتاح لها القدرة على اتخاذ القرار مثلها مثل الزوج بالاستمرار أو الإنهاء، وفى المقابل أنتج القانون جوا من عدم الاستقرار الأسري واضطراب العلاقة بين الزوجين، لاسيما في حالات إساءة المرأة استخدام هذا القانون لأتفه الأسباب، فالزوج لم ينس أن زوجته هددته بالخُلع أو أقدمت على تلك الخطوة قبل التصالح، وهو ما ينعكس على تربية الأبناء وصورة الآباء في مخيلتهم”.
ويؤكد أن وجود كل هذا الكم من القضايا خلال عشر سنوات دليل على وجود خلل كبير في الأسرة المصرية وتصعيدها إلى المحاكم ينم عن فشل الأسرة في احتواء المشكلات، ومن ثم فشلها في تنشئة الأجيال. وتوقع أن تزداد نسب الطلاق والخُلع في السنوات المقبلة إلى أضعاف ما تم في السنوات العشر الماضية.
وعن رأي الشريعة الإسلامية في سوء استخدام بعض الزوجات لقانون الخُلع في الضغط على أزواجهن أو رغبتهن في الزواج بآخر أفضل حالا ووسامة أو اختلاق الرجل لمشاكل مع زوجته لإجبارها على طلب الخُلع، قال الدكتور محمد رأفت عثمان، عضو مجمع البحوث الإسلامية والعميد الأسبق لكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر، إنه إذا كان الخُلع بلا سبب شرعي كأن تكون الزوجة راغبة في الزواج برجل آخر وتريد بالخُلع التخلص من زوجها الحالي، فإن الخُلع في هذه الحالة “غير مشروع”، بل و”مكروه كراهة التحريم”، وهي بذلك امرأة “آثمة” والإثم يقع عليها دينيا وليس قضائيا لأن نيتها الحقيقية من طلب الخُلع لا تظهر للقاضي عند الحكم به، ولكنها تحاسب عليها أشد الحساب أمام الله تعالى كذلك “يحرم” على الرجل أن يؤذي زوجته ويمنعها بعض حقوقها حتى تخلع نفسها ويتخلص من تبعات الطلاق.
لتحاشي «الخُلع» تجنبْ أكل البصل والفول
أثارت الكثير من الدعاوى السخرية لتفاهة أسبابها كتلك التي سعت للخلع؛ لأن زوجها يعشق أكل البصل، وأخرى لأنها تشعر بالحرج من زوجها الأستاذ الجامعي المحب لتناول الفول صباحا على عربة بالشارع، وثالثة بدعوى أنه لم يعد يحبها بالقدر الكافي ولم يستجيب لمطلبها في الذهاب للمصيف أسبوعيا، أو تلك التي غضبت لأنه لم يشتر لها الفستان الذي تمنته. وبقدر ما أثارت تلك الدعاوى الضحكات والسخرية، أثارت الفزع ودقت ناقوس الخطر على مستقبل الأسرة التي باتت في مهب الريح لأتفه الأسباب.
جمعيات الدفاع عن حقوق الرجل!
من المفارقات التي شهدها المجتمع المصري في ظل قانون الخُلع، خروج أصوات عدة، لاسيما من الرجال، تطالب بإلغائه لكونه أهدر كرامة الرجل. وتشكلت عدة جمعيات للدفاع عن حقوق الرجل المخلوع مثل “الحرية لأصدقاء الرجل”، و”سي السيد”، و”المخلوعون في الأرض” و”مكافحة المرأة المتسلطة”، والأخيرة أقامت دعوى أمام المحكمة الدستورية العليا لإيقاف العمل بقانون الخُلع لعدم دستوريته ولتسببه في خراب بيوتهم، إلا أن المحكمة أقرت بصحة القانون. كما كان لافتا لجوء الشباب المقبلين على الزواج للنص في وثيقة الزواج على مقدم صداق كبير ليسترد هذا المبلغ إذا أرادت الزوجة إنهاء حياتها الزوجية بالخُلع، وهو ما أدى إلى ارتفاع تكاليف الزواج لأداء الزوج مبلغا كبيرا كمصاريف توثيق لقاء إثبات مهر أكبر.
نجمات ونجوم تحت ضرس الخلع
اقترنت أسماء عدد من المشاهير بقانون الخُلع، أبرزهم المطربة أنغام التي استعملته في الانفصال عن زوجها الموزع الموسيقي فهد، وكذلك هنا شيحة من زوجها مهندس الديكور والممثلة هيدي كرم والمطربة التونسية سوار، وسبقتهن الفنانة هالة صدقي المسيحية التي غيرت ملتها كي تنهي معاناتها مع زوجها الأول، وخاض الممثل مصطفى شعبان تجربة الخُلع وإن نجا في اللحظات الأخيرة من نيل لقب مخلوع، بعد أن فوجئ بزوجته تقيم دعوى ضده رغم أن زواجهما لم يدم أكثر من ثمانية أشهر، وأرجعت ذلك لغيرتها الشديدة عليه لكثرة معجباته، ما جعلها تعيش في حالة نفسية سيئة، إلا أن مصطفى وحفاظا على سمعته كنجم سينمائي، أقدم على تطليقها وإعطائها كافة حقوقها المادية ومؤخر الصداق وصل إلى 50 ألف جنيه، مؤكدا أنه رجل شرقي فلاح ولا يقبل على نفسه أن تخلعه زوجته.
رائدة الخلع في مصر
وفاء جبر، كانت أول سيدة مصرية قامت برفع دعوى خلع من زوجها في منتصف مارس 2000 أمام محكمة طنطا للأحوال الشخصية، والتي نظرت الدعوى بعد ثلاثة أسابيع وتحديدا يوم 8 أبريل من نفس العام، فأخطرت الزوج والذي أعلن رغبته في استمرار الحياة الزوجية، إلا أن جبر رفضت وتمسكت بمطلبها وقالت الجملة الشهيرة الحاسمة “أخشى في حالة الاستمرار معه ألا أقيم حدود الله”؛ فحكمت لها المحكمة بالخُلع وتبعتها الآلاف من النساء، بعضهن هربا من جحيم زوج أساء معاشرتها وأخريات رأين في حق الخُلع وسيلة ضغط على الأزواج لتحقيق مآرب شخصية بعد أن تبين لهن أن هناك من الرجال من يرفض لقب “مخلوع” ويلجأ في سبيل ذلك إلى مهادنة زوجته بشتى السبل لحين شطب الدعوى.
المصدر: القاهرة