محمد نجيم (الرباط)

لا أحد منا ينكر القيمة الأدبية الكبيرة للشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، الذي شغل النقاد فحفروا عميقاً في متنه الشعري ورؤيته للذات وللعالم؛ وما تزال دور النشر العربية تواصل نشر أبحاث وأطروحات جامعية تغوص في قصائد محمود درويش بإعمال نظريات نقدية مختلفة، إلا أن الكتاب المرجعي الضخم المكون من (587 صفحة) «تحولات تموز في شعر محمود درويش»، للشاعر والناقد والأكاديمي المغربي علال الحجام، الصادر مؤخراً، عن بيت الشعر في المغرب، من الكتب الجادة التي قاربت شعر درويش الخارج عن كل تصنيف؛ لأنها دراسة رسمت صورة تقريبية لشاعر عميق وأنيق نذر حياته وشعره لقضية نبيلة، وأخلص للشعر إخلاصه لوطنه فلسطين، وقد ساءلت مكونات الحداثة الشعرية لغة ورؤيا وهموماً في شعر محمود درويش الذي استطاع أن يحقق التوازن الصعب بين جماليات الفن وبين الواقع الذي يكابده، جاعلاً، كما يقول الحجام في توطئة الكتاب، الحداثة الشعرية «مهمة فنية مضنية تواكب الحياة في تغيرها الدائم، لذا لم تتعامل هذه المقاربة مع شعره باعتباره شعر قضية فقط، بل بحثت عما توافر له من خصوصيات إبداعية تجعله شعراً قبل النظر إلى مواضيعه، لأن معالجة الشعر قضية كبيرة ونبيلة مثل القضية الفلسطينية لا تجعل نصه شعراً بالضرورة، كما أن معالجة شاعر آخر موضوعاً متواضعاً مثل وصف الليل أو وصف عصفور أو رثاء فراشة لا يخرجه ضرورة من دائرة الشعر، لأن العمدة على صدق التجربة، وطريقة التعبير وسحر الشعر. ولعل أهمية منجز درويش تكمن في قدرته الخارقة على شعرنة التجربة والمعاناة، والسمو بالغريب والمألوف، وصهر الواقعي في المتخيل، وإخضاعه لدينامية شعرية تتمكن بحذق نادر من بسط سلطتها عليه، ولجمه كبحاً لجبروت لا يؤدي إلا إلى انتصار صرامة العقل والواقع والتاريخ على الحرية والرؤيا والشعر والجمال إذا لم يجد شاعرا فذا متمكنا من عيار درويش».
يؤكد الدكتور علال الحجام، أن عمله هذا «يطمح إلى أن يقع في مأمن من التوجيهات الإيديولوجية الضيقة، ويتركز على مطارحة شعر درويش باعتباره تجربة جديدة لها تميزها وفرادتها، استطاعت المزاوجة بين الهمَّين اللغوي والتاريخي، وهو ما ظل مستبعداً في التأمل النقدي والنظري طيلة أكثر من خمسة عقود، ذلك أن الشعرية الفلسطينية شعرية شيدت حداثتها بعيداً عن العبثية والذرائعية ووهم الشعر الصافي، قريباً من نار الواقع، وأصواته المجلجلة، فكانت حداثة شعرية ذات مذاق يستحق هذه الرحلة. لذا تأخذ مهمته على عاتقها منذ البداية إثبات قدرة شعر محمود درويش على صنع صرح حداثته بنبض الروح في مواجهة الموت والطغيان والاجتثاث».
كما اكتشف الحجام، خلال مدة بحثه في الأرض الخصبة للشعر، غنى تجربة الشعر الفلسطيني، وتنوع أدواتها وأساليبها، وأنها تعلو على ذاتها بالمراجعة والنقد الذاتي والبحث المضني، وهو ثراء مكنها من تجاوز البدايات التحريضية الصاخبة، وفتح آفاق رحبة للإبداع الهادئ العميق. هكذا أسهمت حركة الشعر الفلسطيني الحديث بدءا من السبعينيات في تطوير الشعر العربي الحديث والمعاصر، وهذه حقيقة تحتم مساءلة الحداثة الشعرية الفلسطينية: ما هي مظاهرها الكبرى؟ وما هي خصوصياتها بالقياس إلى الحداثة الشعرية في باقي أنحاء الوطن العربي وخاصة حداثة تجمع مجلة «شعر» الذي يظل لحد الساعة الأكثر إثارة للجدل؟ كما يرى أن (ثمة امتداداً في الشعر الفلسطيني الحديث للرؤية التي بلورها تجمع مجلة «شعر»، وفرضتها متغيرات اللحظة التاريخية ذاتها، كما صاغتها خصوصيات الشاعر الفلسطيني. والرؤية التموزية رؤية سادت في معظم ما كتب من شعر في عقدي الخمسينيات والستينيات، لكنها أصبحت في الشعر الفلسطيني ذات مذاق جديد غير مألوف، نظراً لكون الشاعر الفلسطيني يعيش التفاصيل معانياً القهر والغربة والتشرد، لأن ثمة أرضاً تُسلب، وتاريخاً يحترق، وشعباً يقاوم الموت، متشبثاً بالحياة، وهي جزئيات قد تطفو شعوراً مريراً بالاجتثاث الحضاري، والحاجة إلى الميلاد أو الانبعاث. لذا اتسمت الحداثة الشعرية الفلسطينية بالاختلاف، لأنها تصنع ملامحها المحمومة في قلب المأساة، مصرة على صياغة فرحها الندي الذي لا يكل، بقدر ما تزرع جذورها العميقة في حركة الحداثة العربية).