دينا محمود (لندن)

قال محللون اقتصاديون غربيون، إن استمرار الحراك الاحتجاجي في لبنان، يفاقم الأزمة الخانقة التي يعاني منها الاقتصاد في سوريا المجاورة، منذ اندلاع الأزمة هناك قبل نحو 9 سنوات، خاصة في ظل تأثير التدابير التي اتخذتها السلطات المصرفية في بيروت، على تدفق الدولارات على الأسواق السورية.
وأشار المحللون، إلى أن الليرة السورية فقدت أكثر من ثلث قيمتها أمام الدولار الأميركي، أو ما يوازي نحو 35% منها، اعتباراً من شهر أكتوبر الماضي، الذي شهد النصف الثاني منه خروج المحتجين اللبنانيين إلى الشوارع، وما نجم عن ذلك من تداعيات، شملت فرض قيود على السحب من الأموال المودعة من المصارف، خاصة العمليات التي تُجرى بالعملة الصعبة.
وفي تصريحات، نشرها موقع «ميدل آيست آي» الإخباري، أوضح المحلل بول كوكرين، أن التجاذبات السياسية التي يشهدها لبنان دفعت العملة السورية للدخول في مرحلة انهيار متسارع أمام الدولار، على مدار الشهور الثلاثة الماضية، مُستعرضاً في هذا الصدد التراجع المطرد الذي طرأ على قيمتها في غضون أسابيع قليلة.
وقال: إن سعر الليرة الذي بدأ بـ 633 ليرة لكل دولار في مطلع أكتوبر، وصل إلى 822 في منتصف نوفمبر، قبل أن يبلغ السعر بعد ذلك بوقت قصير ألفاً من الليرات، خاصة بعد إغلاق أبواب المصارف اللبنانية لمدة أسبوعين، وما أعقب ذلك من تحديد سقف السحب منها بـ 300 دولار أسبوعياً لا غير.
وأكد كوكرين في تقرير نشره الموقع، أن الاضطرابات الراهنة في الجارة الغربية لسوريا، أدت إلى تدهور وضع الاقتصاد المتداعي من الأصل لهذا البلد «من شديد السوء إلى ما هو أكثر من ذلك سوءاً»، مشيراً إلى أن تَبِعات الاحتجاجات المستمرة ضد الطبقة الحاكمة في بيروت، «أغلقت باباً رئيساً، كانت سوريا تستخدمه للحصول من خلاله على الدولارات، التي تحتاج إليها».
فقد أظهرت تلك التظاهرات - بحسب «ميدل إيست آي» - حجم الاعتماد السوري على الجيران في لبنان، للحصول على العملة الصعبة الضرورية لاستيراد السلع والمنتجات الأساسية، في ظل استمرار العقوبات الأممية والأميركية والأوروبية المفروضة منذ سنوات على السلطات الحاكمة في دمشق.
ونقل التقرير عن مسؤول لبناني - لم يُكشف عن هويته - قوله: إن «الضغط المالي الذي يتعرض له لبنان في ظل الظروف الحالية، كشف النقاب عن كل الدول المرتبطة بالقطاع المصرفي فيه سراً أو علناً، ما أبرز في الوقت نفسه، مدى اعتماد الاقتصاد السوري بشكل كبير على المصارف اللبنانية».
وأضاف المسؤول: «الكل يعلم أن سوريا تستخدم لبنان للتهرب من العقوبات، حتى الولايات المتحدة تدرك ذلك، لذا لم يكن ما تم الكشف عنه مفاجئاً»، موضحاً أن الانخفاض الشديد الذي لحق بقيمة العملة السورية ناجم عن التعاملات الضخمة، التي كانت تجري في الأعوام القليلة الماضية عبر المصارف اللبنانية، بحجم كان يصل إلى مليارات من الليرة السورية.
وبحسب محللين، يصعب تحديد حجم الأموال السورية، التي يتم تداولها بشكل مشروع، من خلال القطاع المصرفي اللبناني، وتلك التي تُتداول على نحو غير قانوني عبره، وذلك في ضوء اكتفاء السلطات المصرفية في بيروت، بالإعلان عن حجم ودائع الأجانب، دون تقديم أي تفاصيل عن جنسياتهم.
وفي تصريحات لـ«ميدل إيست آي»، قال دان قزي، الرئيس التنفيذي السابق لمصرف «ستاندرد تشارترد لبنان»: إنه كان لدى السوريين مليارات الدولارات في لبنان، لكن الجانب الأكبر منها، كان يتمثل في أموال دخلت وتم تداولها بطريقة مشروعة، غير أن ذلك لا ينفي وجود جانب غير قانوني لاستخدام السوريين - سواء كانوا رسميين أو لا - للمصارف اللبنانية، وهو ما كان يتمثل في استخدام كيانات وأشخاص خاضعين للعقوبات في سوريا «للمؤسسات المالية في لبنان، من أجل الوصول إلى الأسواق الدولية، أو لشراء أصول عقارية في دول أخرى مثل روسيا، عبر شركات شبه وهمية، مسجلة بحسابات مصرفية لبنانية في خارج البلاد».
وأبرز مصرفي سوري سابق - رفض بدوره الكشف عن هويته - الدور الذي لعبته هذه الشركات كـ «بوابة، تم استغلال لبنان من خلالها لتسهيل الأنشطة الاقتصادية والمالية للكثير من الجهات السورية».
وقال: إنه بالرغم مما يقوله حاكم مصرف لبنان، رياض سلام، دائماً من أن السوريين لا يستخدمون القطاع المصرفي في بلاده، فإن هناك مليارات من الدولارات التابعة لهم قابعة الآن في المصارف اللبنانية، وهم يريدون استعادتها»، في ظل احتدام الأزمة السياسية التي تجتاح لبنان، ولا تبدو لها نهاية قريبة في الأفق.